أقام آل سعود مملكتهم في الجزيرة العربية بالسيف والدم جنباً إلى جنب مع استجداء الحماية من قوى الاستعمار العالمي، وكأنّها مسرحية من الكوميديا السوداء التي بدأت فصولها عام 1932 بمقايضة الحماية البريطانية بالاعتراف بالمملكة السعودية، ومع تربّع الولايات المتحدة الأميركية على عرش الاستكبار العالمي وقيادة المشروع الاستعماري الغربي استبدلت الحماية البريطانية بالحماية الأميركية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، التي تُوّجت بانتشار القواعد العسكرية الأميركية على امتداد الجغرافيا الخليجية بعد حرب الخليج عام 1990.
لتستمرّ المسرحية حتى استجداء النظام السعودي للحماية التركية والباكستانية تحت غطاء (حلف مكة) هذا العام، وآخر فصولها استجداء الحماية المصرية تحت غطاء إعادة إنتاج أكذوبة (الأمن القومي العربي) الذي تُحدّد بوصلته بـ (الريموت كونترول الصهيو أميركي)، فدمج آل سعود بين استجداء الحماية الدولية واستجداء الحماية الإقليمية - وربما الإسرائيلية في فصول مُتتابعة من الكوميديا السوداء.
الكوميديا السوداء في الفن يُلّخص مضمونها المثل الشعبي (شرُّ البليّة ما يُضحك)، وفيها تتحوّل المواقف الجادّة المُحزنة إلى مواقف هزلية مُضحكة، وتختلط فيها المأساة بالملهاة، وتُبدع فيها: مفارقات مُضحكة، وتناقضات ساخرة، ومقابلات عجيبة... فتكون السخرية والنكتة والضحك بمثابة علاج سحري لحالة الحزن والغضب والإحباط، ومخرج سريع لوضع العجز والشلل والهزيمة...
والنظام السعودي نقل ذلك من مجال الفنّ إلى مجال السياسة، ولكن بنسخة أكثر هزلية وأعمق عبثية وأشدّ سوداوية، فوضع نفسه وبلاده بطلاً لمسرحية (استجداء الحماية) الدولية والإقليمية من تأليف وإخراج الاستعمار الصهيو أميركي، بمشاركة جوقة من المهرّجين العرب والمسلمين، لمواجهة (التهديد اليمني) للمملكة، في مسرحية سياسية مليئة بالمفارقات والتناقضات والمقابلات التي تؤكّد انتماء المسرحية السياسية لنوع الكوميديا السوداء.
من هذه المفارقات والتناقضات أنّ الحماية تُطلب من الدول التي تقع ضحية لحرب عدوانية تُهدّد فيها أرضها وشعبها ومصالحها، وتُنتهك فيها سيادتها واستقلالها ووحدتها، ولا تُطلب من الدول التي بادرت وبدأت الحرب العدوانية على جيرانها كما فعل ولا يزال النظام السعودي ضدّ اليمن الحُرّ المُقاوم، خاصة وأنّ النظام الحاكم يستطيع أنْ يوقف الحرب ويُنهي العدوان في أيّ وقت ليتخلّص من (التهديد اليمني)، ويستطيع أنْ يرفع يده عن اليمن ليترك لليمنيين حرية الحوار السياسي للوصول إلى توافق وطني يحفظ لليمن وحدة أرضه وشعبه، واستقلال دولته وإرادته.
ومن هذه المفارقات والتناقضات أنّ الحماية تُطلب من الدول الأضعف في القدرات العسكرية لمواجهة عدوان الدول الأقوى في القدرات العسكرية، وفي حالة العدوان السعودي على اليمن الذي حدث ولا يزال يحدث هو العكس، فالنظام السعودي يمتلك قدرات عسكرية هائلة - مقارنة باليمن - في البر والجو والبحر، وينفق عشرات مليارات الدولارات سنوياً على التسليح والتدريب وغيرهما من المجهود الحربي، ورغم ذلك عجزت ترسانته العسكرية المتفوّقة كمياً ونوعياً عن إخضاع اليمن وقدرته على ردع العدوان في عُقر داره فاستجدى الحماية من البعيد والقريب.
والمفارقة المُحزنة المُضحكة معاً التي ينطبق عليها المثل الشعبي (شرُّ البليّة ما يُضحك) هي أنّ اليمن المقاوم الذي يتسابق حكّام العرب على الاصطفاف إلى جانب النظام السعودي ضدّه، والتموضع في المعسكر الصهيو أميركي المُعادي، هو الدولة العربية الوحيدة التي شاركت كجزء من محور المقاومة في حرب إسناد غزة والشعب الفلسطيني لوقف حرب الإبادة الإسرائيلية وتحمّلت كُلفة قرارها الوطني المستقل بدخولها الحرب ضدّ العدوان الصهيو أميركي، والتمرّد على بيت الطاعة الأميركي، وحظيرة التطبيع الإسرائيلي، من دماء شعبها وقادتها وقوت شعبها وأطفالها.
تلك المفارقات والتناقضات والمقابلات التي أظهرتها مسرحية (استجداء الحماية) السياسية الساخرة كنوع من الكوميديا السوداء التي نقلها آل سعود من الفن إلى السياسة، (الفنتازيا) السياسية، التي سيكتشف النظام السعودي بعد إسدال الستار على فصلها الأخير أنّ الحماية ليست بضاعة تُشحن بالحاويات، وأنّ السيادة ليست سلعة تُشترى بالمليارات، وأنّ الكرامة ليست خدمة تُقايض بالبترودولارات..
وسيُدرك أيضاً أنّ فائض الأموال المُكدّسة تشتري صكوك الخنوع والإذلال لا صكوك النصر والاستقلال، وأنّ فائض الثروات المُتراكمة تشترى اتفاقيات الحماية المُذِلة وتفقد معها الاعتزاز بالكرامة الوطنية.
الخلاصة التي سيصل إليها النظام السعودي - عاجلاً أم آجلاً - أنّ الحماية الخارجية المستوردة بأموال البترودولار والمُغمّسة بالذل والعار.. ليست هي طوق النجاة من بحر الصراع والدماء، وليست هي طريق الخلاص من مستنقع الحرب والاستنزاف، وليست هي المحطة الأخيرة لتسوّل الحلفاء والتعلّق بحبال الأعداء...
وأنّ طوق النجاة الحقيقي هو وقف الحرب وإنهاء العدوان على اليمن وداخلها، وأنّ طريق الخلاص الفعلي هو وقف الصراع وإنهاء الفتنة بين الأمة وداخلها، للوصول إلى المحطة الأخيرة لقطار الحماية المبنية على أساس متين من وحدة الأمة العربية والإسلامية، وتكامل قدرات وإمكانيات الأمة الذاتية، وما يجمعُها ويُوحّدها في مجالات الدين والتاريخ والثقافة والمصلحة... لمواجهة عدوّها المشترك ممثّلاً في المشروع الاستعماري الغربي بقيادته (الاستكبار الأميركي) ورأس حربته (الكيان الصهيوني).