"إسرائيل" بلا مساعدات أميركية.. هل تستطيع تمويل حروبها بنفسها؟

الساعة 11:36 ص|05 نوفمبر 2026

فلسطين اليوم

لم يعد إنهاء المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل مجرد نقاش داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية، بل بات توجهاً يطرح تساؤلات بشأن مستقبل العلاقة العسكرية بين الجانبين، وقدرة "تل أبيب" على تمويل احتياجاتها الدفاعية والعسكرية بعيداً عن الدعم الأميركي المباشر.

 

وأعاد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عزمه وقف نحو أربعة مليارات دولار من المساعدات السنوية لإسرائيل، مع الإبقاء على إمكانية بيع الأسلحة ومساعدتها عند الحاجة، فتح النقاش حول مدى قدرة "إسرائيل" على الاستغناء عن هذه المساعدات، وما إذا كان التوجه يعكس رغبة حقيقية في الاستقلال العسكري والمالي، أم محاولة لإعادة صياغة العلاقة مع واشنطن بما يقلل من القيود السياسية المرتبطة بالدعم.

 

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة ستوقف تقديم المساعدات العسكرية لإسرائيل مع نهاية العام الجاري، مشيراً إلى أن إسرائيل لم تعد بحاجة إلى هذه المساعدات.

 

الكاتب والباحث المختص بالشأن الإسرائيلي حسن لافي رأى أن التوجه الإسرائيلي نحو إنهاء المساعدات لا يمكن فصله عن تجربة الحرب على قطاع غزة، وما أظهرته من حساسية الاعتماد على القرار الأميركي، خصوصاً عندما تتحول المساعدات العسكرية إلى ورقة ضغط أو ترتبط بتقلبات المواقف السياسية في واشنطن.

 

وبيّن لافي أن أحد أبرز دوافع التوجه الإسرائيلي يتمثل في تقليل الارتهان للقرار الأميركي، وعدم ربط احتياجات الجيش "الإسرائيلي" بتقديرات الإدارات الأميركية المتعاقبة أو حساباتها السياسية.

 

ويضيف: "قد عززت تجربة الحرب على غزة هذه المخاوف داخل إسرائيل، بعدما شهدت العلاقة مع إدارة الرئيس السابق جو بايدن خلافات بشأن بعض شحنات الأسلحة والذخائر، وتأخير تسليم بعضها، في ظل الضغوط والانتقادات الأميركية المرتبطة بالعمليات العسكرية في القطاع".

 

ويشير لافي إلى أن إسرائيل تسعى، من خلال هذا التوجه، إلى الانتقال من نموذج المساعدات المالية المباشرة إلى نموذج الشراكة العسكرية والتكنولوجية، بحيث تتولى تمويل جانب أكبر من احتياجاتها، مع استمرار التعاون مع الولايات المتحدة في مجالات التسليح والتطوير الدفاعي ونقل التكنولوجيا.

 

وبهذا المعنى، لا يبدو إنهاء المساعدات بالنسبة إلى إسرائيل إعلاناً عن فك الارتباط مع واشنطن، بقدر ما يمثل محاولة لتقليل الاعتماد على التمويل المباشر، مع الحفاظ على الامتيازات الاستراتيجية التي يوفرها التحالف الأميركي الإسرائيلي، بحسب لافي.

 

ماذا تخسر إسرائيل بوقف المساعدات؟

 

ويبيّن الكاتب أن المساعدات العسكرية الأميركية الحالية تستند إلى مذكرة التفاهم الموقعة عام 2016، والتي تغطي الفترة من 2019 إلى 2028، وتبلغ قيمتها الإجمالية 38 مليار دولار على مدى عشر سنوات.

وتشمل المذكرة 33 مليار دولار للتمويل العسكري الخارجي، بواقع 3.3 مليارات دولار سنوياً، إضافة إلى خمسة مليارات دولار مخصصة لبرامج الدفاع الصاروخي، بمتوسط 500 مليون دولار سنوياً.

وبذلك يصل إجمالي الدعم السنوي إلى نحو 3.8 مليارات دولار، وهو ما يجعل وقف المساعدات عبئاً مالياً يتعين على الحكومة الإسرائيلية التعامل معه، خصوصاً في ظل ارتفاع الإنفاق العسكري خلال السنوات الأخيرة.

