يُرجّح أن تدفع نتائج انتخابات "إسرائيل" وأميركا الراهنة دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو لتجديد الحرب العدوانية على إيران أو بالأحرى حرب الذئاب الجريحة بضراوة أكبر، كمحاولة لإنقاذ مستقبلهما السياسي.
لا شكّ أن أميركا وإسرائيل على وشك استئناف العدوان على إيران الذي بدأتاه دون استفزاز أو تخطيط مُسبق في شباط 2026. المسألة تكمن فقط في التوقيت.
لدى نشر هذا المقال، ربما تكون الحرب قد استؤنفت بكامل قوتها أو أوشكت جدًا. والأرجح أنها ستتأجل لما بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، وبالطبع بعد انتخابات "إسرائيل" التي أدت نتائجها لأزمة شلل سياسي.
بحسب الكاتب الأميركي اليهودي المناهض للصهيونية، ميتشل بليتنِك، قد تجد "إسرائيل" نفسها تحت قيادة جديدة بعد الانتخابات، ورغم استمرار نظرتها لإيران عدوًا لدودًا، قد يكون لديها أفكار مختلفة حول كيفية المواجهة.
في المشهد الأميركي، يرى بليتنِك، أن عدم اليقين يتفاقم عادة بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. وسيظل دونالد ترامب لمدة عامين رئيسًا دون قلق انتخابي، إذ لا يحق له الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2028. ومعارضة الكونغرس لهذه الحرب قد تُصعّب عليه مواصلة مساره الحالي. لكن لو كان كونغرس مترددا وغير راغب بمواجهة ترامب بشأن الحرب فقد يُطلق العنان لأسوأ نزعاته.
ترامب ورئيس وزراء الكيان، نتنياهو، لهما مصالح شخصية تخدمها الحرب. فكلاهما يريد تقويض نتائج الانتخابات، وقد تُوفّر لهما حرب تؤدي لأزمة اقتصادية عالمية غطاءً يريدانه.
إيران والانتخابات الإسرائيلية
يضغط نتنياهو بشدة من أجل تجديد الحرب. في مكالمة هاتفية علنية مع ترامب، قال له نتنياهو: "لدينا مهمة يجب إنجازها".
بعيدًا عن التهديدات، كانت هناك إجراءات ملموسة. انشغلت أميركا والكيان بوضع خطط لهجوم آخر على إيران، حتى وإن بدا أن نتنياهو غير راضٍ عن الانتظار مدةً يريدها ترامب.
صرّح ترامب مرارًا بأن واشنطن لن تهاجم إيران قبل انتخابات التجديد النصفي. ونظرًا لتاريخه، فلا يوجد ما يدعو لتصديقه. بل وعلى النقيض، نكث ترامب بوعوده مرارًا، أحيانًا بسبب التهور، وأحيانًا أخرى متعمدا لدفع إيران للتراخي. بل لم يُصرّح بأنه سيواصل منع إسرائيل من شنّ هجوم قبل انتخابات التجديد النصفي.
لكن في هذه الحالة، ثمة سبب للاعتقاد بأن ترامب يقول الحقيقة. لا شيء مؤكدًا، لكن واشنطن تُرسل للخليج تعزيزات عسكرية وقوات وحاملة طائرات ثالثة، ستصل أواخر تشرين الثاني المقبل.
هذا يُناسب ترامب، لكنه لا يُناسب نتنياهو. بالنسبة لترامب، سيكون التصعيد مفيدًا لأشهر، من بعد الانتخابات حتى بداية كانون الثاني 2027، موعد تنصيب الكونغرس الجديد.
أما نتنياهو، فلديه وقتٌ أقل. فقد عُقِدت انتخابات "إسرائيل"، الثلاثاء 27 تشرين الأول الجاري. وقد أساءت عدة تحليلات بأميركا فهم تأثير تجديد الحرب على موقف نتنياهو.
لو حدث ذلك قبل الانتخابات ببضعة أسابيع، لكان بإمكان نتنياهو تأجيلها (وهذا يتطلب موافقة 80 عضوًا من أصل 120 بالكنيست)، أو استمالة بعض الناخبين لصالحه.
لكن الانتخابات الإسرائيلية تختلف عن الانتخابات الأميركية، حيث تُدلى الأصوات، ويفوز مرشح، ويُفترض أن يُحسم الأمر. فالسياسة الائتلافية غير المستقرة بالكيان تعني أن الصراع الحقيقي يبدأ بعد فرز الأصوات، حيث يتنافس قادة الكتل الكبرى على حق تشكيل حكومة ائتلافية.
لم يفز نتنياهو بهذه الانتخابات، فائتلاف الليكود وأحزابه لم يحصل على مقاعد بالكنيست تكفي لتشكيل أغلبية. وكذلك المعارضة لا تملك فرصة كبيرة لتشكيل ائتلاف أغلبية. فرصتها الوحيدة، غير المتاحة لنتنياهو، دعم أحزاب العرب، الذين يشكلون نحو 20% من السكان.
