تسونامي أزرق يجتاح أميركا: صفعة لترامب، ولكن هل ينهي حروب واشنطن؟

الساعة 09:38 ص|06 نوفمبر 2026

فلسطين اليوم

بقلم أ. سامي العريان

لقد غيّرت الموجة الزرقاء الديمقراطية المشهد السياسي في واشنطن. أما قدرتها على تغيير علاقة واشنطن بالشرق الأوسط، فستتوقف على صراعات أخرى لم تبدأ إلا للتوّ.

لقد كان التسونامي السياسي الذي اجتاح الولايات المتحدة في الثالث من نوفمبر استثنائياً في حجمه وتداعياته. فلم يكن الطوفان الانتخابي الذي أطاح الجمهوريين مجرد تصحيح آخر في انتخابات منتصف الولاية الرئاسية، بل كان رفضاً واسعاً لرئاسة دونالد ترامب وسياساته الاقتصادية وحروبه واتهامات الفساد التي تلاحقه، فضلاً عن ممارسته المتزايدة للسلطة الرئاسية بأسلوب تصادمي متجاهلاً كل الأعراف الديمقراطية.

ولعل السؤال الأكثر أهمية يتعلق بما سيحدث بعد ذلك. فهل ستفضي هذه الهزة السياسية إلى إعادة تقييم جوهرية للسياسة الخارجية الأميركية، ولا سيما تجاه الكيان الصهيوني وفلسطين وإيران والشرق الأوسط عموماً؟ أم أن المؤسسة التقليدية في الحزب الديمقراطي ستحاول استعادة الإجماع المألوف بين الحزبين، الذي أسهم في إنتاج الأزمات نفسها التي تواجهها واشنطن اليوم؟

ستحدد الإجابة عن هذا السؤال مسار السياسة الأميركية طوال عام 2027 وما بعده.

رفض تاريخي لترامب

لقد تجاوز حجم هزيمة الجمهوريين التوقعات التقليدية، فلسوف يسيطر الديمقراطيون على مجلسي الكونغرس (النواب والشيوخ)، حيث انتزعوا سبعة مقاعد في مجلس الشيوخ كانت بأيدي الجمهوريين، في ولايات تكساس وكانساس وكارولاينا الجنوبية وأيوا وكارولاينا الشمالية وأوهايو وماين، ليصل عدد مقاعدهم إلى 54 مقعداً على الأقل. كما لا يزال فرز الأصوات جارياً في ولاية ألاسكا، حيث تتقدم المرشحة الديمقراطية، مع احتمال فوزهم أيضاً في ولاية مسيسيبي، التي لم تنتخب سيناتوراً ديمقراطياً منذ عام 1982.

لقد انتخبت ولاية كانساس أول عضو ديمقراطي في مجلس الشيوخ منذ عام 1932. أما تكساس، التي هيمن الجمهوريون على انتخاباتها على مستوى الولاية لعقود، فقد انتخبت الديمقراطي جيمس تالاريكو. كما شهدت ولايتا كارولاينا الجنوبية وأيوا، اللتان شكلتا معقلين للجمهوريين لعقود، مفاجأتين انتخابيتين استثنائيتين.

كانت المفارقة واضحة. لقد هُزم عدد من المرشحين الجمهوريين المرتبطين ارتباطاً وثيقاً بترامب، بمن فيهم مرشحون اختارهم شخصياً ودعمهم، في انتخابات سعى إلى تحويلها إلى استفتاء قومي في شخصه ورئاسته.

حقق الديمقراطيون أيضاً مكاسب كبيرة في مجلس النواب، مع احتمال واضح لوصولهم إلى 258 مقعداً، بزيادة تتجاوز 40 مقعداً. كما أظهرت انتصاراتهم في انتخابات حكام ولايات كانت تُعد تقليدياً جمهورية، بما فيها ولايات تكساس وجورجيا وأوهايو وأيوا ونيفادا وألاسكا. أن موجة الرفض تجاوزت واشنطن بكثير. فلم تكن مجرد انتفاضة في معاقل الديمقراطيين، بل اخترقت القواعد الجغرافية والديموغرافية للحزب الجمهوري.

