بعد أيام تجرى الانتخابات الإسرائيلية في السابع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، والتي توصف في "إسرائيل" بالأهمّ منذ نشأتها؛ فالمنطقة في حالة حرب و"إسرائيل" أحد الفواعل الرئيسية فيها، كما أنّ المواجهة الجارية مرشّحة للتصاعد وغير معلوم تطوّراتها وانعكاساتها ومآلاتها.
محدّدات الانتخابات الإسرائيلية
ما زالت تداعيات الهجوم الفلسطيني المباغت في السابع من تشرين الأول/أكتوبر عام 2022، تؤثّر على الناخب الإسرائيلي وتثير الجدل والاستقطاب الداخليين حول مسؤولية الإخفاق الكبير، وما بات يعرف بإرث السابع من أكتوبر، وفي الوقت الذي يسعى فيه نتنياهو الذي يوصف إسرائيلياً بالساحر، لاستخدام كلّ أوراقه داخلياً وخارجياً بهدف الفوز، تسعى المعارضة لتنظيم صفوفها وتحييد خلافاتها بهدف يحظى بالإجماع وهو إسقاط نتنياهو .
في الوقت نفسه يبدو المشهد الداخلي الإسرائيلي أشدّ انقساماً وأكثر استقطاباً مما كان عليه قبيل الحرب المفتوحة على مختلف الجبهات منذ ثلاث سنوات، الأمر الذي تبرزه استطلاعات الرأي العامّ التي لا تمنح كتلتي الائتلاف والمعارضة القدرة على حسم نتائج الانتخابات لصالحها.
فالانتخابات تجري وسط ثلاثة مؤثّرات :
- إرث المرحلة السابقة من انقسام عميق داخل المجتمع، أعقبه أكبر إخفاق في التاريخ الإسرائيلي "طوفان الأقصى" وتوابعه.
- هواجس الحاضر؛ فجبهات المواجهة لا تزال مفتوحة وقد تتصاعد في أية لحظة وبشكل دراماتيكي قبل أو بعد الانتخابات .
- مخاوف المستقبل، وانعدام اليقين لليوم التالي للانتخابات وتداعيات غياب الحسم الانتخابي على المستويين الداخلي والخارجي.
الانتخابات وإرث الماضي
على الرغم من النجاح النسبي لبنيامين نتنياهو من إشغال الرأي العامّ الإسرائيلي في قضايا الأمن ورفع مستوى التهديدات إلى أعلى درجة في سُلّم الأولويات التي تثير مخاوف المجتمع الإسرائيلي، ما يسهم في تعزيز فرص كتلة نتنياهو من جهة، كما يسهم في تراجع أهمية الحديث عن إخفاق "السابع من أكتوبر" من جهة أخرى، بيد أنّ هذا السلوك لن ينجح في تحييد قضية بهذا الحجم؛ فالمجتمع الإسرائيلي لا يزال يعاني من الصدمة وتبعاتها، سيما أنه لم تشكّل لجنة تحقيق رسمية، ولم يكتفِ نتنياهو برفضه تحمّل المسؤولية ولو جزئياً عن الإخفاق الكبير، بل بنى سردية تتهم جهات أمنية وسياسية بالخيانة، وبات أنصاره وأدواته الإعلامية تروّج لهذه السردية، وفي المقابل تسعى المعارضة لإبقاء قضية "السابع من أكتوبر" حاضرة بقوة لدى الناخبين.
العنوان الآخر من إرث الماضي المؤثّر على الرأي العامّ، ما يتصل بالأحداث الداخلية التي جرت في العام الأول من حكم نتنياهو، على خلفيّة التغييرات القضائية والقانونية، والتي كشفت عمق الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي، وتوقّفت مؤقتاً بسبب الحرب، بيد أنّ حالة الانقسام شهدت مستويات أعلى مما كانت عليه قبل الحرب، بفعل تداعيات الأخيرة وسلوك نتنياهو والائتلاف الحاكم تجاه المؤسسة القضائية وجهات داخل المؤسستين العسكرية والأمنية، إضافة إلى تبنّي وسائل الإعلام أنماط الكراهية والتخوين ونظريات المؤامرة في الخطاب العامّ، ولا سيما وسائل الإعلام الداعمة لنتنياهو وحلفائه.