لكن الأمر معقد. فقد تعهد زعيم المعارضة، غادي آيزنكوت، بعدم تشكيل حكومة مع أحزاب عربية. إلا أنه يستطيع تشكيل حكومة بأقل من الأغلبية بحصوله على دعم أحزاب عربية خارج الائتلاف الحاكم.
يرى بليتنك أن هذا مسار محفوف بالمخاطر في مجتمع عنصري كالمجتمع الإسرائيلي. حتى أن "راعم"، إحدى كتلتي العرب، قد تُشكل تهديدًا لبعض شركاء آيزنكوت الآخرين بائتلاف المعارضة الصهيونية.
الرهان على الشلل السياسي
ويصعُب تخيّل موافقة أحزاب يقودها شخصيات يمينية مثل أفيغدور ليبرمان أو نفتالي بينيت على تشكيل ائتلاف بدعم "القائمة المشتركة"، الأكثر تمثيلاً للعرب من القائمة العربية الموحدة "راعم". وحتى مع دعم "راعم" من خارج الائتلاف، لا تحصل المعارضة على 61 صوتا ضرورية بالكنيست لتشكيل حكومة.
يراهن نتنياهو على عجز المعارضة عن تشكيل ائتلاف. وفي حال حدوث ذلك، يمكنه محاولة استقطاب أحزاب أو أعضاء بالكنيست من المعارضة للوصول لأغلبية. سيكون ذلك صعباً، لكنه محتمل.
يرى بلينك أن بإمكان نتنياهو ببساطة استغلال هذا المأزق لإجراء جولة أخرى من الانتخابات، ما يجعله مسؤولاً عن حكومة تصريف أعمال، وهو السيناريو الراجح حاليا.
وفي كلتا الحالتين، تُعدّ الحرب مع إيران مكسبا كبيرا لنتنياهو.
تحت مزاعم تهديد بهجوم صاروخي إيراني، يستطيع نتنياهو الترويج لفكرة أن إسرائيل بحاجة لاستمرارية الوضع الراهن لتحقيق النصر في الحرب، ووقف البرنامج النووي الإيراني، وغيرها من الاتهامات التي سيوجهها. إذا لم تُظهر استطلاعات الرأي تقدماً له، فبإمكانه أيضاً اقتراح تشكيل حكومة وحدة وطنية، وحربٌ حامية ستعزز موقفه بلا شك.
يحتاج نتنياهو الجمود الناجم عن فشل المعارضة في تشكيل حكومة. لكن، إذا تحقق ذلك، ولم تُمطر صواريخ إيرانية أو من حزب الله الكيان، فإن إخفاقاته ستخضع لتدقيق أكبر، وستنكمش فرصه في جولة انتخابات أخرى. لذا هو بحاجة للحرب أكثر من أي وقت.
يرى بلينِك ضغط نتنياهو لاستئناف الحرب مبكرا، بخلاف ترامب، مدفوعاً بعدة عوامل.
أولاً، نظراً لتردد ترامب وتقلبه الشديد، أراد نتنياهو ضمان الدعم الأميركي لاستئناف الحرب.
ثانياً، أراد نتنياهو إعادة تركيز مبدأ توجيه الحرب على تغيير النظام الإيراني، وهي فكرة يُلح عليها مؤخرًا، لكنها فقدت شعبيتها بدرجة كبيرة بواشنطن، حتى بين أكثر الأصوات تشدداً.
أخيرًا، يعلم نتنياهو أن واشنطن تخطط لضربة سريعة ومؤثرة. كما يعلم أيضًا أن هذا لن يحدث، وهو لا يرغب بحدوثه. فهو يريد خوض حرب مطولة لتعظيم مكاسبه السياسية وزيادة فرص الضغط على إيران إلى حد تهديد استمرار وجود الجمهورية الإسلامية. فالوقت لا يعمل لصالحه، فهو يعلم أن هذه قد تكون فرصته الأخيرة لهزيمة إيران.
لذا، دفع نتنياهو نحو إعادة إشعال الحرب خلال هذا الشهر، مدركًا أنها ستستمر على الأرجح حتى بعد الانتخابات الإسرائيلية.
إيران والانتخابات الأميركية
ربما يصدق ترامب في رغبته بتأجيل الهجوم على إيران إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي، لكن هذا ليس إلا مؤشرًا آخر على مدى جهله بعمق فشله.
لقد ألحق ضررا بالغا بفرص الجمهوريين في الانتخابات، ولن يؤدي استئناف الحرب على إيران لتفاقم الوضع أكثر. بل إن الجمهوريين على وشك تلقي هزيمة ساحقة بصناديق الاقتراع أبلغ مما لحق بنتنياهو في "إسرائيل". السؤال الوحيد هو مدى سوء الوضع القادم.
يرجح جدًا أن يستعيد الديمقراطيون السيطرة على مجلس النواب، ولديهم فرصة جيدة للفوز بمجلس الشيوخ. بالنسبة لترامب، حتى وإنه غير مدرج على بطاقة الاقتراع، ستكون هذه خسارة مُذلة، وقد رأينا بالفعل كيف يتفاعل مع هذه الأمور.
