تلاقت أغلب التقديرات في قراءة الانتخابات الصهيونية الأخيرة للكنيست، باعتبار نتنياهو خاسراً، بقياس أنه غير قادر على تأمين 61 نائباً لتشكيل حكومة، فيما كان يتمتع بائتلاف 68 نائباً في حكومته الحالية. وقد أصبح عنده 54 نائباً، وأضف خسارة الأغلبية في الكنيست، لكن مع ذلك حافظ على أن يكون الأول بين الأحزاب، والأول في التكتل حوله، مقارنة بمنافسه آيزنكوت وتكتله، أي هو خاسر وناجح في آن.
وبهذا يكون مأزق نتنياهو عدم إمكانه تشكيل الحكومة، ويصبح هذا المأزق شبه قاضٍ عليه، إن تمكن آيزنكوت، بدعم من الصوت العربي من تشكيل حكومة، وذلك بعد تجاوز جملة من العقبات، أولها تماسك تكتل آيزنكوت، في حالة الاعتماد على الصوت العربي. ثم هنالك عقبة ترامب، الحريص على عدم الإطاحة بنتنياهو، أو الحريص على تشكيل حكومة ائتلافية، برئاسة نتنياهو.
هذه العقبات هي التي تواجه آيزنكوت والمجموعات العربية في تشكيل حكومة تطيح بنتنياهو، وهو الهدف الذي حث حوالي 80 في المئة من الناخبين العرب، وما أبدوه من حماسة منقطعة النظير في المشاركة بانتخابات الكيان الصهيوني. وذلك بتجاوز ما قام من خلاف، في الماضي، حول مبدأ المشاركة أصلاً في انتخابات كيان غير شرعي. أما تفسير ذلك، فيعود لما ارتكبه نتنياهو من جرائم إبادة، طوال ثلاث سنوات في غزة، وما زال، فضلاً عما شنّه من حرب إجرامية، ضد حزب الله ولبنان وإيران، الأمر الذي جعل جماهير الناخبين العرب يعتبرون الإطاحة بنتنياهو هدفاً أسمى.
على أن الإشكالية الأهم تكمن بالناخب الصهيوني الذي تكشف، مرة أخرى، في هذه الانتخابات، باعتباره مستوطناً عنصرياً من طينة نتنياهو، في سمتها الإبادية الأكثر وحشية، والتي شذّت من بعض الأوجه عن ما عرفته القيادات الصهيونية من عنصرية ووحشية، بما في ذلك حتى نتنياهو، عدا في السنوات الثلاث الأخيرة.
اتّسمت استراتيجية نتنياهو، خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بالذهاب بالإبادة والقتل والتدمير إلى الحدود القصوى، فلم يكن عنده من هدف غير القتل والتدمير، ومواصلة الحرب وفتح الجبهات، حيثما أمكن فتحها، وبلا أهداف سياسية. وقد عُرضت عليه تنازلات في أكثر من قطر عربي، لم يكن يحلم بها، فأبى، مغلباً سياسة إبقاء الجبهة مفتوحة للحرب، كما لو كانت الحرب مقصودة لذاتها، بل وصل إلى حدّ أسباب تخصّه شخصياً، ولبقائه في رئاسة الحكومة، حتى يُبعد عنه خطر المحاكمات بالفساد، أو التقصير الأمني الخطير في طوفان الأقصى.
كان من نتائج هذه الاستراتيجية الفشل في أغلب ما طرحته من أهداف، والأهم ما حدث من تغيير في الرأي العام العالمي، وحتى في الدول، مما حوّل الكيان الصهيوني ليصبح منبوذاً مرذولاً، وكذلك هزّ نفوذ اللوبيات الصهيونية، بصراع مضاد واسع، خصوصاً في أمريكا نفسها، وفي أوروبا. وقد وصل الأمر إلى أن يُنبذ الجواز الصهيوني في الفنادق والمطاعم في الغرب.
كان يُفترض بالناخب الصهيوني، أمام كل هذا، أن يُسقط نتنياهو، أبشع إسقاط، لا أن يعطيه ما أعطاه في هذه الانتخابات، الأمر الذي يكشف عن أن الناخب الصهيوني خارج عن الإجماع البشري، في الموقف من حقوق الإنسان والقِيَم الإنسانية، حتى في حدودها الدنيا، وإلّا كيف يحاول إعادة انتخاب نتنياهو!
وبالمناسبة، يجب التوقع من نتنياهو وحلفائه، في زمن ترامب، النزول الى الشوارع، والدخول في صدامات، في حالة تمكن آيزنكوت، بالطرق القانونية، من تجاوز العقبات التي تحول دون تشكيله الحكومة. إن التناقض العميق بين اليمين الديني الذي يتزعمه نتنياهو، واليمين العلماني التوراتي الذي يمثله تكتل آيزنكوت مرشح للانفجار، وذلك لأن تكتل نتنياهو لن يقبل بعودة النظام العلماني الصهيوني، اليميني المتطرف، الذي بنى الكيان الصهيوني.