على الفور، انطلقت معركة تشكيل الحكومة الإسرائيلية بُعيد الانتخابات التي أظهرت نتائجها المعلنة فشل كلٍّ من المعسكرين المتنافسين في تحقيق أغلبية تسمح له بتشكيل الحكومة بشكل منفرد؛ فقد حصل معسكر اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو على 53 مقعداً، في مقابل 49 مقعداً لمعسكر الوسط بقيادة غادي آيزنكوت.
وفي ظل عدم حسم المعركة السياسية من خلال الانتخابات، وعدم حصول أيٍّ من الطرفين على أغلبية واضحة قادروفي هذا السياق، يبرز احتمال تشكيل حكومة ائتلافية تجمع معسكري بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت بوصفه الاحتمال الأكثر ترجيحاً في ظل النتائج الأولية المعلنة، وهو ما قد يدفع بهما إلى تجاوز التناقضات والخصومات الانتخابية، وإعادة ترتيب التحالفات وفق ما تقتضيه الظروف الاستراتيجية وحساباتها المختلفة.
وبمعنى آخر، فإن فرضية اتساع قاعدة الحكومة في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية قد تمثل خيار الضرورة الاستراتيجية كوسيلة لتوسيع دائرة المشاركة في القرار وتوزيع المسؤولية عن تبعاته.ة على الحكم، فمن الطبيعي أن تنتقل المعركة من صناديق الاقتراع إلى مفاوضات تشكيل الحكومة، وهي معركة تتداخل فيها عوامل عديدة تتعلق بعدد المقاعد التي حصل عليها كل فريق، وصولاً إلى القدرة على جمع أغلبية برلمانية متماسكة.
غير أن النظر إلى الانتخابات الإسرائيلية ونتائجها من زاوية الصراع السياسي على السلطة يبدو نظرة قاصرة، إذا ما تمت قراءتها من دون التفات إلى الترابط بين الجبهتين الداخلية والخارجية للكيان الإسرائيلي. وانطلاقاً من ذلك، فإن الانتخابات لا تبدو مجرّد صراعٍ على السلطة بين بنيامين نتنياهو وخصومه، بل تتعدى ذلك إلى القفز فوق حسابات الأحزاب وعدد المقاعد، لتطرح أسئلة أكثر عمقاً تتصل بمستقبل الأمن القومي الإسرائيلي، والعلاقة مع الولايات المتحدة، وموقع "إسرائيل" في معادلات الشرق الأوسط المتغيرة.
الاختبار الحقيقي لكل معسكر
يواجه نتنياهو في هذا السياق معادلة معقدة؛ فهو يمتلك خبرة واسعة في إدارة التحالفات والمناورة داخل الكنيست بكل تناقضاته، لكنه يواجه في المقابل اعتراضات على استمرار قيادته، فضلاً عن الخلافات المتعلقة بالإخفاقات الأمنية والعسكرية منذ "طوفان الأقصى" وصولاً إلى الحرب على إيران، إلى جانب ملف الخدمة العسكرية وتوزيع الأعباء بين مكونات المجتمع الإسرائيلي.
أما آيزنكوت الذي طرح نفسه بديلاً لنتنياهو، فيبحث هو الآخر عن خيارات تمكنه من ترجمة موقعه السياسي إلى أغلبية قادرة على الحكم، وهي مهمة لا تخلو من الصعوبات في ظل التباينات الأيديولوجية والسياسية بين القوى المنضوية في معسكره، والتي لا يكاد يجمعها سوى الاعتراض على رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.
في مقابل ذلك، يتفق الخصمان على مبدأين أساسيين:
1. صهيونية الحكومة التي يتوجب تشكيلها.
2. وضع الحكومة المُشكّلة في خدمة "جيش" الدفاع الإسرائيلي.
وهذان المبدآن يقودان بالضرورة إلى استبعاد القوائم العربية من التشكيل الحكومي. ومع حصول القوائم العربية على 18 مقعداً، فإن نجاح المعيار الصهيوني والعسكري في التشكيل الحكومي قد يدفع المعسكرين إلى التخلي عن المواجهة بينهما حتى نهايتها، ويفتح الباب أمام إعادة تركيب المشهد السياسي على أسس مختلفة.
