اتخذت لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "أيباك"، وهي جماعة ضغط مؤيّدة لـ "إسرائيل" في الولايات المتحدة، قراراً بوقف التأييد الرسمي للمرشّحين السياسيين ووقف تحويل التبرّعات المباشرة عبر لجنة العمل السياسي التابعة لها، وذلك على خلفيّة تصاعد الانتقادات الموجّهة إليها بسبب دعمها سياسيين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري. كما أعلنت المنظّمة أنها ستتوقّف عن تحويل التبرّعات المخصصة للمرشّحين عبر منصتها، وستركّز على زيادة التبرّعات المباشرة من أعضائها للسياسيين الداعمين للعلاقات الأميركية الإسرائيلية.
في أواخر عام 2021، قامت "أيباك" بتفعيل وتشكيل لجان عمل سياسي خاصة بها، أو "مشروع الديمقراطية المتحدة"، لتوجيه الدعم المالي للمرشّحين في الانتخابات الأميركية، وضخّت عشرات الملايين من الدولارات في مختلف الحملات الانتخابية، بما في ذلك دعم المرشّحين المؤيّدين لـ "إسرائيل"، ومواجهة المرشّحين المنتقدين لها، أو ما سمّته "إخضاع المرشّحين المناهضين لإسرائيل". هذا الإنفاق الهائل جعل من "أيباك" هدفاً للسياسيين الذين يقولون إنّ للأفراد الأثرياء وجماعات المصالح نفوذاً مُفرطاً على النظام الانتخابي الأميركي.
والأهمّ، أنّ التبرّعات الهائلة التي تقدّمها اللجنة تحوّلت إلى أداة سياسية للمنظّمات المناهضة لـ "إسرائيل" والمحسوبين عليها، بحيث باتت "أيباك" وما تقدّمه من دعم، عبئاً على بعض المرشّحين، ما دفع بعضهم لرفضها بمبادرة منه، كما فعل "مايك روجر" المرشّح الجمهوري لمجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ميشيغان، والذي طلب من لجنة "أيباك"، الامتناع عن دعمه علناً خشية تعزيز موقف منافسه المؤيّد للفلسطينيين.
الأمر ذاته فعله السيناتور كوري بوكر من نيوجيرسي، حيث رفض قبول التبرّعات من أيّ لجنة عمل سياسي، ومن "أيباك" تحديداً، تجنّباً لأيّ ضرر انتخابي. وفي العديد من الحملات الانتخابية في جميع أنحاء الولايات المتحدة، تحوّل دعم المنظّمة من مصدر قوة إلى نقطة ضعف، حيث استخدم الخصوم السياسيون العلاقة مع "أيباك" كأداة رئيسية للهجوم على المُرشّحين.
هذا التحوّل الدراماتيكي، الذي جاء، "عقب تقييم داخلي ومراجعة استراتيجية" استمرت عدة أشهر، لا يعكس انحساراً في حجم موارد "أيباك" أو تراجعاً عن الأهداف السياسية التي تتبنّاها، بل يمثّل إعادة تموضع استراتيجي أملته طبيعة التحوّلات المتسارعة في الشارع الأميركي وتصاعد الضغوط المؤيّدة للحقّ الفلسطيني.
ويعود هذا التبدّل في تكتيكات اللوبي الإسرائيلي إلى حالة الاستقطاب الشديد والضغوط غير المسبوقة التي فرضتها المجموعات والنشطاء المناهضون للاحتلال الإسرائيلي والمؤيّدون لفلسطين في الولايات المتحدة. ففي السنوات الأخيرة، تحوّل اسم "أيباك" ورصيد تأييدها العلني إلى ما يشبه "الوصمة السيئة" التي استغلّها التيار التقدّمي والجناح الراديكالي لمهاجمة المرشّحين والدعوة إلى مقاطعتهم.
كما أنّ هذا الإجراء يعكس عمق الأزمة التي تواجهها "أيباك"، بما دفعها إلى تبنّي استراتيجية تضليلية، أعادت بموجبها هيكلة أدوات نفوذها الانتخابي داخل الولايات المتحدة بهدف التمويه على حجم تدخّلاتها وتفادي الرفض المتزايد لهذا التدخّل، وحماية المرشّحين الموالين لها من الهجمات الانتخابية، وتمرير التمويلات الضخمة عبر قنوات غير مباشرة تضمن استمرار الامتداد السياسي داخل واشنطن خارج إطار الشفافية الرقابية.
