هل ينجح نتنياهو في استدراج ترامب إلى الحرب مرة أخرى؟

الساعة 10:47 ص|04 نوفمبر 2026

فلسطين اليوم | حسن نافعة

أسفرت الانتخابات التشريعية التي أُجرِيَت في "إسرائيل" مؤخراً عن حصول الائتلاف الذي يقوده نتنياهو على 53 مقعداً، والائتلاف الذي يقوده آيزنكوت على 48 مقعداً، وحصول القوائم العربية على 19 مقعداً، وهي نتائج تعكس عمق الأزمة التي يمر بها الكيان الصهيوني في المرحلة الراهنة؛ إذ لن يكون بمقدور أيٍّ من الائتلافين المتنافسين في هذه الانتخابات تشكيل حكومة أغلبية. لذا ليس أمامهما سوى تشكيل حكومة أقلية تضم نواباً عرباً، أو على الأقل، تعتمد على شبكة أمان تستند إلى القوائم العربية. ولأن قطع الطريق على نتنياهو هدفٌ يشترك فيه الائتلاف الذي يقوده آيزنكوت مع القوائم العربية، فإن تحقيقه يفرض على آيزنكوت ضرورة التحلي بما يكفي من الشجاعة لفتح حوار مع النواب العرب لبحث أنسب الصيغ الكفيلة بتحقيق هذا الهدف المشترك، الذي يستحق التضحية من الجانبين.

تتوقف قدرة نتنياهو على الإمساك بدفة الحكم في "إسرائيل" مرة أخرى على نجاحه في كسر الائتلاف الذي يقوده آيزنكوت، وهو ما يمكن أن يتحقق إذا تمكن من إغراء بعض الأطراف المشاركة فيه للانضمام إلى حكومة برئاسته، أو في إقناع آيزنكوت نفسه بالمشاركة في حكومة وحدة وطنية يتناوبان على قيادتها، شريطة أن يتولى هو رئاستها أولاً. وحين يكتشف نتنياهو صعوبة تحقيق البديل الأول فلن يتردد في اللجوء إلى البديل الثاني، حتى لو اضطر إلى الاستعانة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي لم يتردد أبداً في مد يد المساعدة إليه في كل مرة احتاجه فيها. فقد سبق للأخير مطالبة رئيس "الدولة" الإسرائيلي علناً بإصدار عفو عام عن نتنياهو، المهدد بدخول السجن في حال ثبوت إدانته في تهم الفساد الكثيرة الموجهة إليه، بل وذهب إلى حد التعبير علناً عن انحيازه لنتنياهو في الانتخابات الأخيرة إلى الحد الذي دفعه إلى دعوة الناخبين الإسرائيليين إلى التصويت لصالح الائتلاف الذي يقوده، مؤكداً أنه يفضّل التعامل معه كرئيس للحكومة الإسرائيلية في المرحلة الراهنة، ما يعكس ليس عمق الصداقة الشخصية التي تربط بينهما فحسب، وإنما أيضاً حجم التطابق بين أهدافهما السياسية وتوجهاتهما الأيديولوجية.

كانت قد شاعت في الآونة الأخيرة مقولة مفادها أن السبب في ولع نتنياهو الدائم بإشعال الحروب يعود إلى حاجته الماسة إلى الهروب من أي مساءلة سياسية قد تعرضه للملاحقة القضائية، ما يفسر حرصه الشديد على البقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة، للاحتماء بما توفره له من حصانة سياسية وقضائية، وهي مقولة لا تعكس في حقيقة الأمر سوى جانب واحد من الصورة. فمن الواضح أن طموح نتنياهو الشخصي بات يتماهى تماماً مع رؤيته الأيديولوجية والسياسية للمصالح العليا للمشروع الصهيوني، خصوصاً وأنه تمكن من قيادة الكيان لفترة أطول بكثير من أي زعيم سياسي آخر في تاريخ "إسرائيل"، بمن فيهم بن غوريون نفسه مؤسس "الدولة" الإسرائيلية. فقد ولدت لديه هذه الحقيقة قناعة تامة بأنه مبعوث العناية الإلهية المكلف بإقامة "إسرائيل الكبرى" وبناء الهيكل الثالث، ومن ثم أصبح الوحيد المؤهل لِيُتَوَّجَ ملكاً عليها. وليس من المستبعد أبداً أن تكون هذه القناعة قد ترسخت لديه عقب دخول ترامب البيت الأبيض لأول مرة عام 2017، ثم تحولت إلى يقين عنده عقب عودته إليه مرة أخرى عام 2025، خصوصاً وأنه نجح في أن يحصل من ترامب على ما لم يتمكن من الحصول عليه من أي رئيس أميركي آخر.