ويرى لافي أن المسألة لا تتعلق فقط بتعويض قيمة المساعدات، وإنما بكيفية توفير الموارد اللازمة للحفاظ على مستوى الإنفاق العسكري، دون أن يؤدي ذلك إلى مزيد من الضغط على الموازنة العامة أو تقليص الإنفاق المخصص للقطاعات المدنية.

 

وبشأن قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تحمّل كلفة الاستقلال، أوضح أن تعويض المساعدات الأميركية يمثل تحدياً اقتصادياً أمام إسرائيل، في ظل كلفة الحرب والإنفاق العسكري المتزايد، إلى جانب أعباء الديون والعجز المالي.

ويضيف: "إن إنهاء التمويل الأميركي المباشر يعني أن الحكومة الإسرائيلية ستكون أمام خيارات صعبة، من بينها زيادة مخصصات وزارة الدفاع من الموازنة المحلية، أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، أو توسيع الاعتماد على عائدات الصناعات العسكرية وصفقات تصدير السلاح".

ويشير لافي إلى أن قدرة إسرائيل على تحمّل هذه الكلفة لا تُقاس بحجم اقتصادها فقط، بل بمدى قدرتها على توفير التمويل المستدام لجيشها، والحفاظ على جاهزيته العسكرية، في وقت تتزايد فيه متطلبات التسليح والتطوير والبحث العسكري.

"كما أن نقل العبء المالي إلى الداخل قد يفتح نقاشاً إسرائيلياً بشأن الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً إذا تطلب الأمر تخصيص موارد إضافية للجيش على حساب قطاعات أخرى"، وفق رأيه.

 

هل تملك إسرائيل بديلاً؟

ولفت إلى أن إسرائيل تراهن على تطوير صناعاتها العسكرية المحلية، وتعزيز قدرتها على إنتاج الأسلحة والأنظمة الدفاعية، بما يقلل اعتمادها على الخارج.

ويضيف: "تملك شركات إسرائيلية، من بينها الصناعات الجوية الإسرائيلية و'رافائيل' و'إلبيت'، قدرات في مجالات الطائرات والأنظمة الدفاعية والصواريخ والتكنولوجيا العسكرية، كما تشكل صادرات السلاح أحد مصادر القوة الاقتصادية والصناعية الإسرائيلية".

ولفت لافي إلى أن تطوير هذه الصناعات لا يعني الوصول سريعاً إلى استقلال عسكري كامل؛ فهناك احتياجات تقنية ومكونات وسلاسل توريد وتكنولوجيات متقدمة لا تزال إسرائيل تعتمد فيها على الولايات المتحدة.

وبالتالي، فإن توسيع الإنتاج المحلي قد يقلل بعض جوانب الاعتماد على الخارج، لكنه لا يلغي الحاجة إلى التعاون الأميركي، ولا يضمن قدرة إسرائيل على تعويض جميع احتياجاتها العسكرية خلال فترة قصيرة.

 

هل القرار إنهاء للمساعدات بشكل تام؟

 

أوضح: "لا يعني وقف المساعدات العسكرية المباشرة بالضرورة نهاية التعاون العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل؛ فإعلان ترامب يتضمن استمرار بيع الأسلحة، إلى جانب إمكانية تقديم المساعدة لإسرائيل عند الحاجة".

ويضيف: "إسرائيل تريد تقليل اعتمادها المالي على الولايات المتحدة، لكنها لا تريد خسارة المظلة السياسية والعسكرية والتكنولوجية التي توفرها واشنطن، ولا سيما في ظل ما تمثله من عنصر أساسي في الحفاظ على تفوقها العسكري في المنطقة".

ويرى لافي أن القرار يؤكد أن "إسرائيل" تريد أن تصبح أكثر استقلالاً في بناء قوتها العسكرية، من دون أن تفقد المظلة الأميركية التي تعزّز تفوّق هذه القوة"، وما يعزز ذلك إعلان ترامب، في كانون الثاني/يناير 2026، رغبته في تصفير المساعدات العسكرية الأميركية خلال عشر سنوات واعتماد "إسرائيل" على نفسها.