كان عمق السخط الشعبي جليّاً، حيث أظهرت استطلاعات آراء الناخبين لدى خروجهم من مراكز الاقتراع أن نحو تسعة من كل عشرة ناخبين اعتبروا الفساد الحكومي وتكاليف المعيشة عاملين مهمين أو حاسمين في قراراتهم الانتخابية، فيما قال 74 في المئة إن الحرب على إيران كانت عاملاً مهماً أو حاسماً. كذلك اعتبر 63 في المئة أن قرار مهاجمة إيران كان خاطئاً، فيما أعرب 87 في المئة عن قلقهم إزاء أسعار البنزين.

وإضافة إلى ذلك، فإن أكثر من 60 في المئة من الناخبين الأميركيين كانوا مع رفض الأداء الرئاسي لترامب، كما كانت رغبة سبعة من كل عشرة ناخبين في أن يمارس الكونغرس رقابة أشد عليه، أي إن الانتخابات مثّلت رفضاً شعبياً واسعاً لرئاسته. ربما لم تكن الحرب على إيران السبب الوحيد في انهيار الجمهوريين في صناديق الانتخاب، ولكن تداعياتها العسكرية والاقتصادية والسياسية أسهمت إسهاماً كبيراً في موجة الغضب الشعبي تجاههم.

وبحلول أواخر أكتوبر، كان متوسط سعر البنزين قد بلغ نحو 4.27 دولاراً للغالون، أي بزيادة تتجاوز الثلث مقارنة بمستواه عندما عاد ترامب إلى البيت الأبيض قبل أقل من عامين. أما أسعار الديزل، فقد ارتفعت بوتيرة أشد، لتصل إلى نحو 6.35 دولارات للغالون في المتوسط.

ولقد كان اضطراب شحنات الطاقة عبر مضيق هرمز والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الإقليمية من أبرز أسباب هذه الزيادات. وربما جاء الاعتراف الأكثر دلالة من نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي نسب هزيمة الجمهوريين صراحة إلى الحرب على إيران. فقد صرّح فانس قائلاً: "إن السبب الذي جعلنا نخسر هو الحرب."، مضيفاً أن ترامب نفسه قد أقرّ بتداعياتها الانتخابية. ثم اعترف ترامب لاحقاً بأن الحرب وارتفاع أسعار البنزين قد أضرّا بحظوظ الجمهوريين.

أصبح التناقض بين وعود ترامب وسجلّه السياسي غير مقبول لدى الناخب الأميركي. فقد وعد بالسلام والازدهار وإنهاء التورط الأميركي في الحروب الخارجية المكلفة، إلّا أن الأميركيين وجدوا أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة وحرب اختيارية أخرى أفضت إلى مواجهة وحرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط. كانت الرسالة الانتخابية واضحة: لقد بدّد ترامب جانباً كبيراً من رصيده السياسي الذي مكّنه من العودة إلى السلطة عام 2024.

ميشيغن: المعركة داخل المعركة

لعلّ التداعيات الأعمق لهذه الانتخابات لم تتجلَّ في مكان كما تجلّت في ولاية ميشيغن. لم يكن انتصار د. عبد الرحمن السيد على الجمهوري مايك روجرز مهماً لمجرد أنه حافظ على مقعد ديمقراطي في مجلس الشيوخ، بل لأنه تحدّى الافتراضات المتعلقة بفرص نجاح المرشحين الذين ينتقدون علناً الدعم الأميركي لـ"إسرائيل". ولذا أصبح د. السيد، الطبيب الأميركي من أصل مصري والمسؤول السابق في الصحة العامة، والمعروف بتوجهاته التقدمية، أول مسلم يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي.

وجاء فوزه بعد انتخابات تمهيدية ديمقراطية محتدمة، تساءلت خلالها شخصيات من المؤسسة التقليدية للحزب عما إذا كانت مواقفه التقدمية، ولا سيما معارضته للعدوان الإسرائيلي على غزة، ستقوّض فرصه في ولاية شديدة التنافس.

لكن التركيبة الانتخابية في ميشيغن أثبتت أنها أكثر تعقيداً مما افترضته تلك الحسابات. فالولاية تضم جاليات عربية وإسلامية كبيرة، خصوصاً في منطقة ديترويت الكبرى، إلى جانب النقابات العمالية المنظمة والناخبين الأميركيين من أصول أفريقية والناشطين التقدميين وشرائح أخرى لا يمكن اختزال أولوياتها السياسية في قضية واحدة.

