الانتخابات الإسرائيلية ومستقبل العلاقات مع الصين: أي مسار ينتظر الطرفين؟

الساعة 01:31 م|03 نوفمبر 2026

فلسطين اليوم | تمارا برو

جاءت الانتخابات الإسرائيلية التي أُجريت في الـ 27 من تشرين الأول/أكتوبر 2026 في مرحلة تشهد فيها العلاقات بين الصين و"إسرائيل" تحولات سياسية واستراتيجية عميقة، في ظل تداعيات الحرب في غزة، وتصاعد التنافس الأميركي–الصيني، وتزايد المخاوف الأمنية المرتبطة بالتكنولوجيا والاستثمارات الأجنبية.

 

وقد أفرزت الانتخابات مشهدًا سياسيًا معقدًا، بعدما حصل معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا لمعسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، فيما حصدت الأحزاب العربية 19 مقعدًا، ما حال دون حصول أي من المعسكرين الرئيسيين على الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل الحكومة.

 

ولا تنحصر أهمية هذه الانتخابات بالنسبة إلى بيجين في هوية رئيس الوزراء المقبل، سواء استمر نتنياهو في السلطة أم نجح آيزنكوت في تشكيل حكومة جديدة، بل تتجاوز ذلك إلى طبيعة السياسات التي ستعتمدها "إسرائيل" تجاه القضية الفلسطينية وإيران والولايات المتحدة، ومدى استعدادها للحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع الصين في ظل الضغوط الأميركية المتزايدة.

 

فهل يمكن أن يسهم تغيير الحكومة الإسرائيلية في إعادة العلاقات مع الصين إلى مسارها السابق، أم أن الخلافات السياسية والقيود الاستراتيجية باتت أعمق من أن تعالجها نتائج الانتخابات؟

 

من التقارب الدبلوماسي إلى التوتر بسبب حرب غزة

قبل اندلاع الحرب في غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، كانت العلاقات الصينية–الإسرائيلية تتسم بتعاون اقتصادي وتكنولوجي واسع، رغم ظهور قيود متزايدة على الاستثمارات الصينية في القطاعات الحساسة. وقد نجحت بيجين في ترسيخ حضورها في السوق الإسرائيلية، خصوصًا في مجالات البنية التحتية والتكنولوجيا والابتكار، مستفيدة من رغبة تل أبيب في تنويع شراكاتها الاقتصادية.

 

وامتد هذا التقارب إلى المجال السياسي، خصوصًا في عام 2023، عندما استقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ الرئيس الفلسطيني محمود عباس في بيجين، قبل أن يتلقى نتنياهو دعوة لزيارة الصين. وعكست هذه الخطوات رغبة بيجين في توظيف علاقاتها مع الفلسطينيين والإسرائيليين لتعزيز حضورها الدبلوماسي في الشرق الأوسط، ولا سيما بعد نجاحها في رعاية الاتفاق السعودي–الإيراني.

 

لكن اندلاع حرب غزة حال دون إتمام زيارة نتنياهو، وأدخل العلاقات الثنائية في مرحلة من التوتر السياسي. فقد دعت الصين إلى وقف إطلاق النار، ورفضت تهجير الفلسطينيين، وأكدت ضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، فيما انتقدت "إسرائيل" الموقف الصيني، خصوصًا بسبب عدم إدانة بيجين هجوم حركة حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر بصورة صريحة.

 

وهكذا، لم تعد العلاقات الصينية–الإسرائيلية محكومة بالمصالح الاقتصادية وحدها، بل أصبحت تتأثر بصورة متزايدة بالخلافات السياسية المرتبطة بغزة والضفة الغربية وإيران، فضلًا عن التنافس الأميركي–الصيني.

 

هل تفضّل بيجين بقاء نتنياهو أم وصول آيزنكوت؟

لا توجد مؤشرات واضحة على تفضيل الصين شخصية إسرائيلية بعينها، بقدر اهتمامها بالسياسات التي ستتبناها الحكومة المقبلة. فبيجين تحرص على التعامل مع الحكومات القائمة، مع إعطاء الأولوية للاستقرار السياسي وحماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.