ففي فترة ولايته الأولى، اعترف ترامب بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان السورية، وقام بنقل السفارة الأميركية إلى القدس التي عدّها "عاصمة إسرائيل الموحدة والأبدية"، وانسحب من اتفاق البرنامج النووي الإيراني الذي كان أوباما قد أبرمه عام 2015، وأتبع ذلك بفرض عقوبات قصوى على إيران، ثم طرح "صفقة القرن" التي استهدفت تصفية القضية الفلسطينية نهائياً، وختم فترة ولايته الأولى بالضغط على عدد من الدول العربية لإبرام "الاتفاقات الإبراهيمية" مع الكيان. صحيح أن نتنياهو شعر بحزن شديد حين خسر ترامب انتخابات الرئاسة الأميركية التي جرت نهاية 2020، ومن ثم توقف مشروعهما المشترك، الذي استهدف إسقاط النظام الإيراني وتفكيك "محور المقاومة" وتصفية القضية الفلسطينية، لكن حين عاد ترامب إلى البيت الأبيض بداية عام 2025، أيقن نتنياهو أن العناية الإلهية لم تتخلَّ عنه، ومن ثم راح يتطلع بشغف لتحقيق أقصى طموحاته جنوحاً، عبر دفع ترامب إلى الدخول معه في حرب مشتركة على إيران، وهو ما تمكّن من تحقيقه على مراحل.

ففي يونيو/حزيران من العام الماضي، تمكّن نتنياهو من إقناع ترامب بالدخول معه في حرب محدودة استهدفت تدمير منشآت إيران النووية، وفي نهاية فبراير/شباط من العام الحالي تمكّن من إقناعه بالدخول معه في حرب شاملة استهدفت إسقاط النظام الإيراني، وربما تفكيك الدولة الإيرانية نفسها إن أمكن. ولا شك أنهما كانا يتمنيان أن يحققا أهدافهما المشتركة قبل الاستحقاقات الانتخابية في بلديهما، لكن الرياح لم تأتِ بما تشتهي سفنهما. صحيح أن المنشآت النووية الإيرانية تضررت كثيراً في الحرب الأولى، لكن إيران تمكنت من إنقاذ كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 60% بالإضافة إلى عدد غير معروف من أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، وصحيح أيضاً أن الحرب الثانية تسببت في أضرار كبيرة للمنشآت العسكرية وللبنية التحتية الإيرانية، لكن النظام الإيراني لم يسقط، وتمكن من توجيه ضربات موجعة لـ"إسرائيل" وللقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، والأهم أنه تمكن من الإمساك بأوراق إضافية مهمة لم تكن في يده من قبل، أهمها إغلاق مضيق هرمز وتمكنه من مواصلة السيطرة عليه منذ توقف القتال وحتى الآن، وبالتالي ما زال قادراً على المواجهة والتحدي وخوض القتال من جديد إذا ما فُرِضَت عليه الحرب مرة أخرى. والواقع أن اندلاع الحرب مرة أخرى سيتوقف على عوامل كثيرة، ربما كان أهمها طبيعة وطريقة تشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة من ناحية، ومدى استعداد الرئيس ترامب من ناحية أخرى للتوصل إلى حل وسط وتخليه عن استسلام إيران التام، الذي يبدو أنه ما زال يصر عليه حتى الآن. ولأن حسابات نتنياهو تختلف عن حسابات ترامب في المرحلة القادمة، فليس من الواضح بعدُ ما إذا كان بمقدور الأول أن يجر الثاني معه إلى الحرب مرة أخرى، مثلما استطاع دائماً، أم أنه سيصر عليها في جميع الأحوال، حتى لو اضطر للذهاب إليها منفرداً، رغم ما قد ينطوي عليه هذا الخيار من مخاطر بالنسبة إلى مستقبل ومصير الكيان الصهيوني نفسه.

يؤمن نتنياهو إيماناً راسخاً بأن إيران تشكل تهديداً وجودياً لـ"إسرائيل"، ومن ثم فلا حل للصراع المحتدم معها إلا بإسقاط نظامها السياسي، وربما تفتيت الدولة الإيرانية نفسها، إن استطاع إلى ذلك سبيلاً.