ومن خلال الانتخابات الرئاسية السابقة عام 2024، أسهم الغضب من دعم إدارة بايدن لحرب الكيان الصهيوني على غزة في إحداث شرخ عميق بين قطاعات من هذه المجتمعات والمؤسسة التقليدية للحزب الديمقراطي. بل إن حركة "غير ملتزم" اكتسبت شهرتها على المستوى الوطني انطلاقاً من ميشيغن. 

ولقد أثبت انتصار د. السيد إمكانية بناء ائتلاف انتخابي واسع من دون التخلي عن انتقاد السياسات الإسرائيلية أو الاستجابة لكل مطالب لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك) والآلة السياسية المؤيدة لـ"إسرائيل".

وهكذا جسّد الناخبون في ولاية ميشيغن تطورين مترابطين: رفضهم للحكم الجمهوري، وتحديهم للافتراض القائل إن انتقاد "إسرائيل" يمثل بالضرورة عبئاً انتخابياً. هذا لا يعني أن ميشيغن أصبحت مؤيدة لفلسطين بالإجماع، أو أن غزة حسمت كل سباق انتخابي. لكنه يعني أن الحدود السياسية المحيطة بالقضية الفلسطينية آخذة في التغير.

التناقض الذي لم يحسمه الحزب الديمقراطي

هناك تناقض جوهري في قلب هذا الصعود الانتخابي الديمقراطي. في عهد الرئيس الديمقراطي جو بايدن، ارتكب الكيان الصهيوني وبدعم أميركي عسكري ومالي ودبلوماسي واسع حرب الإبادة الجماعية في غزة. ووفقاً لمشروع "تكاليف الحرب" التابع لجامعة براون، قدمت إدارة بايدن ما لا يقل عن 22 مليار دولار من المساعدات العسكرية المباشرة للكيان الصهيوني خلال حربه التي شنّها بعد السابع من أكتوبر 2023، بما في ذلك شحنات كبيرة من الأسلحة، مع استخدام صلاحيات الطوارئ لتسريع بعض صفقات السلاح. لا يمكن لأي انتصار انتخابي للحزب الديمقراطي على ترامب أن يمحو ذلك السجل المخزي. 

والواقع أن أحد أهم تطورات هذه الانتخابات يتمثل في الانقسام المتزايد داخل الحزب الديمقراطي حول السياسات نفسها التي انتهجتها الإدارة الديمقراطية السابقة. فقد أفرزت الانتخابات الحالية ما لا يقل عن أحد عشر عضواً جديداً في الكونغرس، بينهم عضوان في مجلس الشيوخ وتسعة أعضاء في مجلس النواب، سبق أن دافعوا علناً عن الحقوق الفلسطينية، أو انتقدوا سلوك "إسرائيل" في غزة، أو عارضوا جوانب من المساعدات العسكرية الأميركية لها، وبينما دعا بعضهم إلى إنهاء المساعدات العسكرية، طالب آخرون بفرض شروط أشد، وتحقيق المساءلة، أو إعادة تقييم علاقة واشنطن بالكيان الصهيوني. ومع ذلك، فإن انتصاراتهم قد توسّع الكتلة النيابية المستعدة لتحدي الافتراضات الراسخة بشأن نفوذ اللوبي الإسرائيلي والدعم الأميركي غير المشروط لـ "إسرائيل".

هؤلاء الأعضاء الجدد سينضمون إلى أعضاء آخرين منتقدين ومعروفين داخل الكونغرس، مثل رشيدة طليب من ولاية ميشيغن، وإلهان عمر من ولاية مينيسوتا، وألكساندريا أوكاسيو كورتيز من ولاية نيويورك، فيما تمثل شخصيات عامة أخرى، مثل عمدة نيويورك زهران ممداني، تحدياً سياسياً أوسع للمدافعين عن الكيان الإسرائيلي.

ولعلّ أوضح تجلّيات هذا التحول السياسي الناشئ جاء من تكساس، حيث هُزم جيمس تالاريكو المرشح الجمهوري في ولاية لم تنتخب عضواً ديمقراطياً في مجلس الشيوخ منذ عام 1988.

ولقد عبّر تالاريكو بوضوح عن موقفه من اللوبي الإسرائيلي وغزة، قائلاً: "لم أتلقَّ قط أموالاً من منظمة أيباك، ولن أتلقى أموالاً من أيباك في هذه الحملة. إن رؤية ما يحدث في غزة تصيبني بالغثيان، بوصفي معلماً ومسيحياً وإنساناً". لم يمنعه هذا الموقف الشجاع من الفوز في تكساس، أحد أهم معاقل الجمهوريين في الولايات المتحدة.