 

وعليه، فإن استمرار نتنياهو أو وصول آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة لا يعني بالضرورة تحولًا جذريًا في العلاقات. فقد سبق لنتنياهو أن أبدى اهتمامًا بتطوير التعاون الاقتصادي مع الصين، وزار بيجين عام 2017. إلا أن سياساته تجاه الفلسطينيين، ومقاربته التصعيدية تجاه إيران، إلى جانب ارتباط "إسرائيل" الوثيق بالولايات المتحدة، تجعل استعادة مستوى التقارب السابق أكثر تعقيدًا.

 

أما تشكيل حكومة بقيادة آيزنكوت، فقد يتيح فرصًا لإعادة تنشيط الحوار الدبلوماسي، خصوصًا إذا تبنّت مقاربة مختلفة تجاه غزة والضفة الغربية. لكن ذلك لا يعني بالضرورة حدوث تقارب استراتيجي، لأن الخلافات بين الجانبين لم تعد مرتبطة بالحرب وحدها، بل أصبحت جزءًا من تحولات أوسع في موازين القوى الدولية.

 

ومن هذا المنطلق، ستراقب بيجين توجهات الحكومة المقبلة ومدى استعدادها لتخفيف التوترات الإقليمية، والمحافظة على قنوات التعاون الاقتصادي، وتجنّب السياسات التي قد تتعارض بصورة مباشرة مع مصالح الصين الاستراتيجية.

 

الضغوط الأميركية والتجسس: حدود التعاون مع بيجين

إلى جانب الخلافات السياسية، تواجه العلاقات الصينية–الإسرائيلية تحديًا أكثر تعقيدًا يتمثل في الضغوط الأميركية الرامية إلى الحد من الحضور الصيني في القطاعات الإسرائيلية الحساسة.

 

فالولايات المتحدة تنظر إلى الصين باعتبارها منافسًا استراتيجيًا، وتخشى أن يؤدي التعاون التكنولوجي بين بيجين وتل أبيب إلى انتقال تقنيات متقدمة أو معلومات حساسة قد تؤثر في مصالحها الأمنية وتفوّقها العسكري.

 

وقد برزت هذه المخاوف في ملفات الاستثمارات الصينية في الموانئ والبنية التحتية الإسرائيلية، ولا سيما ميناء حيفا، فضلًا عن التعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وأشباه الموصلات.

 

ويرتبط بذلك ملف التجسس، إذ تخشى أوساط أمنية إسرائيلية وأميركية من إمكان توظيف بعض الشركات والتقنيات الصينية لجمع معلومات حساسة، خصوصًا في المنشآت العسكرية والأمنية.

 

وتندرج المخاوف المرتبطة بالسيارات الصينية المتصلة بالإنترنت ضمن هذا السياق، نظرًا إلى احتوائها على كاميرات وأجهزة استشعار وأنظمة اتصال قد تتيح جمع البيانات ونقلها. وقد أثيرت في "إسرائيل" مسألة تقييد استخدامها داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، في إطار المخاوف من مخاطر تسرب المعلومات.

 

تايوان وإيران: ملفات تزيد تعقيد العلاقة

يُضاف إلى عوامل التوتر بين الصين و"إسرائيل" تنامي الاتصالات الإسرائيلية–التايوانية، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة زيارات متبادلة لوفود برلمانية ومسؤولين، رغم غياب العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين الجانبين.

 

ومن أبرز هذه التطورات الزيارة غير المعلنة التي قام بها نائب وزير الخارجية التايواني فرانسوا وو لـ"إسرائيل" أواخر عام 2025، وفق ما كشفته وكالة رويترز.

 

ولا تقتصر أهمية هذه الاتصالات على الجوانب السياسية والاقتصادية، بل تمتد إلى الاهتمام بالتعاون التكنولوجي والدفاعي، خصوصًا في مجالات الدفاع الجوي والتقنيات المتقدمة. وتسعى تايوان إلى الاستفادة من الخبرات الإسرائيلية في تطوير منظومات الدفاع متعددة الطبقات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود اتفاقات عسكرية معلنة أو عمليات نقل أسلحة مؤكدة بين الجانبين.

