هل يحاول ترامب والحزب الجمهوري إبطال نتائج الانتخابات؟

الساعة 09:34 ص|06 نوفمبر 2026

فلسطين اليوم

لكن تبيّن أن "الموجة الزرقاء" أصبحت "تسونامي ديمقراطي" عصف بالأغلبية الجمهورية بمجلسي الكونغرس بفارق كبير غير مسبوق. وابتداءً من يوم تنصيب الكونغرس المنتخب، يوم الـ 3 من كانون الثاني 2027، سيقضي الرئيس دونالد ترامب عاميه الأخيرين من رئاسته "بطة عرجاء" عاجزاً عن تمرير أي قانون أو موازنة من دون الديمقراطيين. كما تبيّن أن ترامب الذي وعد صباح الـ 28 من شباط/فبراير 2026 بإسقاط النظام الإيراني في أربعة أيام قد خسر قاعدته التشريعية والشعبية في ليلة واحدة لينقلب السحر على الساحر. 

قبل فتح مراكز الاقتراع بأسابيع، حذّر مراقبون من تكرار حملة الإنكار والإبطال التي أطلقها ترامب صبيحة خسارته انتخابات الرئاسة عام 2020، وذكروا بهجوم الغوغاء من أنصاره واقتحامهم مقر مجلسي الكونغرس"الكابيتول هيل"، يوم الـ 6 من كانون الثاني 2021، لفضّ الاجتماع المخصص للمصادقة الدستورية على نتائج الانتخابات، ونجم عنه قتلى وجرحى وفوضى عارمة. وتكرّر وعيده بإنكار وإبطال أي انتخابات يخسرها.

استراتيجية الخيارات المفتوحة

في مقال استقصائي متعدد الحلقات بعنوان "الرقص في الظلام"،  نُشر بـ"واشنطن سبيكتاتور"، قبل الانتخابات بقليل، حذّر مارك ميديش، مدير سابق في مجلس الأمن القومي، وجول مكليري، مساعد سابق في البيت الأبيض، من أدوات إدارة ترامب للسيطرة على نتائج الانتخابات، وتزايد المخاوف من "احتمال" إلغاء الانتخابات أو تزويرها خلال مراحلها المختلفة، أو اتخاذ خطواتٍ تحرم الناخبين حق التصويت أو تتحكم في النتائج لمنع حصول الحزب الديمقراطي على أغلبية في الكونغرس.

كان أول النذر يوم الانتخابات، أرسلت وزارة العدل مراقبين إلى مراكز الاقتراع في الولايات المصنّفة "ديمقراطية" لاصطياد مخالفات أو تجاوزات، كذريعة لإبطال النتائج. وسبق ذلك فتح مكتب التحقيق الفيدرالي تحقيقاً جنائياً حول الحملة الانتخابية في ألاسكا لصالح المرشح الجمهوري، ووُجّهت تهديدات بالاعتقال للناشطين الديمقراطيين في الحملة الانتخابية. واقتحم عملاء فيدراليون بيت النائبة، إلهان عمر، ابتزازاً وترهيباً. 

وصف ميديش ومكليري مجموعة واسعة من الأدوات المتاحة للإدارة الحالية للاحتفاظ بالسلطة: "ترامب وضع مجموعة آليات مقلقة للتدخل في العملية الانتخابية، وعلى أقل تقدير، للزعم لاحقًا بأن الانتخابات معيبة، وبالتالي فنتائجها غير صحيحة". 

تُبقي استراتيجية إدارة ترامب جميع الخيارات مفتوحة. وتشمل منع الناس من التصويت، وترهيب الناخبين، والطعون الموجهة لنتائج انتخابات محددة لعرقلة وصول أعضاء الكونغرس إلى مناصبهم. وقد استخلصت إدارة ترامب دروسًا كثيرة من أخطائها في انتخابات عام 2020، وهي الآن أكثر استعدادًا للسيطرة على الخطاب العام والتحرك بسرعة للتدخل في الانتخابات. ويوضح مكليري، "أعتقد هذه المرة أنهم يُهيئون الرأي العام لذرائع سيقدمونها، وسيكون مُنكرو النتائج، يشغلون الآن مناصب رئيسة، جزءًا من استراتيجية التواصل هذه".

نطاق وأدوات 

ثمة قلق آخر حول نطاق سلطة ترامب التنفيذية. فهناك أدوات قديمة كقانون التمرد أو المادة الثانية من الدستور ويُمكن اللجوء إليها، وأدوات جديدة أخرى كالمذكرة الرئاسية الرقم 7 للأمن القومي (NSPM-7)، وتستهدف أي شخص يُعتبر مُعاديًا للمسيحية أو الرأسمالية أو الفاشية.

بدوره، يقول الكاتب الصحافي، كريس هيدجز، الأمر بالغ الخطورة. وإذا تمكن ترامب من إيقاف هذه الانتخابات فعليًا، فلن يكون هناك مخرج. لقد وضع البيت الأبيض في عهد ترامب سلسلة آليات للتلاعب بانتخابات التجديد النصفي أو إبطالها. لن يُنقذنا الكونغرس ولا المحاكم. أملنا الوحيد، لدى تزوير الانتخابات أو سرقتها: الإضرابات العامة. أملنا الوحيد هو شلّ آليات التجارة والحكومة، مع أن هذا النضال سيُقابل بقمع وحشي من الدولة. وإلا، أتوقع أننا محكوم علينا بالفناء. لن يكون هناك مخرج. 