ولعل هذا الانتصار يشير إلى أن نتائج انتخابات الثالث من نوفمبر لم تكن مجرد رفض لترامب وحربه على إيران، والتي شنّها بالشراكة مع الكيان الصهيوني، بل مثّلت أيضاً تحدياً للمؤسسة التقليدية للحزب الديمقراطي المرتبطة بجو بايدن وأنتوني بلينكن وجيك سوليفان، الذين مكّنت سياساتهم "إسرائيل" من شن عدوانها المدمر على غزة والاستمرار فيه لأكثر من ثلاث سنوات.

ولسنوات كان قادة الحزب الديمقراطي يزعمون أن الدعم غير المشروط لـ"إسرائيل" ضرورة استراتيجية وسياسية في آن واحد. ولكن ظهور مرشحين ناجحين يرفضون علناً التمويل من أيباك وينتقدون سلوك "إسرائيل" يشير إلى أن هذا الافتراض أصبح في موضع تشكيك متزايد. ولا يعني ذلك أن الحزب الديمقراطي تخلّى عن التزاماته التقليدية تجاه الكيان الصهيوني على الإطلاق. لكنه يشير إلى أن قاعدة سياسية متنامية داخل الحزب الديمقراطي لم تعد مستعدة لقبول تلك الالتزامات باعتبارها مسلّمات غير خاضعة للنقاش.

كذلك لا تكمن أهمية انتصار تالاريكو في أنه مجرد فوز مرشح ديمقراطي في ولاية تكساس، بل في أن مرشحاً ديمقراطياً استطاع الفوز في تكساس رغم تحدّيه العلني لإحدى أكثر مسلّمات السياسة الخارجية الأميركية رسوخاً. ولذا فإن السؤال الجوهري هو ما إذا كان هؤلاء السياسيون سيبقون أقلية معارضة، أم سيصبحون جزءاً من تحوّل أكثر جوهرية داخل الحزب الديمقراطي.

لا تزال المؤسسة التقليدية للحزب الديمقراطي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمؤسسات السياسة الخارجية التقليدية، وأصحاب المال المتبرّعين النافذين، والملتزمين بالإجماع الاستراتيجي الذي يعتبر "إسرائيل" حليفاً أميركياً محورياً. ولذلك، ينبغي عدم الخلط بين أغلبية ديمقراطية في الكونغرس وأغلبية مناهضة للحروب، فضلاً عن وجود إجماع مؤيد لتحرير فلسطين. ورغم أن الانتصار الانتخابي أوجد فرصة جديدة، فإنه لم يحسم بعد الصراع على توجّه الحزب بشأن حق الفلسطينيين في تقرير المصير والتحرر من الاحتلال العسكري.

ما الذي سيتغير في يناير 2027؟

عندما ينعقد الكونغرس الجديد في الثالث من كانون الثاني/يناير، سيتغير ميزان القوى في واشنطن بصورة جذرية. فللمرة الأولى خلال ولاية ترامب الرئاسية الثانية، سيصبح مجلسا الكونغرس تحت سيطرة المعارضة. وسيضعف ذلك بدرجة كبيرة قدرته على تمرير التشريعات الداخلية، وضمان الموافقة على تعيين كبار المسؤولين، وتجنّب الرقابة البرلمانية.

كما ستكتسب اللجان المختلفة المنبثقة عن الكونغرس صلاحية التحقيق في قرارات الإدارة واتهامات الفساد، واستدعاء المسؤولين، والمطالبة بالوثائق، وعقد جلسات استماع بشأن الحرب على إيران والإنفاق العسكري وبيع الأسلحة والسياسة الخارجية. وسيكتسب مجلس الشيوخ أهمية خاصة في هذه الأمور نظراً إلى سلطته في إقرار تعيين كبار المسؤولين ودوره في التصديق على المعاهدات والاتفاقيات الدولية.

يمتلك الكونغرس صلاحيات دستورية مهمة تتعلق بالمخصصات والميزانيات المالية الفيدرالية والمساعدات العسكرية، ما يمكنه من استخدام هذه الأدوات لتحدّي الدعم المقدّم لـ"إسرائيل" أو فرض شروط عليها، وكذلك التدقيق في العمليات العسكرية المتعلقة بإيران، والمطالبة بمزيد من الشفافية بشأن الالتزامات الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط.