وعلى الرغم من ذلك، فإنّ أي تفاهم بين نتنياهو وآيزنكوت سيصطدم بمشكلة جوهرية تتمثل بكيفية الانتقال من التنافس على إسقاط أحدهما للآخر إلى تقاسم السلطة، من دون أن يبدو الاتفاق تراجعاً عن التعهدات التي قدمها كل طرف لناخبيه، وهذا قد يفرض عليهما التخلي عن بعض حلفائهما في كلا المعسكرين.
الائتلاف الواسع كخيار استراتيجي
لا تنبع أهمية الائتلاف المحتمل من حجمه البرلماني فحسب، بل من طبيعة المرحلة التي قد يتشكل فيها؛ إذ تواجه "إسرائيل" استحقاقات تتصل بإدارة الصراعات الإقليمية، ومستقبل الردع، والعلاقة مع واشنطن، والتداعيات الاقتصادية والأمنية للصراع الإقليمي. والأهم من كل ذلك ما يتعلق بإعادة تشكيل التحالفات في المنطقة ورسم خرائط النفوذ مع ظهور محاور وتحالفات عديدة، ووجود خطط ومشاريع لولادة تحالفات أخرى أو توسيع التحالفات القائمة والوليدة.
ويبرز في هذا الإطار "تحالف مكة" الذي يضم ثلاث قوى إقليمية إسلامية صاعدة (السعودية وتركيا وباكستان)، وكذلك محور المقاومة بقيادة إيران والنتائج التي حققها على الأرض في مضيقي هرمز وباب المندب، بالإضافة إلى الصراع الممتد على الممرات المائية من الخليج إلى البحر الأحمر وصولاً إلى البحر المتوسط. وملفات كهذه تتجاوز آثارها المفهوم التقليدي لتشكيل الحكومة، وتفرض قرارات يصعب على ائتلاف محدود القاعدة تحمّل تبعاتها السياسية بمفرده، خاصة مع بروز مشاريع لتشكيل منظومة أمنية مستقلة في المنطقة تجمع بين دول "تحالف مكة" وإيران ومصر.
ومن هذا المنظور، قد يتيح إشراك قوى متنافسة توسيع قاعدة الشرعية السياسية للقرارات الكبرى، ويحدّ من احتكار معسكر واحد مسؤولية الخيارات الاستراتيجية ونتائجها، ويمنح الحكومة هامشاً أوسع في مواجهة الضغوط الداخلية، لا سيما إذا كانت القرارات المقبلة تتطلب تعبئة سياسية ومجتمعية تتجاوز حدود التحالف الحاكم التقليدي.
نتنياهو وآيزنكوت بين تقاطع المصالح وتناقض القيادة
يمثل نتنياهو وآيزنكوت تجربتين مختلفتين في القيادة السياسية، وإن كانت الاعتبارات الأمنية تحتل موقعاً مركزياً في حسابات كليهما؛ فالأول يمتلك خبرة طويلة في إدارة السلطة والعلاقات الدولية، بينما يستند الثاني إلى خلفيته العسكرية وخطابه الداعي إلى تغيير القيادة وإعادة النظر في إدارة مؤسسات الدولة. وعليه، فإن جمعهما في حكومة واحدة لن يكون مجرد تسوية لتوزيع الحقائب الوزارية، بل سيفتح مواجهة تفاوضية حول ملفات عديدة تتعلق برئاسة الحكومة، وتحديد أولوياتها، وكيفية توزيع الصلاحيات والمسؤولية عن القرارات السابقة واللاحقة.
وعلى الرغم من تقاطع الطرفين في الملفات الأمنية والاستراتيجية، فإن ذلك لا يلغي خلافاتهما بشأن المسؤولية عن الإخفاقات، والخدمة العسكرية، والعلاقة مع الأحزاب الدينية، وأسلوب إدارة المؤسسات. وبالتالي، فإن أي تفاهم محتمل سيكون أقرب إلى تسوية انتقائية تُدار فيها نقاط الخلاف لا إلى تحوّل سياسي يذيب التناقضات بين المعسكرين، وكل ذلك يجعل الاتفاق بينهما أقرب ما يكون إلى اتفاق مرحلي تفرضه الضرورات الاستراتيجية، ويقوم على إدارة الاختلافات السياسية خلال هذه المرحلة.