لذا، فإن مطالبه لم تقتصر أبداً على تفكيك برنامج إيران النووي فحسب، وإنما شملت أيضاً تحجيم برنامجها الصاروخي وتقليصه إلى الحد الذي لا ينطوي على أي تهديد لـ"إسرائيل"، والتزام إيران التام في الوقت نفسه بعدم تمويل أو تسليح أي من مكونات "محور المقاومة". ولأنها مطالب يستحيل على النظام الإيراني قبولها، استبعد نتنياهو أي نوع من التسوية السياسية أو التفاوضية مع إيران ورأى أن استخدام القوة، بكل أنواعها وأشكالها، هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق الأهداف التي يسعى إليها، ما يفسر رفضه العلني ليس لـ"مذكرة التفاهم" فحسب، التي أبرمتها الولايات المتحدة ووقع عليها ترامب بنفسه، وإنما لأي تسوية سياسية من حيث المبدأ، لأن أي خطوة من هذا النوع تنطوي بطبيعتها على "حل وسط"، يتيح للنظام الإيراني ليس أن يبقى فحسب بل وأن يعيد بناء قدراته أيضاً، وهو ما لا يبدو مستعداً لقبوله تحت أي ظرف. لذا، لم تظهر فرصة للانقضاض على النظام الإيراني إلا وانتهزها نتنياهو على الفور، بل واعتقد أنه بلغ ذروة نجاحه حين تمكن من إقناع ترامب مرتين بالمشاركة معه في الحرب على إيران. صحيح أنه يشعر الآن أن المهمة لم تكتمل، لكنه يعتقد أنها لم تعد بالصعوبة نفسها التي كانت عليها من قبل، ومن ثم فبمقدوره استكمالها حتى لو اضطر إلى القيام بذلك بمفرده. لذا، لم يستبعد كثيرون أن يبادر بشن الحرب قبيل الانتخابات الإسرائيلية مباشرة، وهو ما لم يحدث، ربما بسبب نجاح ترامب في إثنائه عن ذلك، إما عبر هدايا كثيرة قدمها له، حين طالب بالعفو عنه وبالتصويت له في الانتخابات التشريعية، أو عبر اتفاق أبرمه معه لتأجيل الضربة إلى ما بعد الانتخابات النصفية مقابل وعد بالمشاركة فيها، وهي فرضية لم تُختَبَر بعدُ.

يستند ترامب في حساباته إلى منطق مختلف. فقد بدا مستعداً لمسايرة نتنياهو ومصاحبته حتى نهاية الشوط، شريطة أن تتحقق أهدافهما المشتركة، والتي لا خلاف عليها، بسرعة ومن دون خسائر بشرية كبيرة، وألا تتحول بالتالي إلى حرب استنزاف طويلة لا يمكن حسمها إلا بعملية إنزال بري واسعة النطاق، وهو ما يرفضه بالمطلق. غير أن الغموض ما زال يكتنف نواياه الحقيقية؛ فهو يدّعي أن هدفه الرئيسي منع إيران من تصنيع أو امتلاك سلاح نووي في أي وقت، وهو هدف قابل للتحقيق بالفعل، خصوصاً وأن المؤشرات كافة تدل على أن إيران باتت مستعدة لتقديم الضمانات المطلوبة للتأكد من أنها لن تسعى مطلقاً لتصنيع أو امتلاك السلاح النووي لا الآن ولا في المستقبل القريب أو البعيد، في مقابل رفع الحصار البحري والإفراج عن أموالها المجمّدة أو المصادرة وإنهاء  العقوبات المفروضة عليها. بعبارة أخرى، يمكن القول إن إيران باتت جاهزة لإبرام صفقة تستند إلى معادلة "البرنامج النووي مقابل الاقتصاد"، وهي صفقة سوف يحاول نتنياهو أن يحول بكل الوسائل دون إتمامها، من خلال إقناع ترامب بأن استعادة إيران لعافيتها الاقتصادية سيمكنها من تطوير صناعاتها العسكرية في المجالات التقليدية، خصوصاً ما يتعلق منها بصناعة الصواريخ والمسيرات بأنواعها ومدياتها المختلفة، ويوفر لها الأموال اللازمة لتمكينها من إعادة تعويم حلفائها الإقليميين، وهو ما يشكل تهديداً وجودياً لـ"إسرائيل".

تدرك الدول العربية والإسلامية في المنطقة أن الحرب على إيران ستكون مختلفة هذه المرة عن سابقاتها. فالأطراف الراغبة في إشعالها تريد الحسم هذه المرة، ومن ثم يُتَوَقَّعُ أن تستهدف البنية التحتية، بما فيها الجسور ووسائل النقل ومنشآت الطاقة وتحلية المياه، ما سيدفع إيران للرد ليس بالمثل فحسب، ولكن أيضاً "من دون مراعاة أي قيود أو حواجز جغرافية"، ما يعني أن الدول العربية والإسلامية ستكون هي الخاسر الأكبر في هذه الجولة، وهو ما يفسر لماذا تستميت في جهود الوساطة التي تستهدف منع الحرب. لكن، منذ متى يهتم ترامب، أكثر زعماء العالم إيماناً بالصهيونية، بمصير أو بمستقبل العرب والمسلمين؟

كلمات دلالية