ولكن في، المقابل هناك قيود مهمة. فلا يزال ترامب يحتفظ بصلاحيات دستورية واسعة في مجالات الدبلوماسية والأمور العسكرية وقرارات السياسة الخارجية التنفيذية. كما يستطيع استخدام حق النقض ضد التشريعات، في حين يتطلب تجاوز الفيتو الرئاسي أغلبية الثلثين في كلا المجلسين، وهي أغلبية لا يمتلكها الديمقراطيون حالياً.

ويواجه أعضاء الحزب الجمهوري في الكونغرس ضغوطاً كبيرة لتمرير قانون "تفويض الدفاع الوطني" (NDAA)، والمخصصات الدفاعية المرتبطة به، قبل انتهاء ولايتهم في يناير المقبل، مستفيدين من استمرار سيطرتهم على الكونغرس حتى ذلك الحين".

وقد يتيح ذلك إدراج التمويل العسكري الضخم المخصص للكيان الصهيوني ضمن تشريعات أوسع تتعلق بالدفاع والاستخبارات ويكون الدعم لكل الاحتياجات العسكرية والأمنية الإسرائيلية جزءاً من ميزانية الدفاع الأميركي، فيتم إخفاء حجم الدعم الأمني والعسكري الحقيقي المقدم لـ"إسرائيل".

وبالنسبة إلى "إسرائيل"، تستحق هذه الفترة الانتباه والتدقيق الخاص حتى الأول من كانون الثاني/ يناير من السنة المقبلة. فالعلاقة العسكرية الأميركية القائمة حالياً تشمل ترتيبات مساعدات طويلة الأجل، وعقود تسليح، وبرنامج مخزونات الاحتياط الحربي للكيان الإسرائيلي، ولذا فإن داعمي الكيان يحاولون الآن مد تفويضه قبل انتقال السلطة التشريعية للكونغرس الجديد والذي تبدأ ولايته حينها. وبالطبع فإن أي محاولة لتجديد هذه الترتيبات أو توسيعها قد تقيّد خيارات الكونغرس المقبل في قدرته على ممارسة ضغط فعلي على السياسات الإسرائيلية الخطيرة.

وبينما سيمتلك الديمقراطيون قدرة كبيرة على عرقلة سياسات الإدارة والتحقيق فيها وكشفها، فإن قدرتهم على فرض سياسة خارجية بديلة وشاملة ستكون محدودة وأقل بكثير. ولذلك، يُرجّح أن تكون النتيجة المباشرة هي المواجهة المؤسسية، وليس بروز توجّه استراتيجي جديد ومتماسك.

الشرق الأوسط: استمرار السياسات أم تحوّلها؟

أما بالنسبة إلى فلسطين، فلقد أوجدت الانتخابات فرصاً جديدة، لكنها لا تقدم أي ضمانات. قد تؤدي زيادة عدد أعضاء الكونغرس المنتقدين لـ"إسرائيل" إلى تشديد الرقابة على تقديم الأسلحة والتوسع الاستيطاني والعمليات العسكرية ومعاملة الفلسطينيين في ظل نظام هجين وراسخ من الفصل العنصري والاحتلال العسكري.

كما يمكن لجلسات الاستماع في الكونغرس أن تتيح مساحة أوسع لشهادات الفلسطينيين المباشرة والتحقيقات المستقلة. ولكن فإنه من المؤكد أن قادة الحزب الديمقراطي في الكونغرس سوف يواجهون ضغوطاً هائلة لإعادة النظر في السياسات الأميركية الراسخة المتمثلة في حماية "إسرائيل" من أي مساءلة حقيقية.

غير أن العلاقة الأميركية بـ"إسرائيل" متجذّرة بعمق في المؤسسات. فوفقاً لمجلس العلاقات الخارجية، فإن "إسرائيل" قد تلقّت منذ تأسيسها نحو 350 مليار دولار من المساعدات الثنائية الأميركية وتمويل الدفاع الصاروخي (بعد تعديلها لتظهر القيمة الحقيقية وفقاً للتضخم في هذه الفترة لقيمة الدولار لعام 2025.) وتستند هذه العلاقة إلى التعاون العسكري والترتيبات الاستخبارية والشبكات السياسية الداخلية وعقود من الالتزامات الاستراتيجية المشتركة بين الحزبين. ومن المؤكد أنه لن تختفي هذه البنى والمؤسسات والعلاقات الشائكة نتيجة انتخابات واحدة.