حسابات المواجهة مع إيران وتشكيل الحكومة
كما ذكرنا، فإنه لا يمكن فصل أي مفاوضات لتشكيل الحكومة عن البيئة الإقليمية التي ستعمل في ظلها. وفي هذا الإطار، يبرز ملف المواجهة المباشرة بين "إسرائيل" وحليفها الأميركي من جهة، وإيران من جهة أخرى، باعتباره المعادل الأكثر تأثيراً في مستقبل المنطقة؛ فقد بات من المؤكد أن نتائج هذه المواجهة سترسم خرائط النفوذ والسيطرة وحدودها ربما لقرن كامل.
وفي الوقت الذي أظهرت فيه الجبهة الداخلية الإيرانية تماسكاً استثنائياً مفاجئاً وتعبئة شاملة للشعب الإيراني بكل أطيافه ومكوناته إلى جانب قيادته في وجه أعدائه، فإن الجبهة الداخلية الإسرائيلية — ووفقاً لما أظهرته الكثير من المواقف والمنعطفات والتقارير الصادرة عن مراكز الدراسات — تبدو في وضع قلق للغاية وتوشك على الانفجار الداخلي. وهذا المسار الداخلي الإسرائيلي بدأ وتفاقم في السنوات الأخيرة، وتعزز مع الضربات المؤلمة والمدمرة التي تلقاها الداخل الإسرائيلي بفعل الهجمات بالصواريخ والمسيرات الإيرانية خلال الحرب الأخيرة.
ومع وصول المواجهة مع إيران إلى مرحلة حرجة لا تقبل المراوغة، فإن اتخاذ القرارات المتعلقة بالحرب المفتوحة أو التسليم والقبول باتفاق أميركي-- إيراني أو اتفاق إيراني- إقليمي يحتاج إلى إعادة لملمة الجبهة الداخلية سياسياً وداخل الجمهور الإسرائيلي المنقسم. وهذه مهمة يصعب على نتنياهو بمفرده تحمّل تكلفتها الداخلية مهما كان خياره في هذه المواجهة.
وبالتالي، فإن هناك خشية حقيقية داخل مراكز القرار الإسرائيلي من أن تشهد المرحلة المقبلة انهياراً تاماً للجبهة الداخلية ينسحب إلى "الجيش" والمستوطنين، بمقابل المزيد من التعبئة والتماسك في الجبهة الداخلية الإيرانية، وانعكاس ذلك على منظومة الردع الإسرائيلي، إذ أثبتت الحرب الأخيرة أن امتلاك السلاح النووي مع أحدث المنظومات الدفاعية والهجومية لم يعد كافياً لتحقيق الردع، بل إنه فشل فشلاً ذريعاً في المواجهة مع إيران، على الرغم من الحضور العسكري الأميركي الكامل والمباشر في الحرب إلى جانب "إسرائيل".
وبالمقابل، فإن على أي حكومة إسرائيلية مقبلة أن تكون مستعدة للقبول بما يمكن أن تفرضه عليها واشنطن في حال قررت أو وجدت لنفسها مخرجاً للخروج من مأزق الحرب مع إيران عبر اتفاق ما. وبالتالي، فإنه من غير المستبعد أن تكون واشنطن نفسها شريكة بشكل أو بآخر في صياغة نتائج الانتخابات الإسرائيلية، تمهيداً لتشكيل حكومة ائتلافية غير قادرة على تعطيل التوجهات الأميركية في ما يخص خيارات المواجهة مع إيران، أو رسم تفاهمات إقليمية في المنطقة من ضمن الاستراتيجية الأميركية، أو حتى خيارات إدارة الصراع التي تنتهجها واشنطن.
يمكن القول إن احتمال تشكيل حكومة تجمع نتنياهو وآيزنكوت هو احتمال مرجح باعتباره أحد المسارات الممكنة للخروج من الانسداد السياسي بفعل النتائج غير الحاسمة للانتخابات. لكن دلالته الأعمق تتمثل في احتمال أن تدفع الضغوط الداخلية والإقليمية "إسرائيل" إلى البحث عن صيغة حكم تعيد توزيع المسؤولية عن القرار الاستراتيجي، وتوسع المشاركة في تحمّل أعباء المرحلة المقبلة.
وفي نهاية المطاف، فإن صيغة كهذه تفرضها مقتضيات الأمن القومي الإسرائيلي والتناقضات السياسية الداخلية، وفي حال التوصل إليها، ستبقى عرضة لهزات قد تُفشلها بفعل الآثار المترتبة على نتائج المواجهة في الإقليم.