لا تنتهي أزمات قطاع غزة، منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية في السابع من أكتوبر 2023، فما أن يخرج من أزمة بصعوبة حتى يدخل في أخرى أصعب وأشد، آخرها أزمة زيوت المحركات التي من شأنها أن توقف عمل المعابر ونقل البضائع والمساعدات.
ويواجه قطاع غزة أزمة خانقة وغير مسبوقة في شُح ونفاد زيوت المحركات ومواد التشحيم جراء استمرار حظر إدخالها من قبل الاحتلال الإسرائيلي، حيث تسببت القيود والحصار الإسرائيلي المستمر في أزمة حادة لنفاد زيوت المحركات في قطاع غزة، مما هدد بتوقف المنظومة الصحية ومحطات المياه وقطاعات النقل والمواصلات.
وقد لوَح رئيس جمعية النقل الخاص في قطاع غزة، ناهض شحيبر، بقرب توقف العمل على معابر قطاع غزة، بسبب نقص زيوت المحركات، لافتاً إلى توقف المنشآت الصناعية ووسائل النقل الداخلية جراء أزمة زيوت المحركات.
ويؤثر نقص زيت المحركات على قطاع النقل بشكل عام، خاصةً العمل الإغاثي، حيث أدى الشح الحاد إلى تعطل العديد من مركبات الإسعاف والدفاع المدني ووسائل النقل الداخلية، واضطر العاملون إلى تفكيك المركبات المعطلة للحصول على قطع الغيار أو تدوير ما تبقى من زيوت.
ولا تتوقف الأزمة عند المساعدات والبضائع، فالمستشفيات والقطاع الصحي مهدد بالتوقف جراء نفاد الزيوت اللازمة لتشغيل المولدات الكهربائية في المستشفيات، الأمر الذي دعا وزارة الصحة للتحذير من انهيار وشيك يهدد أقسام العناية المركزة وحضانات الأطفال وخدمات غسيل الكلى.
أما بشأن محطات المياه والبلديات، فتواجه محطات تحلية المياه خطراً كبيراً بالتوقف الكلي أو تراجع الإنتاج بنسب تصل إلى 40% بسبب عدم توفر زيوت المحركات وقطع الغيار اللازمة لصيانة وتشغيل المولدات.
وعن أسباب الأزمة والارتفاع الجنوني للأسعار، فيواصل الاحتلال الإسرائيلي، منع إدخال الزيوت ومواد التشحيم وقطع الغيار بدعوى أنها مواد "ثنائية الاستخدام".
فيما ترتفع أسعارها بشكل كبير، فقفز سعر لتر زيت المحركات في الأسواق بشكل جنوني ليصل إلى مئات الدولارات (متراوحاً بين 700 و800 شيكل أو ما يعادل أكثر من 200 دولار للتر الواحد مقارنة بأسعاره الزهيدة سابقاً) نتيجة الشح الشديد.
وقد استنفدت الطواقم الفنية كافة عمليات التوليف الهندسي العكسي وتدوير كميات الزيت الضئيلة المتبقية، وباتت المحركات مهددة بعجز ميكانيكي كامل وتلف تام.
ووفق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، فإن "إسرائيل" تواصل منع دخول مواد أساسية من بينها الزيوت، ومواد التشحيم، وقطع الغيار الضرورية، والبطاريات اللازمة لتشغيل محركات المولدات الكهربائية والمركبات والآليات المدنية.
وقد أدى هذا الحظر الممنهج إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية الكارثية، حيث تدهورت الخدمات الأساسية التي تعتمد كلياً على المولدات الكهربائية مثل تشغيل آبار المياه وضخها ومحطات التحلية ومعالجة مياه الصرف الصحي وجمع النفايات.
كما طال التدهور تشغيل الأجهزة الطبية المنقذة للحياة وحفظ الأدوية واللقاحات، وخدمات النقل والمواصلات، والانترنت والاتصالات.
وعلاوة على ذلك، حدت هذه القيود من قدرة مراكز الإيواء على توفير الحد الأدنى من الخدمات للنازحين، مما يشكل تهديداً مباشراً لحياة أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع، ويقوض قدرتهم على البقاء في ظروف إنسانية بالغة القسوة.
وعند النظر إلى منع دخول زيوت المحركات ضمن سياق أوسع من السياسات الرامية إلى حرمان السكان المدنيين من مقومات الحياة الأساسية، فإن ذلك يعزز الاستنتاج القانوني الذي خلص إليه المركز الفلسطيني لحقوق الانسان من انطباق الفقرة (ج) من المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، والتي تجرم إخضاع الجماعة عمداً لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً، على ما يتعرض له سكان قطاع غزة.
كما يتسق هذا الحظر، الذي يفتقر إلى مبرر أمني مشروع، مع التصريحات العلنية الصادرة عن وزير الحرب الإسرائيلي السابق يوآف غالانت بتاريخ 9 أكتوبر 2023، عندما أعلن فرض حصار كامل على قطاع غزة، قائلاً: “لن تكون هناك كهرباء، ولا غذاء، ولا وقود”1 . ويُظهر استمرار حظر المواد الضرورية لتشغيل المولدات الكهربائية والمركبات أن القيود المفروضة تتجاوز أي ضرورة عسكرية مزعومة، وتهدف فقط إلى تعميق الأزمة الإنسانية وجعل حياة السكان في القطاع مستحيلة.
ووفقاً لمتابعات المركز، فقد تسبب النقص الحاد في زيوت المحركات في ارتفاع أسعارها بشكل كبير جداً، إذ وصل سعر اللتر الواحد إلى نحو 2000 شيكل (ما يعادل 700 دولار أمريكي)2 ، وهو ارتفاع خيالي لا يتناسب مطلقاً مع القدرة الشرائية للمواطنين، في حين يتراوح السعر الطبيعي للتر عالمياً وفي الأسواق المجاورة بين 4 إلى 15 دولاراً أمريكياً فقط (أي ما يعادل تقريباً 12 إلى 45 شيكلاً للتر الواحد).
وقد دفع هذا الارتفاع أصحاب المولدات الكهربائية والسائقين إلى البحث عن بدائل خطيرة وغير آمنة، إذ اضطر بعضهم إلى استخدام زيوت محروقة أو زيوت مستعملة منذ سنوات بعد إعادة تصفيتها بطرق بدائية، في محاولة لإبقاء المحركات تعمل ولو بشكل مؤقت.
ورغم الخطورة الشديدة لهذه الممارسة على المحركات وتسببها في أعطال دائمة، إلا أنها أصبحت خياراً قسرياً في ظل غياب البدائل وانعدام القدرة المادية.