 

أما إيران، فتمثل عاملًا أكثر تأثيرًا في الحسابات الاستراتيجية للطرفين. ففي الوقت الذي تنظر فيه "إسرائيل" إلى طهران باعتبارها تهديدًا أمنيًا رئيسيًا، ترتبط الصين بعلاقات اقتصادية وسياسية مهمة مع إيران، وتعدّها شريكًا في حساباتها الإقليمية والدولية.

 

وتحرص بيجين على تجنب اتساع المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط، لما تحمله من مخاطر على إمدادات الطاقة والتجارة الدولية والممرات البحرية. ولذلك، فإن سياسة الحكومة الإسرائيلية المقبلة تجاه إيران ستبقى عاملًا مؤثرًا في مستقبل العلاقات مع الصين، خصوصًا إذا اتجهت تل أبيب إلى مواصلة التصعيد العسكري.

 

الصين تترك الباب مفتوحًا أمام أي حكومة

تشير التحركات الدبلوماسية الصينية خلال عام 2026 إلى أن بيجين لا تتجه نحو القطيعة مع "إسرائيل"، رغم الخلافات السياسية المتزايدة بين الجانبين.

 

ففي الفترة الممتدة بين الـ 6 والـ 8 من كانون الثاني/يناير 2026، زار المبعوث الصيني الخاص لشؤون الشرق الأوسط تشاي جون "إسرائيل"، والتقى وزير الخارجية جدعون ساعر وعددًا من المسؤولين، لبحث العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية. وأكد الجانب الصيني أهمية استمرار التبادلات والتعاون المتبادل بين الطرفين.

 

وفي الـ 15 من تشرين الأول/أكتوبر 2026، التقى وزير الخارجية الصيني وانغ يي الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في باكو. وتناول اللقاء العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، في مؤشر إلى استمرار قنوات التواصل السياسي رغم الخلافات.

 

وتحمل هذه الاتصالات دلالة مهمة، إذ تعكس رغبة بيجين في الفصل النسبي بين الخلافات السياسية والمصالح الثنائية، وعدم ربط مستقبل العلاقات بشخص نتنياهو أو أي زعيم إسرائيلي آخر.

 

وفي ضوء نتائج الانتخابات، يمكن تصور ثلاثة مسارات محتملة للعلاقات الصينية–الإسرائيلية: استمرار التعاون الاقتصادي المحدود مع بقاء الخلافات السياسية، أو حدوث انفراج دبلوماسي تدريجي إذا تراجعت التوترات الإقليمية، أو اتساع التباعد في حال تصاعد المواجهة مع إيران واشتدت الضغوط الأميركية على التعاون التكنولوجي مع الصين.

 

تكشف نتائج الانتخابات الإسرائيلية أن مستقبل العلاقات مع الصين لا يتوقف على هوية رئيس الوزراء المقبل وحدها، بل يتحدد ضمن شبكة معقدة من المصالح والتناقضات الإقليمية والدولية.

 

فبيجين لا تسعى إلى خسارة "إسرائيل" بوصفها شريكًا اقتصاديًا وتكنولوجيًا، لكنها في الوقت نفسه ليست مستعدة للتخلي عن مواقفها المتعلقة بالقضية الفلسطينية أو بعلاقاتها مع إيران. وفي المقابل، ترغب "إسرائيل" في الاستفادة من السوق الصينية، لكنها تواجه قيودًا أمنية واستراتيجية تفرضها علاقتها الوثيقة بالولايات المتحدة، فضلًا عن الخلافات السياسية مع بيجين.

 

لذلك، فإن السؤال الأساسي بالنسبة إلى الصين لا يتمثل في بقاء نتنياهو أو رحيله، وإنما في مدى قدرة الحكومة الإسرائيلية المقبلة على تبنّي سياسات تسمح بإعادة بناء الثقة السياسية وتخفيف التوترات الإقليمية. فبيجين قد تكون مستعدة للتعامل مع أي تشكيل حكومي، ولكنها لن تتجاهل السياسات التي تمسّ مصالحها ومواقفها الاستراتيجية في المنطقة.