منذ طوفان الأقصى تتسارع الأحداث بشكل يكاد يخطف الأبصار. تشتعل المواجهة في لبنان ومع إيران وتُقرع طبول الحرب على ضفاف هرمز وفي باب المندب، وتبرز التهديدات على مستقبل المنطقة وفي القلب منها فلسطين، متداخلة مع الصراع الدولي وتزاحم القوى الكبرى لتحقيق مصالحها وأوزانها ودورها في رسم شكل ومستقبل النظام الدولي الذي سيحكم العالم في العقود المقبلة، واليوم وقد وصل الطوفان إلى الولايات المتحدة الأميركية في هزيمة ساحقة للرئيس المتعجرف ترامب وإدارته المنافقة وسياسته الحمقاء، فإنني أنشر هذا المقال الذي كُتب في الخامس من أكتوبر الماضي عشية الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى.
إن ثلاثُ سنواتٍ من الإبادة الجماعية وتدمير كل أشكال الحياة في قطاع غزة في بث مباشر كشفا "إسرائيل" على حقيقتها عارية من كل مظاهر التجميل والصور المخادعة التي أُنفق عليها جهوداً كبيرة وإمكانات طائلة على مدى عقود. بلد من أكثر البلاد توحشاً وغرقاً في الأساطير، مشبعةً بالحقدٍ والعنصرية والتعصّب بلا حدود؛ دولةٌ مجنونة تقتل الأطفال، وتجوّع المدنيين حتى الموت، وتطلب من العالم أن يصفّق لها، ومن يرفض تلاحقه بتهمة "معاداة السامية".
يقودها مستوطنون متطرفون عبارة عن ميليشيا مسيحانية عنيفة، وقادة عصاباتٍ أصبحوا وزراء، تحكمهم أسطورة (انتحار ماسادا) وثقافة انعزالية متغطرسة. وفي الوقت نفسه انكشفت هشاشة "القلعة الحصينة" المتقدمة للحضارة الغربية التي تحافظ على مصالحها وتشكل ذخراً استراتيجياً لها في إقليم متخلف متصحّر مليء بالثروات والتحديات. فإذا هي تفشل في حسم المواجهة في أي ساحة، وما زالت تقتات على الحماية الأميركية.
صحيحٌ أن "إسرائيل" لم تُهزم عسكرياً، غير أنها هُزمت سياسياً وأخلاقياً وقانونياً ومعنوياً، حتى بات بعض مفكريها وقادتها يتشككون في مستقبلها وبقائها ؛ ولم يسبق لها أن كانت منذ تأسيسها أسوأ مما هي عليه اليوم.
إن غزة المحاصرة والمعزولة والمجوّعة، والتي لم تلحق بها أضرار الثقافات الملوثة، ولم تدمّرها روح ثقافة عبادة المال بالقدر الذي يمنعها عن صناعة الطوفان في وجه الظلم والعدوان والاحتلال، أدركت معنى الحياة وغايتها، ومعنى الشهادة؛ فحملت مسؤولية تحقيق هذه الغايات، ومواجهة الظلم والعدوان والإفساد التي يمارسها علينا الصهاينة على اختلاف أعراقهم ومذاهبهم ودياناتهم، ومن يدور في فلكهم ويحميهم ويدافع عنهم في الإقليم والعالم.
إن هذه المواجهة، التي تجاوز فيها الغرب القوانين والمواثيق والمؤسسات الدولية كافة التي أنشاها، هو نفسه خدمة لمصالحه عقب الحرب العالمية الثانية، وبات في غالبيته يدعم ويبرّر المحرقة والإبادة الجماعية التي ترتكبها "إسرائيل"، تكشف عمق العنصرية والتوحش في بنية النظام الرأسمالي الغربي ورأس حربته في المنطقة "إسرائيل".
إنّ التدخل الأميركي الفجّ في دعم وحماية العدوان “الإسرائيلي” على كل المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية والقانونية، وتبرير جرائمها منذ اليوم الأول للعدوان عل قطاع غزة، وصولاً إلى العدوان المستمر على إيران لصالح “إسرائيل”، يشير بوضوح إلى اضطراب واختلال النظام الدولي الذي أسسته الولايات المتحدة والدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية،
لتسود اليوم شريعة الغاب، التي تحطّم في طريقها كل المبادئ والقوانين والقيم التي لطالما تغنّى بها الغرب.
إنّ نتائج هذا العدوان بدأت سريعاً بالفشل الذريع لبايدن الصهيوني والحزب الديمقراطي الذي سار في ركابه في انتخابات 2024، ثم الفشل الذي يطلّ برأسه لترامب المتغطرس والحزب الجمهوري الذي يسير في ركابه في الانتخابات النصفية عام 2026، وصولاً إلى تغييرات بنيوية في السياسة الأميركية، على طريق انحسار تحكّمها في مصائر الشعوب وأقاليم العالم واقتصاده.