بمعنى أنّ المجتمع الإسرائيلي ما زال يستحضر صور التظاهرات العارمة التي غطّت شوارع "تل أبيب" وغيرها، والتي لم تكن احتجاجات مطلبية، بل كانت تعبيراً عن احتجاج هوياتي، عَكَس الصراع القديم الجديد على طبيعة المجتمع وهويّته؛ فكيف سينعكس وعي الناخبين وذاكرتهم حول الطوفان والحروب والانقسام الهوياتي العميق عند الإدلاء بأصواتهم في صناديق الاقتراع؟
فكلّ ناخب يحمّل أحد الطرفين (الائتلاف أو المعارضة) مسؤولية أكبر عن الإرث السلبي الذي حملته السنوات الأربع الأخيرة.
الانتخابات وهواجس الحاضر
إنّ نجاح نتنياهو النسبي في التحكّم في الأجندة التي تشغل الرأي العامّ لتكون أكثر ملائمة له وتراجع أحداث "إخفاق السابع من أكتوبر" عن صدارة المؤثّرات على خيارات الناخبين، لا تعني نجاحه في محو أثرها على الوعي الإسرائيلي، أو إزالة الهواجس الراهنة للناخبين؛ فقد رسّخت الأحداث المتلاحقة القناعة لدى الجمهور أنّ مسألة التهديد الوجودي لم تعد مجرّد تحذيرات للمستقبل القريب أو البعيد، بل هي ماثلة في المدى المنظور، وتعكس هواجس اللحظة الراهنة، ما يفسّر تفضيل شريحة نخبوية من الفئات النشطة والمنتجة الهجرة الدائمة والرحيل بلا عودة، وهي تتزايد كمّاً ونوعاً.
هذا المؤثّر الدفين في الوعي، ينعكس على توجّهات الناخبين في اتجاهين متعارضين، ولكنهما يتفقان على هدف واحد وهو التخلّص من هواجس الحاضر، ويختلفان على الإجابة عن سؤال من القادر على تحقيق هذا الهدف ؟ المعارضة أم الائتلاف؟
الاتجاه الأول يدعم الائتلاف ويصدّق كلّ ما يقوله نتنياهو، والثاني يعتقد أنّ سياسات نتنياهو ستزيد الهواجس لأنّ من مصلحة نتنياهو سيطرة الخوف على الحيّز العامّ الإسرائيلي لأنه يخدم أجندته الشخصية. بينما يتصارع الطرفان على إقناع شريحة الناخبين المتردّدين بقدرة كلّ طرف على إزالة الهواجس.
لكلّ طرف روايته المفضّلة؛ فنتنياهو يبرز ما يسمّيه "الإنجازات العسكرية"، والمعارضة ترجع "الإنجازات" إلى المؤسسة العسكرية وتحمّل الإخفاق الاستراتيجي لنتنياهو، بسبب حاجته الشخصية لتأبيد الحرب، والنتيجة التي تكشفها الاستطلاعات تظهر قدرة كلّ طرف على إقناع شريحته الضيّقة، الأمر الذي سيعقّد المشهد الانتخابي بسبب الفشل المتوقّع في الفوز بالأغلبية المطلقة.
الانتخابات ومخاوف المستقبل
قبل معركة طوفان الأقصى ظنّ نتنياهو ومعه قطاع واسع من المجتمع الإسرائيلي أنّ القضية الفلسطينية أزيحت إلى هامش السياسة الإقليمية والدولية، وبنى سردية صنع شرق أوسط جديد وتطبيع للعلاقات مع المحيط العربي والإسلامي عابراً للقضية الفلسطينية ومتجاوزاً لها، بيد أنّ الطوفان أسقط السردية الإسرائيلية، وتحوّلت تلك القضية الفاعل الرئيسي المؤثّر على العقل الإسرائيلي، الأمر الذي انعكس على تبنّي مواقف أكثر تطرّفاً تجاه "التهديد الفلسطيني" .
