"إسرائيل" والمساعدات الأميركية: نهاية الاعتماد المالي أم بداية مرحلة جديدة؟

الساعة 08:49 ص|05 نوفمبر 2026

فلسطين اليوم | حسن لافي

لم يعد إنهاء المساعدات العسكرية الأميركية لـ"إسرائيل" مجرّد فكرة يطرحها بعض السياسيين الإسرائيليين أو نقاشاً داخل مراكز الأبحاث، بل تحوّل إلى إعلان سياسي أميركي مباشر، بعد أن قال الرئيس دونالد ترامب، في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، إنّ الولايات المتحدة ستوقف ما وصفه بنحو أربعة مليارات دولار سنوياً لـ"إسرائيل" مع نهاية العام، مع استمرار بيع الأسلحة لها ومساعدتها عند الحاجة.

 

وقال ترامب إنه توصّل إلى تفاهم مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بشأن هذه الخطوة، وإنّ الأخير هو من طرح الفكرة قبل أشهر. لكنّ الإعلان الأميركي جاء مفاجئاً من حيث توقيته وسرعة تنفيذه؛ فنتنياهو كان قد أعلن، في كانون الثاني/يناير 2026، رغبته في تصفير المساعدات العسكرية الأميركية خلال عشر سنوات، ثمّ أكّد هذا التوجّه في أيار/مايو من العام نفسه. كما أنّ الاتفاق القائم بين البلدين يمتدّ حتى نهاية عام 2028، ما يجعل إعلان ترامب توجّهاً سياسياً يحتاج إلى ترتيبات أميركية وإسرائيلية، وليس قراراً تنفيذياً مكتملاً بمجرّد صدوره. ولم تتضح بعد التفاصيل المتعلقة بنوعية التمويل الذي يشمله الإعلان أو آلية إنهائه.

 

لماذا يريد نتنياهو إنهاء المساعدات؟

لم يطرح نتنياهو الفكرة من فراغ، ولا يمكن اختزالها في الرغبة في تخفيف الأعباء المالية عن الولايات المتحدة. فالحرب على غزة أظهرت لـ"إسرائيل" أنّ المظلة العسكرية الأميركية، على أهميتها، ليست بمنأى عن التحوّلات السياسية داخل واشنطن؛ إذ يمكن أن تتحوّل شحنات السلاح والمساعدات إلى موضوع خلاف بين الإدارات الأميركية، أو إلى أداة ضغط عندما تتعارض السياسات الإسرائيلية مع حسابات واشنطن. وقد اكتسب هذا الاحتمال أهمية أكبر بعد تأخير إدارة بايدن تسليم بعض الذخائر خلال الحرب، وتصاعد الانتقادات الأميركية لطبيعة العمليات العسكرية الإسرائيلية.

 

من هنا، يسعى نتنياهو إلى تقليل ارتباط الأمن الإسرائيلي بالتقلّبات السياسية الأميركية، خصوصاً مع تراجع التأييد لـ"إسرائيل" داخل قطاعات من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، واتساع الاعتراض على استمرار تمويلها من أموال دافعي الضرائب الأميركيين. وهو يدرك أنّ المساعدات التي كانت لعقود أحد مرتكزات الإجماع الأميركي حول "إسرائيل" أصبحت أكثر عرضة للتجاذبات الحزبية والانتخابية.

 

لكنّ الدافع لا يقتصر على تجنّب الضغوط. فنتنياهو يريد إعادة تعريف العلاقة العسكرية مع الولايات المتحدة، والانتقال من تلقّي المنح المالية إلى شراكة تقوم على شراء السلاح والتعاون التكنولوجي والبحث والتطوير المشترك. وقد لخّص مسؤول إسرائيلي هذا التوجّه بالانتقال "من المساعدات إلى الشراكة". كما طرح نتنياهو إنشاء صندوق أميركي إسرائيلي مشترك لتمويل تطوير أنظمة تسليح جديدة، بالتوازي مع توجّه لتعزيز قدرات الصناعات العسكرية الإسرائيلية.

 

وثمّة مكسب سياسي داخلي أيضاً؛ إذ يتيح هذا الطرح لنتنياهو تقديم "إسرائيل" باعتبارها قوة اقتصادية وعسكرية ناضجة لم تعد تحتاج إلى المنح الأميركية، وقادرة على تمويل جانب أكبر من احتياجاتها الدفاعية. لكنّ الأهمّ أنّ هذا التوجّه يتجاوز مسألة توفير الأموال، ليعكس طموحاً إسرائيلياً أوسع لبناء قاعدة عسكرية وصناعية أكثر استقلالاً، تقلّل الاعتماد على الخارج في إنتاج السلاح وتطويره، وتمنح "إسرائيل" هامشاً أوسع في اتخاذ قراراتها العسكرية. غير أنّ هذا الطموح لا يعني الاستغناء عن التكنولوجيا الأميركية أو عن الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن.

