في قطاع غزة، لم تعد الطوابير أمام المخابز مشهدًا عابرًا في يوميات السكان، بل باتت تستحضر شهورًا من الجوع والحرمان، حين كان الحصول على رغيف الخبز معركة يومية تخوضها العائلات لتأمين أبسط احتياجاتها، واليوم، ومع عودة مشاهد الانتظار وارتفاع أسعار المواد الغذائية، تتجدد مخاوف الغزيين من أن يجدوا أنفسهم مجددًا أمام واقع ظنوا أنهم بدأوا يتجاوزونه.
لكن المخاوف لا تقف عند حدود الطوابير، بل تمتد إلى أسعار المواد الغذائية التي باتت تثقل كاهل العائلات المنهكة بفعل الحرب وتداعياتها المعيشية، ومع ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية، لم يعد وجود الغذاء في الأسواق يعني بالضرورة قدرة المواطنين على شرائه، في وقت تضطر فيه أسر إلى إعادة حساب احتياجاتها اليومية وتقليص مشترياتها بما يتناسب مع ما تبقى لديها من أموال.
وتتفاقم هذه التحديات في ظل القيود المفروضة على إدخال البضائع إلى قطاع غزة، وتراجع المساعدات الغذائية، ما يضع مزيدًا من الأعباء على العائلات التي فقد كثير منها مصادر دخله خلال الحرب، الحاجة أم باسل والتي تعيل ستة من أحفادها الذين استشهد آباؤهم، إلى جانب اثنين من أبنائها، واحدة من تلك العائلات التي باتت تعيد حساباتها المالية كل يوم بحساب السوق وأسعاره.
تقول الحاجة أم باسل التي تعيش في خيمة ممزقة لم تعد قادرة على حمايتها وأسرتها من برد الشتاء وأمطاره، لـ"مراسل وكالة فلسطين اليوم الإخبارية":" صرنا نحسب كل شيكل قبل ما نشتري أي حاجة، والأسعار كل يوم بتصعّب علينا الحياة، أنا مسؤولة عن ستة من أحفادي واثنين من أبنائي، ومش عارفة كيف أوفّر لهم احتياجاتهم، خصوصًا الأكل، في ظل الظروف اللي بنعشيها، أحيانًا بنضطر نستغني عن أشياء أساسية لأن المصاري ما بتكفي"
وتضيف أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية جعل تأمين الطعام لأسرتها أكثر صعوبة، في ظل محدودية الإمكانات وكثرة المسؤوليات الملقاة على عاتقها، ما يضطرها إلى تقليص مشترياتها والاستغناء عن بعض الأصناف لتتمكن من توفير الحد الأدنى من احتياجات أبنائها وأحفادها.
ولا تقتصر تداعيات هذا الواقع على العائلات التي فقدت معيلها، بل تمتد إلى شرائح واسعة من سكان القطاع، الذين بات تأمين الاحتياجات الأساسية يشكل عبئًا يوميًا عليهم، في ظل اتساع الفجوة بين أسعار السلع وما يمتلكونه من أموال.

وفي مشهد يتكرر يوميًا أمام المخابز، تقف السيدة أم محمد الفيري بين المواطنين المنتظرين أدوارهم للحصول على الخبز، وسط ازدحام يعيد إلى أذهان الغزيين مشاهد الطوابير الطويلة التي عاشوها خلال أشهر المجاعة، تقول لـ"مراسلنا" :" من الصبح بنوقف في الطابور عشان نقدر نجيب الخبز ومش دايمًا بنحصل على الكمية اللي بتكفينا".
وتضيف:" رجعتنا هالمشاهد لأيام المجاعة، لما كان الحصول على ربطة خبز همّ يومي، واليوم بنخاف ترجع نفس المعاناة من جديد، خصوصًا مع غلاء الأسعار وقلة الإمكانيات".

شحّ السلع الأساسية
ولا تقتصر الأزمة على ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، بل تمتد إلى شحّ بعض السلع الأساسية في الأسواق، في ظل محدودية البضائع التي تدخل إلى القطاع، وهو ما ينعكس على توفر احتياجات السكان اليومية.
وفي هذا السياق، قال رئيس جمعية النقل الخاص في غزة، ناهض شحيبر، إن الأسواق تعاني شحًّا في الخضروات والفواكه والطحين، مشيرًا إلى أن الكماليات تشكّل نحو 95% من البضائع الداخلة إلى القطاع.
وأضاف شحيبر " أن كميات الطحين التي دخلت وتم توفيرها من قبل اللجنة المصرية للمخابز لا تكفي لتشغيلها بكامل طاقتها الإنتاجية الكافية لأبناء شعبنا".
أسعار الخضروات والفواكه
وتظهر أسعار السلع المتداولة في الأسواق جانبًا من الأعباء التي يتحملها المواطنون، إذ بلغ سعر كيلو البصل 12 شيكلًا، والبطاطا 14 شيكلًا، فيما تبدأ أسعار البندورة من 15 شيكلًا، والخيار والكوسا 12 شيكلًا لكل منهما، والباذنجان 10 شواكل.
وامتدت الأسعار المرتفعة إلى الفواكه، حيث بلغ سعر كيلو التفاح 18 شيكلًا، والبرتقال 15 شيكلًا، والعنب والسنطروزة 25 شيكلًا، والأفوكادو 17 شيكلًا، فيما وصل سعر الكلمنتينا إلى 10 شواكل، وفق قائمة أسعار متداولة في سوق مخيم النصيرات بتاريخ 31 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
وتضع هذه الأسعار مزيدًا من الضغوط على العائلات التي تحاول تأمين احتياجاتها اليومية، خصوصًا في ظل فقدان كثير من الأسر مصادر دخلها، وتراجع قدرتها على مواكبة الارتفاع في أسعار المواد الغذائية.
وبين شحّ السلع الأساسية وارتفاع أسعار المتاح منها، وتراجع المساعدات الغذائية، تتواصل معاناة سكان قطاع غزة في رحلة البحث عن لقمة العيش، فيما تعيد طوابير الخبز إلى الواجهة مخاوف العودة إلى أيام الجوع والحرمان، التي لا تزال آثارها حاضرة في ذاكرة الغزيين.