هنا يأتي دور استئناف الحرب على إيران. بالتأكيد سيبذل ترامب قصارى جهده للتشكيك بنتائج الانتخابات، وإثارة الشكوك كما فعل عام 2020. ومع قاعدة دعم أصغر الآن مما كان سابقًا، وغياب الجائحة، سيحتاج لزرع مزيد من الفوضى.
ستحقق الحرب مع إيران ذلك لعدة أسباب:
أولًا، ستكون الحرب نفسها شرسة وستُحدث موجات صدمة فورية بالاقتصاد العالمي. لكن هذه لن تكون سوى البداية. لقد أوضحت إيران أنها سترد بقوة أكبر من ذي قبل، وأنها ستُكيّف ردها مع شدة الهجوم الأميركي الإسرائيلي.
حذرت إيران من استهداف مراكز البيانات، ذات الأهمية البالغة لترامب، بالإضافة لشبكات الألياف الضوئية البحرية الأساسية للإنترنت. سيؤدي ذلك لتعطيل قطاعات عديدة.
وسيُضاف هذا لاستهداف إيران البنية التحتية للطاقة بالخليج إذا ما استهدفت الولايات المتحدة و"إسرائيل" بنيتها التحتية. وقد تستهدف إيران البنية التحتية المدنية، بما في ذلك محطات تحلية المياه، ما سيُلحق دماراً هائلاً بالمنطقة بأسرها.
لن يُؤثر هذا على إسرائيل، التي ستعتبره ضغطاً على دول الخليج للانضمام للمجهود الحربي. تسعى إسرائيل لإحداث فوضى بأكبر قدر ممكن، لأنها ترى ذلك طريقا أمثل لتغيير النظام بإيران كما تشتهي.
لكن ينبغي على ترامب أن يقلق بشأن الانهيار المحتمل لاقتصادات الخليج وتأثيره الهائل على العالم أجمع.
سيؤدي انهيار البنية التحتية في الخليج لارتفاع أسعار النفط إلى مستويات أعلى بكثير مما هي عليه الآن. وسيؤدي ذلك لتفاقم أزمة تصدير الأسمدة من المنطقة، وقد يُلحق مزيدًا من الضرر بسوق الغاز الطبيعي المسال. وقد يرتفع التضخم العالمي بشكل حاد، ولا يُرجّح أن تكفي الإجراءات المُتخذة حتى الآن لكبح جماح الأسعار ومنع هذا التضخم الهائل.
ومع ذلك، فإن الفوضى التي ستحدث بأميركا قد تُتيح لترامب فرصةً لتأجيل انعقاد الكونغرس الجديد، أو لزيادة فرصه في التشكيك بنتائج الانتخابات.
تشبث ترامب بإراقة الدماء والدمار الشامل
لا يُرجَّح بليتنك أن تُحقق هذه الجهود لترامب مراده. فقاعدته الشعبية صغيرة جدًا، والبلاد أكثر وعيًا بهذا الاحتمال، ويدرك العديد من أنصاره الذين كانوا معه قبل ست سنوات الآن أنه خانهم واستغلهم.
لكن الهجوم على إيران سينجح في إحداث دمار عالمي واسع النطاق، يبدأ من إيران والخليج، ويتوسع بسرعة كبيرة إلى الخارج.
وأصبحت "إسرائيل" أيضًا معرضةً لخطر أكبر مما كانت عليه بالمرة السابقة. تضاءلت بشدة الحماية التي توفرها المنشآت الأميركية والدعم المقدم من دول كالسعودية والأردن في اعتراض الصواريخ والمسيرات الإيرانية. فقد اختفت عدة قواعد أميركية، ولم يتبق لدى الأميركيين المتمركزين بالمنطقة سوى عدد قليل من الوسائل الاعتراضية.
بحسب بليتنك، تمكنت "إسرائيل" من الاحتفاظ بالعديد من وسائلها الاعتراضية، اعتمادًا على الصواريخ الأميركية ضد إيران. لكنها اضطرت لاستخدام عدد كبير منها للدفاع ضد الهجمات القادمة من لبنان. والأهم، أنه نظرًا لأن صواريخ إيران ستجد مسارًا أوضح نحو "إسرائيل" مما كان عليه سابقًا، فسيتم وصول وإسقاط صواريخ أكثر فوق المجال الجوي الإسرائيلي، مما يعني سقوط حطام أكثر على "إسرائيل"، في حين يُرجَّح أن تخترق صواريخ إيرانية أكثر الدفاعات الإسرائيلية نظرًا لدخول عدد أكبر منها في نطاقها.
قصارى القول، ربما لا يفكر ترامب في كيفية استخدام الحرب لتقويض الانتخابات الأميركية. وربما سئم من خسارة الحرب ويتشبث يائسًا بفكرة أن إراقة الدماء والدمار اللذين فشلا مرارًا سيؤتيان ثمارهما أخيرًا.
هذه الحقيقة المؤسفة هي تعريف الجنون القاتل.