 

منحة مالية أم علاقة استراتيجية؟

تعود صيغة المساعدات الحالية إلى مذكّرة التفاهم التي وقّعتها واشنطن و"تل أبيب" عام 2016، وتغطي السنوات المالية من 2019 حتى 2028، بقيمة إجمالية تبلغ 38 مليار دولار: 33 ملياراً للتمويل العسكري الخارجي، بمعدل 3.3 مليارات دولار سنوياً، وخمسة مليارات لبرامج الدفاع الصاروخي، بمعدل 500 مليون دولار سنوياً. وبذلك تبلغ قيمة المساعدات السنوية وفق الاتفاق 3.8 مليارات دولار، وليس أربعة مليارات كما ورد في تصريح ترامب.

 

ولا تمثّل هذه الأموال مجرّد تحويل مالي إلى الخزينة الإسرائيلية؛ فالقسم الأكبر من التمويل العسكري مخصص لشراء أسلحة ومعدات أميركية، بما يعزّز ارتباط "الجيش" الإسرائيلي بالصناعات الدفاعية الأميركية، ويمنح الشركات الأميركية عقوداً ومصالح اقتصادية مستمرة. كما أنّ التعاون في منظومات الدفاع الصاروخي والبحث والتطوير يتجاوز قيمة المنحة السنوية ذاتها.

 

ومن المهمّ هنا التمييز بين وقف المساعدات ووقف التعاون العسكري. فتصريح ترامب نفسه تحدّث عن استمرار بيع الأسلحة لـ"إسرائيل"، وهو ما يعني أنّ السيناريو المطروح لا يقوم بالضرورة على فكّ الارتباط العسكري، بل على تغيير آلية التمويل: أن تدفع "إسرائيل" من ميزانيتها مقابل ما كانت تشتريه جزئياً بأموال أميركية، مع استمرار التعاون في مجالات التسليح والتكنولوجيا والدفاع المشترك.

 

ويضاف إلى ذلك أنّ مذكّرة التفاهم الحالية نصّت على الإلغاء التدريجي لبند المشتريات الإسرائيلية المحلية من أموال المساعدات، المعروف باسم "OSP"، وصولاً إلى إنهائه بالكامل في عام 2028. وهذا يعني أنّ "إسرائيل" كانت تتجه أصلاً إلى إعادة تنظيم استخدام المساعدات، حتى قبل إعلان ترامب الأخير.

 

الكلفة الاقتصادية: من يتحمّل فاتورة الاستقلال؟

على المستوى المالي، يعني وقف التمويل السنوي، إذا شمل كامل المساعدات المنصوص عليها في الاتفاق، خسارة نحو 3.8 مليارات دولار سنوياً، وهو مبلغ لا يمكن اعتباره هامشياً في ظلّ ارتفاع الإنفاق العسكري الإسرائيلي وتراكم كلفة الحرب. صحيح أنّ منح التمويل العسكري الخارجي وحدها تمثّل نحو 14% من ميزانية الدفاع الإسرائيلية، وفق تقديرات خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي، وأنّ الاقتصاد الإسرائيلي يمتلك قدرة أكبر على تحمّل جزء من هذه الكلفة مقارنة بالمراحل السابقة، لكنّ القدرة على التمويل لا تعني أنّ القرار بلا أثمان.

 

فقد بلغ عجز الموازنة الإسرائيلية في عام 2024 نحو 136.2 مليار شيكل، أي ما يعادل 6.9% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما قدّرت وزارة المالية نفقات الحرب منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى نهاية 2024 بنحو 124.7 مليار شيكل. ووفق "بنك إسرائيل"، ارتفعت نسبة الدين العامّ إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 68.5% في نهاية 2025، كما قُدّرت الكلفة المالية للحرب التي بدأت في تشرين الأول/أكتوبر 2023 بنحو 350 مليار شيكل خلال الفترة 2023–2026، مع استثناء الكلف والقرارات المرتبطة بالحملة العسكرية على إيران التي بدأت في أواخر شباط/فبراير 2026.

 

في هذا السياق، لن يكون تعويض المساعدات مجرّد بند جديد في الموازنة، بل منافسة مباشرة على الموارد بين الإنفاق العسكري والاحتياجات المدنية، من الصحة والتعليم والبنية التحتية إلى خدمة الدين. وقد تجد الحكومة نفسها أمام خيارات صعبة: زيادة الضرائب، أو الاقتراض، أو تقليص بعض النفقات، أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق. ولا يمكن الجزم مسبقاً بأنّ وقف المساعدات سيؤدّي إلى زيادة ضريبة بعينها أو إلى إجراء مالي محدّد، لكن المؤكّد أنه ينقل جزءاً من كلفة تمويل القوة العسكرية الإسرائيلية إلى دافع الضرائب الإسرائيلي.

