في الوقت الذي اصبحت فيه الحياة الجامعية والأكاديمية حول العالم تعتمد على التحول الرقمي، يجد الطالب الجامعي في قطاع غزة نفسه يخوض معركة شاقة لمجرد الحصول على جهاز كمبيوتر محمول (لابتوب) أو هاتف ذكي يُتيح له مواصلة دراسته.
ومع استمرار الحصار والقيود المشددة على إدخال البضائع والمنتجات التكنولوجية، قفزت أسعار الأجهزة الإلكترونية إلى مستويات خيالية؛ حيث تجاوز سعر الحاسوب المحمول المستعمل والمتهالك حاجز 2000 دولار.
وتسببت ظروف الحرب وتدمير المنشآت التعليمية والجامعية في فقدان آلاف الطلبة لأجهزتهم الخاصة التي تُعد عصب حياتهم الأكاديمية.
ومع تحول معظم الجامعات في القطاع إلى نظام "التعليم عن بُعد" لضمان استمرارية الفصل الدراسي وسط الظروف الميدانية الصعبة، اصطدم هذا الخيار البديل بواقع اقتصادي وتقني مأساوي جعل متابعة المحاضرات وإنجاز التكاليف أمراً شبه مستحيل لقطاع واسع من الطلبة.
وتتجلى الكارثة بأوضح صورها لدى الطلبة الجدد الملتحقين حديثاً بالجامعات، والذين صُدموا بالمتطلبات التقنية فور تسجيلهم، حيث ناشد عدد منهم في أحاديث منفصلة لوكالة فلسطين اليوم الإخبارية العالم والمجتمع الدولي التدخل لإنقاذ مستقبلهم الأكاديمي.
تقول الطالبة ريم عياد (18 عاماً)، والتي التحقت بكلية تكنولوجيا المعلومات بعد حصولها على معدل مرتفع في الثانوية العامة: "اجتهدت عائلتي بشدة لتوفير رسوم التسجيل الجامعي، لكنني صُدمت بأن المتطلبات الأساسية للبدء في الدراسة تقتضي حاسوباً بمواصفات معينة. وعندما بحثنا في الأسواق المحتكرة، وجدنا أجهزة قديمة جداً ومتهالكة يُطالب أصحابها بمبالغ تصل إلى 2000 دولار".
وقالت إن هذا المبلغ يعادل ميزانية أسرتنا لعدة أشهر... اضطررت في النهاية لسحب أوراقي وتأجيل دراستي، فالتعليم عن بُعد بدون حاسوب محمول هو مجرد وهم.
ولم تكن حالة ريم استثناءً، إذ يروي الطالب أحمد سلمي، المقيد في السنة الأولى بكلية الهندسة المدنية، تجربته القاسية قائلاً: "كنا ننتظر بدء الحياة الجامعية بشغف، لكنني وجدت نفسي عاجزاً عن تشغيل برامج الرسم الهندسي الأساسية مثلا على هاتف ذكي ذي شاشة مكسورة أستعيره من شقيقي.
وأضاف: "تحولت المشاريع العملية إلى كابوس يومي، حيث أضطر لقطع مسافات طويلة بحثاً عن نقطة شحن أو حاسوب يعمل لدى أحد معارفي، وفي كثير من الأحيان أفشل في تسليم التكاليف في موعدها، مما دفعني للتفكير جدياً في إيقاف قيدي هذا الفصل."
أما الطالبة سارة أبو جلمبو، التي اختارت تخصص التصميم الجرافيكي، فتؤكد أن غياب الأجهزة يحرم الطالب حتى من فرصة التعلم التلقائي: "التصميم والتفكير البصري يحتاجان إلى ممارسة وتطبيق يومي على أدوات التصميم المختلفة".
وتقول: "عدم امتلاكي لجهاز كمبيوتر يجعلني أستمع للمحاضرات كأنها مادة نظرية مجردة، دون قدرة على التطبيق... أشعر أنني متأخرة خطوة كاملة عن زملائي في الخارج، وأن جهدي في الثانوية العامة ذهب سدى أمام عجز أسرتي عن شراء جهاز مستعمل بثمن خيالي."
ويؤكد العديد من الطلبة أن المشكلة تتضاعف في ظل الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي وشح وسائل الشحن، مما يجعل الحصول على حاسوب محمول مزود ببطارية صالحة أمراً يتطلب تكاليف إضافية باهظة.
من جانبه، يعبر الطالب خالد احمد في كلية الحاسوب تكنولوجيا المعلومات عن خشية جيله من الآثار طويلة المدى لهذه الأزمة.
ويقول: "نحن لا نطلب رفاهية، بل نطالب بالحد الأدنى من الأدوات التي تمكننا من الدراسة. البرمجة وكتابة الأكواد لا يمكن إنجازها عبر الملاحظات الورقية أو الرسائل النصية. إن حرماننا من الأجهزة يهدد بتخلف جيل كامل تكنولوجياً ويمنعنا من التنافس في سوق العمل المستقبلي."
وطالب هؤلاء الطلبة المؤسسات الدولية والإغاثية، بضرورة الضغط على الاحتلال لفتح المعابر وإدخال الأجهزة التكنولوجية والمستلزمات التعليمية باعتبارها مواد أساسية لا تقل أهمية عن الغذاء والدواء.
وأكدوا أن حرمان الطالب الجامعي من أدواته الرقمية يُمثل عملية تجميد قسري لجيل كامل من الكفاءات الشابة، ويسهم في تفاقم ظاهرة العزوف عن التعليم العالي في قطاع غزة.