إن التفكك المعنوي الذي يشهده الغرب، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص، وما قد يتبعه من تفكك مادي في دولة تتحكم في مصائر دول وأقاليم ومفاصل الاقتصاد العالمي، وتتربع على رأس نظام القطب الواحد الذي تشكّل بعد انهيار الاتحاد السوفياتي على يد يلتسن عام 1991، سوف يكون له تداعيات كبيرة على مختلف المستويات الدولية والإقليمية، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط.
وكل ذيول الولايات المتحدة في الإقليم والعالم سيكون مصيرهم مثل مصير يلتسن، إن لم يبادروا بتغيير وجهتهم وسياساتهم. أما قمع الشعوب وإرهابها، وإفساد الجيوش، والعهر السياسي الذي تمارسه الولايات المتحدة وذيولها في المنطقة إرضاءً لأميركا و"إسرائيل"، فلن يجدي نفعاً أمام انكشاف قدرة أميركا على حماية حلفائها ومصالحها في المواجهة في الخليج.
ومع مرور الوقت، سيتعاظم وعي الجماهير وينفد صبر الشعوب تجاه هذا الإذلال الناجم عن التبعية المطلقة للولايات المتحدة، وستتجاوز الشعوب كل محاولات تدمير ثقافتها وتاريخها وعقيدتها، وتحطيم المظاهر الإيجابية للثورة والمقاومة، وتاريخ طويل من النضال ضد الاستعمار الغربي على امتداد العالم الإسلامي، وفي القلب منه فلسطين، في محاولة لمحو ذاكرة شعوب الأمة، التي هي شرط ضروري لكل ارتداد في مسيرة التاريخ.
لذلك من الضروري دائماً، ونحن نتحدث عن طوفان الأقصى وارتداداته، التذكير بجهاد ومقاومة وثورات شعوب العالم العربي والإسلامي ضد الاستعمار الغربي وهيمنته، وارتباط هذه المقاومة بتاريخ وثقافة ودين الأمة الواحدة، وأن رموز المقاومة وقادتها في جميع بلاد الأمة هم رموز إسلامية متصالحة مع تاريخ وثقافة ودين الشعوب، ابتداءً من الأفغاني ورشيد رضا والخطابي وعمر المختار، وصولاً إلى عرابي وسعد زغلول وعز الدين القسام.
وعندما نتحدث عن الطوفان ونقدّم الشهادة لله وللأمة، نقدمها بجرأة ووضوح واستقلال، بعيداً عن أي قيود، وكذلك نقدّمها بإيمان وعقل منفتح لا يعرف التعصب والانغلاق أو الاستجابة الساذجة لضغوط الواقع المرير والمعاناة المتفاقمة، أو لضغوط الأعداء والمتربصين الذين تتواصل جرائمهم رغم الاتفاقات والتعهدات، أو الشامتين الذين يزينون الباطل ويطمسون الحق بكل الوسائل.
ومما ييسّر التصدي لهذه المحاولات وتقديم الشهادة على وجهها، أن الأحداث تتسارع وتنتشر وتتكشف، ويتيسّر الوصول إليها، حتى إنك لتدرك في أيام قلائل ما كان يتطلب شهوراً وسنوات لإدراكه في الأزمنة السابقة، وتتبدى أمام كل ذي بصيرة صور وأشكال من مكائد الأعداء والمنافقين، وأصناف من أساليب مكر الليل والنهار، تتجاوز المواجهة العسكرية في ميادين القتال، وتنفذ إلى ميادين السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام، وصولاً إلى وعي الإنسان وغزو روحه وعقله، كشرط ضروري لإلحاق الهزيمة به.
وقبل أن تجف دماء الشهداء أو يتبدد دخان القصف، بدأت المعركة على وعي الشعوب، وخاصة الجيل المقبل، بكل أشكال الخداع وتزييف الحقائق والتشكيك بجدوى المقاومة.
إن المسؤولية تتطلب الإدراك أن نتائج هذه المواجهة السافرة بين الغرب بقيادة أميركا - ترامب وتوابعه- وفي المقدمة منهم "إسرائيل"، وبين شعوب الأمة وقوى المقاومة فيها وأحرار العالم، والتي تفجرت دفعة واحدة عشية طوفان الأقصى، سوف تقرر مصير الأمة والمنطقة، وفي القلب منها فلسطين، خلال العقود المقبلة.
فهي عدوان حضارة بربرية تريد أن تأكل الأخضر واليابس في المنطقة، على شرقٍ آن له أن ينهض ويستقل ويستعيد وزنه وتأثيره، ويسهم في فتح باب الأمل في مستقبل مشرق للبشرية، مبنيّ على العدل والمساواة.
وفي هذا الصراع أو (التدافع) بلغة القرآن الكريم، من الأهمية بمكان أن نتجاوز دراسة الظواهر، _رغم أهميتها_، والنظر إلى مآلات الأحداث، وإمكانات التأثير في النتائج، وتجاوز التناقضات والاختلافات الداخلية للأمة المسلمة، التي كانت سبباً أساسياً في انحِطاط وتخلّف العرب والمسلمين.