لم تعد الأسواق في قطاع غزة تعاني فقط من نقص السلع والاحتياجات الأساسية، بل باتت المشكلة الأكثر إلحاحاً لدى كثير من المواطنين هي العجز عن شراء ما هو متوافر منها، فبين رفوف المحال التجارية التي تعرض مختلف الأصناف، وجيوب أنهكتها الحرب وفقدان مصادر الدخل، تتسع الفجوة بين الأسعار والقدرة الشرائية، لتصبح أبسط متطلبات الحياة عبئاً لا تستطيع غالبية الأسر تحمّله.
في أسواق القطاع، تبدو المفارقة واضحة؛ سلع غذائية قد تكون متاحة أمام المواطنين، لكنها ليست بالضرورة في متناول أيديهم. فالخضراوات والفواكه واللحوم والبيض والزيوت وغيرها من الاحتياجات اليومية تحولت إلى قائمة مشتريات يعيد كثيرون ترتيبها وفق ما تسمح به إمكاناتهم المالية، فيما يضطر آخرون إلى الاستغناء عن أصناف أساسية أو تقليص الكميات التي يشترونها.
وتفاقمت هذه الأزمة مع استمرار تراجع مصادر الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، في وقت فقدت فيه آلاف الأسر أعمالها ومدخراتها، وأصبحت تعتمد على مساعدات محدودة أو دخل متقطع لا يتناسب مع الأسعار المتداولة في الأسواق.
القدرة الشرائية تتراجع
وتكشف مؤشرات الأسعار عن حجم الضغوط التي تواجه المستهلكين في القطاع. فقد نقلت قناة الجزيرة، في تقرير نشرته في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026، شهادات من مواطنين حول ارتفاع أسعار سلع أساسية خلال أيام قليلة، عقب القيود على دخول البضائع التجارية.
وبحسب التقرير، ارتفع سعر طبق البيض إلى نحو 37 شيكلاً فيما صعد سعر كيلو البصل 10 شواكل، وبلغ سعر كيلو البطاطا 10 شواكل، ووصل كيلو البندورة 13 شيكلاً، كما ارتفع سعر كيلو الأفوكادو نحو 15 شيكلاً.
هذه الزيادات لم تكن مجرد أرقام في قوائم الأسعار، بل انعكست مباشرة على سلوك المستهلكين، إذ باتت بعض الأسر تشتري أربع أو خمس بيضات بدلاً من طبق كامل، وتكتفي بكميات محدودة من احتياجاتها اليومية.
وفي مؤشر على عمق الأزمة، حذرت وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية، من اتساع الفجوة بين توافر المواد الغذائية في الأسواق وقدرة الأسر على شرائها، مشيرة إلى أن أسعار الأسواق في غزة بقيت عند مستويات تقارب 200% فوق مستويات ما قبل الحرب.
كما أشارت الوزارة إلى أن سعر كيس الطحين بوزن 25 كيلوغراماً وصل سعره إلى نحو 100 شيكل.
وبحسب بيانات أوردتها الوزارة، فإن 93% من الأسر التي واجهت صعوبات في الوصول إلى الأسواق عزت ذلك إلى الضائقة المالية ونقص السيولة، فيما أفادت 54% من الأسر بعدم قدرتها على شراء المواد الغذائية الأساسية.
أسر أمام خيارات قاسية
وفي ظل هذه الظروف، لم تعد الأسر الفلسطينية تقارن بين السلع لاختيار الأفضل أو الأقل سعراً فحسب، بل أصبحت مضطرة إلى تحديد ما يمكن الاستغناء عنه وما لا يمكن تأجيل شرائه.
فقد باتت الفواكه واللحوم وبعض الأصناف الغذائية خارج قائمة المشتريات لدى أسر كثيرة، فيما تتجه عائلات إلى تقليل عدد الوجبات أو الاعتماد على الأطعمة الأقل تكلفة، في محاولة لتدبير احتياجاتها حتى نهاية الشهر.
وتزداد معاناة الأسر التي فقدت معيلها مصدر دخله، أو تعتمد على مساعدات مالية متقطعة، إذ تجد نفسها أمام معادلة صعبة: أسعار مرتفعة من جهة، وموارد مالية محدودة أو معدومة من جهة أخرى.
وفي مشهد يتكرر داخل الأسواق، يقف مواطنون أمام المحال التجارية، يسألون عن الأسعار قبل أن يقرروا ما إذا كانوا سيشترون السلعة أو يغادرون دونها، لم يعد التسوق بالنسبة لكثيرين عملية اعتيادية لتلبية احتياجات المنزل، بل أصبح حساباً يومياً دقيقاً لما تبقى من المال وما يمكن تأجيله.
وهكذا، لم تعد الأزمة مرتبطة فقط بوجود الغذاء على رفوف المحال، وإنما بقدرة المواطنين على الوصول إليه وشرائه. فالسوق الذي تتوافر فيه السلع لا يعني بالضرورة أن الأسر قادرة على تأمين احتياجاتها.