إذا طُبّقت إجراءات أعدتها إدارة ترامب، فقد تُفعّل صلاحيات طوارئ لفرض سيطرة فيدرالية غير مسبوقة على عملية التصويت. سيصادر عملاء فيدراليون مواد الانتخابات. لقد صادروا بالفعل بطاقات اقتراع من إدارات سابقة. لن تُرسل خدمة البريد الأميركية بطاقات الاقتراع إلا لمن وردت أسماؤهم بقوائم الأهلية المعتمدة "فيدراليًا" والمستمدة من سجلات الناخبين في الولايات. هذه القوائم، الخاضعة لفحوصات الجنسية، ستحرم ولايات ترفض مطالب الإدارة ببيانات الناخبين من خدمات البريد الانتخابية تمامًا.

لقد أدى التلاعب بالدوائر الانتخابية الذي دعمه ترامب، لدى إعادة رسمها بمنتصف العِقد لتفكيك دوائر انتخابية تحت سيطرة الديمقراطيين، وخلق دوائر جديدة للجمهوريين. ستحرم متطلبات الهوية الفيدرالية ووثائق الجنسية ملايين الناخبين المؤهلين من حقهم في التصويت، كمنخفضي الدخل الذين لا يملكون الوصول إلى الوثائق المطلوبة، ونساء متزوجات لا تطابق أسماؤهن الراهنة الأسماء المسجلة في سجلات الجنسية.

وقد تُنشر قوات فيدرالية وقوات الهجرة والجمارك، بتمويل إضافي بالمليارات خصّصه الكونغرس، حول مراكز اقتراع ذات أغلبية ديمقراطية. وسيتعرّض من يُوصَمون بمعاداة الرأسمالية أو المسيحية، أو يُتهمون بالانتماء لحركة "أنتيفا"، للترهيب والمنع من التصويت.

إلغاء الانتخابات!

بغض النظر عن نتيجة التصويت، قد تستخدم الأغلبية الجمهورية الراهنة في مجلس النواب، سلطتها في التصديق على نتائج الانتخابات للاحتفاظ بالسلطة، متلاعبةً بالنظام الانتخابي، ورافضةً تنصيب أعضاء المعارضة المنتخبين. وسيشرف على هذا التزوير الانتخابي موالون عيّنتهم إدارة ترامب في مكاتب الانتخابات الفيدرالية وفي الولايات. ترامب، الذي حاول قلب نتائج انتخابات 2020، وصرّح بأنه سيرفض نتيجة انتخابات 2024 حال خسارته، يُفكر علنًا في تحدي الدستور للفوز برئاسة ثالثة. كما طرح فكرة إلغاء الانتخابات المقبلة، مصرّحًا لـ"رويترز": "عندما تفكر في الأمر، لا ينبغي لنا حتى إجراء انتخابات". 

وصرّح ترامب لـ"نيويورك تايمز" في كانون الثاني 2026 بأنه نادم على عدم توجيه الحرس الوطني لمصادرة أجهزة التصويت بعد انتخابات 2020. لا يكتفي ترامب برغبته في إلغاء التصويت عبر البريد – حيث يصوّت الديمقراطيون أكثر من الجمهوريين – بل يريد أيضًا إلغاء أجهزة التصويت وآلات فرز الأصوات، التي تسمح للجان الانتخابات بنشر النتائج ليلة الانتخابات. ومهّد ترامب الطريق للتدخل الفيدرالي في خطابه – في تموز الماضي – بشأن تزوير الانتخابات، زاعماً أنها مُعرّضة للاختراق والاستغلال والتدخل الأجنبي.

بحسب ميديش، رغم أن هذه الآليات قد وُضعت وجُرّبت، لكن مداها غير معلوم. وهذا هو جوهر الصورة، فاستراتيجية ترامب إثارة الشكوك خلال مختلف مراحل الانتخابات. المفارقة أنه يتمنى الفوز بها بنزاهة وشفافية، ويدرك أنه قد لا يحقق ذلك. كانت استطلاعات الرأي لانتخابات التجديد النصفي تبدو سيئة للغاية لحزبه. ولذا، فقد وضع مجموعة كاملة من الآليات المقلقة للتدخل في العملية، على الأقل، للادعاء لاحقًا بأن الانتخابات كانت معيبة، وبالتالي فإن النتائج غير صالحة. لكن الأمر قد يتطور لما هو أبعد من ذلك بكثير. وهي إجمالاً مخاطر "محتملة".

