لم تعد الأم في قطاع غزة تفكر فقط في كيفية توفير الطعام لأطفالها، بل باتت منشغلة بكيفية إقناعهم بأن ما توفر على المائدة يكفي الجميع، وأنها ليست جائعة، رغم أنها قد تكون أمضت يومها من دون وجبة حقيقية، في ظل أزمة غلاء الأسعار التي تجتاح الأسواق، تزامناً مع تعطل عشرات الآلاف عن العمل.
في كثير من الأسر، لم يعد توزيع الطعام مسألة تتعلق بالرغبة أو العادات الأسرية، بل أصبح قرارًا يوميًا تحكمه الكميات المتاحة والقدرة على الشراء. وفي هذا القرار، غالبًا ما تأتي حصة الأطفال أولًا، بينما تؤجل الأمهات وجباتهن أو يكتفين بما يتبقى بعد إطعامهم.
تلك ليست مجرد حكايات فردية عن التضحية الأمومية، بل صورة من صور الأزمة الغذائية التي يعيشها القطاع، حيث تتداخل قلة الغذاء وارتفاع الأسعار وتراجع المساعدات وفقدان مصادر الدخل، لتضع النساء، ولا سيما الأمهات، أمام أعباء إضافية تتجاوز قدرتهن على الاحتمال.
تقول أم نبيل: إن تعطل زوجها عن العمل وانعدام أي مصدر دخل للأسرة جعلا تأمين الاحتياجات الغذائية لأبنائها مهمة شاقة، في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يواجهونها.
وتوضح أم نبيل من حي تل الهوا غرب مدينة غزة، وهي أم لـ 4 أطفال، أن الأسرة تحصل شهريًا على طرد غذائي يساعدها، ولو جزئيًا، في توفير بعض احتياجات الأطفال، إلا أن محتوياته لا تكفي لسد احتياجاتهم الغذائية طوال الشهر.
وتضيف أن ما تحصل عليه الأسرة من مساعدات لا يتناسب مع حجم احتياجاتها، مؤكدة أن الوضع المعيشي بات صعبا للغاية، وأنها تجد نفسها عاجزة عن توفير ما يكفي من الطعام لأطفالها، رغم محاولاتها المستمرة تدبير القليل المتاح.
أما أم عمر، فتقول إن ارتفاع أسعار الخضروات في الأسواق بات يحول دون قدرتها على شرائها، موضحة أن سعر كيلو البطاطا والبندورة يصل إلى 15 شيكلًا، فيما يبلغ سعر كيلو الخيار والبصل نحو 12 شيكلًا، بينما تُباع أوقية الفلفل الأخضر بستة شواكل، وهي أسعار تفوق قدرتها الشرائية.
وتواجه أم عمر هذه الظروف بصفتها المعيلة الوحيدة لأطفالها، بعد استشهاد زوجها عام 2024، في ظل صعوبة توفير احتياجاتهم الأساسية. وتقول إنها تضطر في كثير من الأحيان إلى التخلي عن وجبتها أو تناول الطعام بكميات أقل، حتى يتمكن أبناؤها من الحصول على ما يكفيهم، مشيرة إلى أنها لا تستطيع تلبية جميع متطلباتهم بسبب ضيق الحال وارتفاع الأسعار.
وتعكس شهادتها جانبًا من المعاناة اليومية التي تعيشها أمهات فقدن أزواجهن، وأصبحن يتحملن وحدهن مسؤولية إعالة أطفالهن وتأمين احتياجاتهم الغذائية في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
الجوع لا يصيب الأطفال وحدهم
رغم أن الأطفال يظهرون في مقدمة الفئات الأكثر تأثرًا بنقص الغذاء، فإن الأمهات يدفعن أيضًا ثمنًا صحيًا متزايدًا نتيجة حرمانهن من التغذية الكافية.
فالحامل تحتاج إلى غذاء متوازن يدعم صحتها وصحة جنينها، والمرضعة تحتاج إلى تغذية مناسبة للحفاظ على صحتها وقدرتها على الرضاعة، لكن هذه الاحتياجات تصبح أكثر صعوبة في ظل نقص الأغذية المتنوعة وارتفاع تكاليفها.
من أين تحصل الأسر على الطعام؟
تتفاقم الأزمة عندما لا يكون الطعام متاحًا بالكميات المطلوبة، أو عندما يصبح ثمنه خارج قدرة الأسر التي فقدت مصادر دخلها ومدخراتها.
وفي 20 أكتوبر 2026، حذرت وزارة التنمية الاجتماعية من تدهور الأمن الغذائي في قطاع غزة، مشيرة إلى أن تراجع المساعدات وارتفاع الأسعار وفقدان مصادر الدخل يدفع أسرًا إلى الاكتفاء بوجبة واحدة يوميًا.
وأوضحت الوزارة أن برنامج المساعدات الغذائية الشهرية التابع لبرنامج الأغذية العالمي تقلص عدد المستفيدين منه من 1.6 مليون إلى 1.1 مليون شخص، نتيجة نقص التمويل، ما ترك نحو نصف مليون شخص خارج نطاق هذه المساعدات الشهرية.
كما أشارت إلى أن أكثر من 1.4 مليون شخص، أي نحو 67% من سكان القطاع، يُتوقع أن يواجهوا مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي خلال الفترة من يوليو/تموز إلى ديسمبر/كانون الأول 2026.
وفي ظل هذه الظروف، تجد الأمهات أنفسهن أمام خيارات محدودة: شراء كميات أقل من الطعام، أو الاستغناء عن بعض الأصناف، أو الاستدانة، أو الاعتماد على المساعدات التي لا تصل بالضرورة بصورة منتظمة أو كافية.