 

الصناعة العسكرية: فرصة للاستقلال أم عبء إضافي؟

تطرح "إسرائيل" إنهاء المساعدات في سياق طموح أوسع لتوسيع صناعتها العسكرية وتقليل اعتمادها على الخارج. وتملك شركات مثل "إلبيت" و"رافائيل" و"الصناعات الجوية الإسرائيلية" قاعدة صناعية وتكنولوجية متقدّمة، فيما تعمل الحكومة الإسرائيلية على إعداد خطة متعدّدة السنوات لبناء القدرات الدفاعية وتعزيز قوة المؤسسة الأمنية. وقد تحدّثت لجنة مشتركة في الكنيست، في آذار/مارس 2026، عن خطة عشرية تبدأ عام 2027 وتبلغ قيمتها 350 مليار شيكل، يخصص 50 ملياراً منها من خلال إجراءات الكفاءة الداخلية في المؤسسة الأمنية. وفي تطوّر لاحق، تحدّثت تقارير إسرائيلية عن سعي نتنياهو إلى رفع حجم الخطة إلى 400 مليار شيكل، لكنّ ذلك ظلّ موضع نقاش وخلاف بشأن مصادر التمويل وآليات التنفيذ.

 

لكنّ بناء صناعة عسكرية مستقلة لا يتحقّق بمجرّد ضخّ الأموال. فإنتاج الطائرات المقاتلة والمحرّكات المتقدّمة والأنظمة الإلكترونية والذخائر الدقيقة يحتاج إلى سنوات من البحث والتطوير، وإلى سلاسل توريد واسعة وأسواق قادرة على استيعاب كلفة الإنتاج. كما أنّ الشركات الإسرائيلية، وخصوصاً المورّدين الصغار والمتوسطين الذين ارتبطوا ببرامج المشتريات المموّلة أميركياً، قد تواجه تحدّيات في مرحلة الانتقال من التمويل الخارجي إلى التمويل المحلي.

 

وبالتالي، قد تستفيد الشركات الكبرى من توسيع الإنتاج والتصدير، لكن هذا لا يعني أنّ جميع مكوّنات الصناعة العسكرية الإسرائيلية ستتمكّن بالسهولة نفسها من تعويض المساعدات أو الحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية. فالاستقلال العسكري الذي تسعى إليه "إسرائيل" لا يتعلّق فقط بامتلاك المال لشراء السلاح، بل بامتلاك القدرة الصناعية والتكنولوجية على تطويره وإنتاجه، وهي عملية طويلة لا يمكن إنجازها بقرار سياسي أو بزيادة الإنفاق وحدهما.

 

إعادة تشكيل العلاقة لا إنهاؤها

لا يعني وقف المساعدات، إذا نُفّذ، نهاية التحالف العسكري الأميركي الإسرائيلي. فواشنطن لا تزال ترى في "إسرائيل" شريكاً استراتيجياً في المنطقة، فيما تحتاج "إسرائيل" إلى الدعم الأميركي في مجالات التسليح والتكنولوجيا والاستخبارات والتنسيق العسكري. كما أنّ استمرار بيع الأسلحة والتعاون في تطوير منظومات الدفاع يتيح للطرفين الحفاظ على المصالح المشتركة، حتى مع تغيير صيغة التمويل.

 

لكنّ التحوّل يحمل دلالة سياسية تتجاوز قيمته المالية. فالمساعدات الأميركية لم تكن مجرّد دعم لميزانية الدفاع الإسرائيلية، بل كانت أيضاً تعبيراً مؤسسياً عن التزام واشنطن بأمن "إسرائيل"، وعن مكانة العلاقة داخل السياسة الأميركية. وعندما تصبح هذه المساعدات موضع خلاف حزبي وانتخابي، فإنّ ذلك يكشف أنّ الإجماع التقليدي حولها لم يعد محصّناً كما كان.

 

لا يعني وقف المساعدات أنّ واشنطن تتخلّى عن "إسرائيل" أو عن دعم تفوّقها العسكري؛ فترامب أكّد أنّ الولايات المتحدة ستساعدها عندما تحتاج إليها، كما تحدّث صراحة عن استمرار بيع الأسلحة لها. لكن ما يتغيّر هو توزيع الأعباء وطبيعة الاعتماد، إذ تسعى "إسرائيل" إلى بناء قدرة عسكرية وصناعية أكثر استقلالاً، تقلّل حاجتها إلى التمويل الخارجي، من دون أن تتخلّى عن الشراكة الاستراتيجية الأميركية.

 

وهنا تكمن المفارقة: تريد "إسرائيل" أن تصبح أكثر استقلالاً في بناء قوتها العسكرية، من دون أن تفقد المظلة الأميركية التي تعزّز تفوّق هذه القوة. فهل تستطيع تحقيق هذا التوازن، أم أنّ حدود استقلالها العسكري ستظلّ محكومة، من جهة، بقدرات اقتصادها وحجم التهديدات التي تواجه أمنها القومي، ومن جهة أخرى، بحدود ما تستطيع واشنطن توفيره لها؟