أما بشأن إيران، فقد تكون التداعيات أكثر مباشرة. إذ يمكن للتحقيقات البرلمانية في تكاليف الحرب ومشروعية تفويضها ونتائجها أن تقيّد أي تصعيد إضافي، وأن تعزز المطالب بالبدائل الدبلوماسية. ولذا ينبغي عدم التقليل من الأهمية السياسية لاعتراف فانس. فعندما يحدّد نائب رئيس في منصبه حرباً خارجية باعتبارها السبب الرئيس للهزيمة الانتخابية لحزبه، فإنه يقرّ بأن التدخل العسكري أصبح عبئاً سياسياً داخلياً خطيراً.

لكن معارضة حرب ترامب لا تعني بالضرورة تأييد نهج أميركي للحزب الديمقراطي ليكون مختلفاً اختلافاً جذرياً تجاه إيران. فكثير من الديمقراطيين المنتمين إلى المؤسسة التقليدية يتبنّون مواقف متشددة شبيهة بمواقف الجمهوريين بشأن النفوذ الإقليمي الإيراني والقدرات العسكرية والبرنامج النووي، حتى عندما يختلفون معهم حول استخدام القوة.

وبالمثل، فمن غير المرجّح أن تشهد علاقات واشنطن الاستراتيجية مع الأنظمة السلطوية في المنطقة، بما فيها السعودية ودول الخليج العربية ومصر والأردن وشركاء إقليميون آخرون، تحولاً مفاجئاً. فالجدل الناشئ سيركز على أساليب الهيمنة الأميركية الإقليمية والتزاماتها وتكاليفها ومدى استدامتها، أكثر مما سيركز على التخلّي الفوري عنها. 

نقطة تحوّل، لا ثورة

لقد أفرزت انتخابات نوفمبر 2026 ثلاثة تطورات سياسية متميزة: أولاً، فإنها وجّهت رفضاً شعبياً واسعاً لترامب، وأضعفت قدرته على الحكم من دون مواجهة مقاومة مؤسسية كبيرة ورقابة من الكونغرس. ثانياً، أثبتت أن انتقاد الدعم الأميركي لـ"إسرائيل" لم يعد محصوراً في هوامش السياسة داخل الكونغرس، ولكنه أصبح جدلاً مركزياً وقوياً. ثالثاً، كشفت الانتخابات تناقضاً متزايد الوضوح بين سجلّ المؤسسة التقليدية للحزب الديمقراطي في السياسة الخارجية، ومطالب قاعدة شعبية متنامية تسعى إلى مساءلة "إسرائيل" ومحاسبتها وضبط استخدام القوة وإقامة علاقة مختلفة مع الشرق الأوسط.

لكن التغيير الانتخابي لا يعني بالضرورة تغييراً بنيوياً. فالنظام السياسي نفسه الذي أنتج الدعم المشترك بين الحزبين للحرب الإسرائيلية على غزة لا يزال قائماً إلى حد كبير. كما لا تزال مؤسساته العسكرية وافتراضاته الاستراتيجية وشبكات الضغط التابعة له وأولوياته الجيوسياسية تمارس نفوذاً هائلاً داخل أروقة الكونغرس ودوائر الحكم.

أما السؤال الجوهري الذي يجب طرحه خلال العامين المقبلين فهو عمّا إذا كان ميزان القوى الجديد في الكونغرس سيكتفي بتقييد سياسات ترامب، أم سيبدأ بتحدي الأسس الأعمق للسياسة الخارجية الأميركية.

وهنا يكمن الفارق الحاسم. لقد غيّرت الموجة الزرقاء الديمقراطية المشهد السياسي في واشنطن. أما قدرتها على تغيير علاقة واشنطن بالشرق الأوسط، فستتوقف على صراعات أخرى لم تبدأ إلا للتوّ.

ربما يكون الطوفان قد أطاح سيطرة الجمهوريين على الكونغرس، لكنه لم يُطِح بعد البنى التي تُبقي حروب أميركا مستمرة، ولا بدعمها الأعمى لـ"إسرائيل