وبينما كانت أميركا تعتبر سابقا أنها نعرف كيف تُجري الانتخابات، أصبح هذا الأمر موضع شك من قبل المسؤولين في أعلى هرم الحكومة، وعلى رأسهم ترامب نفسه. لذا، يسود جو من عدم اليقين والفوضى والارتباك. هذا هو الأساس الذي يجري وضعه. كان متوقعاً أنه في ظل خسارته، سيعلن عن تزوير. والسؤال حينها هو: إلى أي مدى هو مستعد للذهاب؟

في مقالهما، عرض ميديش ومكليري بعض أهم مخاوفهما بشأن التدخل، سواء كان ذلك بتطهير سجلات الناخبين، وإمكانية إعلان الأحكام العرفية، ومحاولات الحد من التصويت عبر البريد، وانقسمت المحاكم حوله، لكن المحكمة العليا أوقفتها في النهاية. لكن الضرر قد وقع بالفعل لأنه وضع الأساس للادعاء بوجود خلل في التصويت عبر البريد. وسيكون الاختبار الحقيقي هو كيفية فرز هذه الأصوات في الانتخابات وبعدها. وهل سيتم عدّها بالفعل.

سيناريوهات كارثية 

وقعت محاولات للاستيلاء على سجلات الناخبين. لقد رأينا مكتب التحقيقات الفيدرالي يحقق في جهاز انتخابات جورجيا كمحاولة للاستيلاء على بطاقات اقتراع انتخابات 2020، لأنهم ما زالوا يطعنون في نتائجها. وهذه كلها أمور جارية.

هل يمكن أن يصل الأمر إلى نشر قوات شرطة أو قوات عسكرية، حول مراكز الاقتراع، وهو أمر لا يسمح به القانون الأميركي لأنه قد يُرهب الناخبين؟ إنه أمر وارد وسيكون ذلك سيئًا للغاية. هل يمكن أن يتفاقم الوضع إذا اندلعت اضطرابات بسبب، حادثة إطلاق نار أخرى من قبل إدارة الهجرة والجمارك في مكان ما؟ وأن تُستخدم هذه الاضطرابات قبيل الانتخابات كذريعة للقول بأنه لا يمكن إجراء انتخابات نزيهة في ظل عصيان مدني؟

قد تبلغ السيناريوهات الكارثية ذروتها بتفعيل قانون التمرد، وفيه صلاحية قانونية مُفوضة للرئيس من الكونغرس. بل إنّ إعلان حالة الطوارئ بموجب المادة الدستورية الثانية، وهي الصلاحيات الأساسية للرئيس في مجال الأمن القومي، سيكون أكثر تطرفًا.

وكان من أسوأ السيناريوهات المتوقعة  دمج أزمة دولية مع ادعاء استحالة إجراء انتخابات بسبب حرب ما. وقد جرى الإعداد لهذا السيناريو بإشاعة أن إيران تهدد باستهداف ترامب وقادة أميركيين رداً على اغتيال قادتها، لكنه لم يكتسب زخماً وانتشاراً كافياً لتنفيذه.   

وحقيقة أن هذا الرئيس، الذي زعم أنه ضد الحروب الدائمة، أصبح مغامراً ومتساهلاً في إشعالها، يجب أن يُقرع ناقوس الخطر، لأنه لا يعقل أنه يتحدث باستخفاف عن إبادة دولة أخرى، وذكر ذلك في تغريدة له عن إيران. حسناً، إذا كان مستعداً لفعل ذلك، إبادة حضارة بأكملها، فماذا عساه أن يفعل في العملية الانتخابية؟ هذا هو مصدر المخاوف الكبرى.

عندما أعلن ترامب مؤخراً أن حزبه خسر الانتخابات وأنه سيستخدم حق النقض (الفيتو) لإبطال القوانين والقرارات التي يصدرها الكونغرس الديمقراطي (وتحتاج لثلثي أصوات المجلسين للتغلب على الفيتو)، ثم عاد ليقول إنه سيتعاون مع الأغلبية الديمقراطية، تفاقم قلق المراقبين لأنه لم يُعهَد عنه التصالح مع حقائق الواقع الجديد بل هو "خاسر حقود" يتربّص بخصومه الدوائر لينقضّ عليهم في أقرب فرصة.

رد فعل الليكود على تصويت العرب الواسع في الانتخابات الإسرائيلية، وما أثاروا من شبهات حوله، وأطلق الشاباك تحقيقاً لاختراع تدخّل خارجي كذريعة لإبطال تصويتهم ونتائجه، سنرى أنهم يتبعون نفس أدوات وإجراءات ترامب والجمهوريين والفاشيين في كل زمان ومكان.

وفي حين طالبت المستشارة القضائية لحكومة الكيان، غالي ميارا، رئيس الشاباك بالأدلة قبل الموافقة على التحقيق مع نواب عرب، لم يحدث ذلك لأنه لا أدلة، بحسب لجنة الانتخابات.

والهدف النهائي لليكود وترامب والفاشية تحويل التصويت من حق دستوري إلى جريمة يعاقَب عليها الناخبون، ليُرسّخ إبطال النتائج حالة عجز وإحباط ويأس ونكوص عن المطالبة بالحقوق. وهناك سجلّ حافل للولايات الأميركية الجمهورية في "تطهير" قوائم الناخبين من الأقليات والفئات العرقية المغايرة والتغول على حق الاقتراع.