ويعود ذلك لأسباب مختلفة، منها عامل الخوف من المستقبل، والفشل الدائم في ثني الشعب الفلسطيني عن التمسّك بأرضه وحقوقه، وقدرته المثيرة للإعجاب والدهشة في الصمود أمام فائض القوة الهائل الذي تتمتع به "دولتهم"، إلى جانب اعتقادهم بأنّ المقاومة التي استطاعت أن تخدع القوة الأولى في الشرق الأوسط ستكون قادرة على الخداع في المستقبل، الأمر الذي يفسّر تأييد غالبية الجمهور الإسرائيلي تهجير الفلسطينيين بالقوة، ودعمهم حرب الإبادة.
لذا؛ تبنّت الأحزاب كافة من الائتلاف والمعارضة عدم دعم إقامة دولة فلسطينية، بيد أنّ ما لا تصرّح به الأحزاب الإسرائيلية لجمهورها، بأنّ المتغيّرات الإقليمية والدولية ستجبر حكومتهم على التعامل السياسي مع هذه القضية، في ضوء ما تعانيه "إسرائيل" من عزلة غير مسبوقة وتراجع مستوى تحالفها التاريخي مع الغرب، وفي ضوء حالة اللاستقرار وانعدام اليقين للمنطقة برمّتها ومصيرها ومستقبل المواجهة الجارية، الأمر الذي سيدفع أيّ حكومة مقبلة بصرف النظر عن توجّهاتها إلى مراعاة البيئة الدولية، بعيداً عن المحدّدات الأيديولوجية التي أثّرت على صناعة القرار للحكومة الحالية.
كما أنّ أكثر ما يثير مخاوف الناخبين، ما يتصل باليوم التالي للانتخابات، والخشية من تداعيات غياب الحسم في ضوء حالة الاستقطاب القائمة؛ ففي أغلب استطلاعات الرأي العامّ يعبّر القطاع الأوسع من الجمهور عن خشيته من انقسام الشارع الإسرائيلي واعتباره من أخطر التهديدات على "إسرائيل"، وهناك خشية كبيرة من عدم التسليم بالنتائج، ولا سيما إذا ما فازت المعارضة، ولجوء أنصار نتنياهو وحلفائه المتشدّدين والأيديولوجيين للتظاهر العنيف في الشارع، الأمر الذي سيختلف عن تظاهرات المعارضة العلمانية واليسارية الأكثر التزاماً بالتظاهر السلمي.
سيناريو آخر لا يقلّ خطورة على المشهد الإسرائيلي الداخلي، وحتى لو لم تفز المعارضة، فهي تعتزم اتخاذ خطوة استباقية عبر انتخاب رئيس جديد لـ "الكنيست" وسنّ قانون يمنع العضو المتهم بقضايا جنائية من تولّي منصب رئيس الحكومة، وستدعم الأحزاب العربية القانون، ما سيؤدّي لمنع نتنياهو من تولّي رئاسة الوزراء حتى في الفترة الانتقالية، الأمر الذي قد لا يسلّم به نتنياهو وعائلته وأنصاره وأدواتهم الإعلامية؛ فموقع نتنياهو من الصراع الانتخابي موقع رئيسي، وغالباً ما يوصف الصراع الانتخابي بمن مع بيبي نتنياهو ومن ضدّه، أكثر من التنافس بين تيار اليمين وتياري الوسط واليسار .
ما سيتمخّض عنه المشهد الداخلي الإسرائيلي في اليوم التالي للانتخابات سيكشف ماهية اختيار الناخبين؛ التي قد تنقل "إسرائيل" من مرحلة الاستقرار الداخلي الهشّ إلى مرحلة أخرى من مستويات متفاوتة من الفوضى.