بمعنى آخر، تحييد الانتقادات العامّة لتكلفة دعم "أيباك"، بعد أن أصبح سلاحاً في أيدي التقدّميين، مع الإبقاء على تدفّق الأموال والذراع الإعلانية الضخمة للمنظّمة بعيداً عن أضواء الصدام المباشر، بعد عقود من التمويل المُعلن والتدخّل المباشر في المنافسات الانتخابية.
هذا التحوّل في صورة "أيباك"، من اعتبار تدخّلها ودعمها من أكثر العوامل حسماً في طريق الفوز في الانتخابات لمرشّحي الكونغرس ومجلس الشيوخ، إلى اعتباره وصمة سيئة قد تقود إلى الخسارة، سببه تغيّر الواقع السياسي في الولايات المتحدة بشكل جذري، وفق تقرير لصحيفة فايننشال تايمز، نُشر في آب/أغسطس الماضي.
فقد تراجعت مكانة "أيباك" بشكل حادّ خلال العام الماضي، وسط جدل واسع داخل الحزب الديمقراطي حول موقفها من "إسرائيل". كما شنّ عدد متزايد من المرشّحين هجمات على هذه اللجنة، وجعلوها جزءاً أساسياً من حملاتهم ضدّ "إسرائيل"، مستخدمين شعار "الأموال اليهودية" التي تهدف إلى التأثير على السياسة الأميركية في إطار الحملات الانتخابية.
وقد أشار تقرير "فايننشل تايمز"، إلى أنّ "أيباك" جمعت أكثر من 47 مليون دولار في الدورة الانتخابية الحالية، بينما بلغت موارد لجنة العمل السياسي، التابعة لها، نحو 80.3 مليون دولار حتى نهاية حزيران/يونيو الفائت.
ولا يُخفي بعض منتقدي اللجنة من اليسار الأميركي، أنها تُقدّم دعماً شبه مطلق لسياسات الحكومات الإسرائيلية، ولا سيما تلك التي تروّج لها حكومة بنيامين نتنياهو، وتتخذ إجراءات ضدّ المرشّحين الديمقراطيين الذين ينتقدون "إسرائيل". حيث جمّدت اللجنة، في وقت سابق من هذا العام، جمع التبرّعات لـ 18 عضواً ديمقراطياً في مجلس النواب بعد تصويتهم على خفض المساعدات الأميركية لـ "إسرائيل".
وبالتوازي، بدأ بعض أنصار اليمين السياسي ممن ينتمون إلى معسكر "أميركا أولاً" بمهاجمة اللجنة عقب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والتي قال المنتقدون، أنها أتت نتيجة ضغوط مارستها "إسرائيل" ولجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "أيباك" على الرئيس الأميركي خدمة للاعتبارات الإسرائيلية. في الوقت نفسه، بدأت منظّمات احتجاجية ونشطاء مناهضون لـ "إسرائيل"، مثل مجموعة "تراك أيباك"، بتصنيف المتبرّعين اليهود والمؤيّدين لـ "إسرائيل" من القطاع الخاصّ، وتعريف تبرّعاتهم بأنها أموال تابعة لـ "أيباك".
مع ذلك، لا يعني هذا التحوّل أو التراجع الظاهري لـ"أيباك" عن الواجهة وإلغاء الآلية المباشرة لتأييد المرشّحين، التخلّي عن الساحة السياسية. فقد أوضحت اللجنة أنها ستواصل دعم المرشّحين من خلال وسائل أخرى، ولا سيما عبر لجنة العمل السياسي التابعة لها "سوبر باك" والتي تعمل ككيان مستقل، وبالتالي فهي مخوّلة بجمع وإنفاق مبالغ غير محدودة من الشركات والمؤسسات والأفراد، سواء لدعم السياسيين أو معارضتهم. خاصة وأنّ القوانين الفدرالية تسمح لها بضخّ مبالغ مالية غير محدود في الحملات الإعلانية التلفزيونية والرقمية لدعم المرشّحين المؤيّدين لـ "إسرائيل" أو مهاجمة خصومهم وإسقاطهم، شريطة عدم وجود تنسيق رسمي مباشر مع حملات المرشّحين.
ويبدو أنّ كسب المعركة من أجل "مستقبل التحالف الأميركي الإسرائيلي" يتطلّب بناء منظومة عمل سياسي أكثر استراتيجية ومرونة وفاعلية، بعيداً عن التأييد العلني، عبر استحداث أدوات جديدة تُمكّن الحلفاء المؤيّدين لـ "إسرائيل" من الفوز في بيئة سياسية تتزايد تعقيداً ورفضاً للانقياد للمال والإملاءات الإسرائيلية.