شريط الأخبار

أربع فئات فتحاوية.. مهيمنة ومتعاونة ومعانية ومخلصة ..نبيل شبيب

08:31 - 09 كانون أول / أغسطس 2009


أربع فئات فتحاوية.. مهيمنة ومتعاونة ومعانية ومخلصة

نبيل شبيب

إن أهمية المرحلة الراهنة في مجرى قضية فلسطين لا تعود إلى مؤتمر منظمة من المنظمات، ولا حتى مصير المنظمات جميعا، مع عدم الاستهانة بأي منها إطلاقا، ولكن هذه النظرة مرفوضة من حيث الأساس لأنها تقلب الرؤيا القويمة رأسا على عقب.. فكل منظمة تأتي وتمضي، أما فلسطين فهي الأصل ومصدر الثوابت، وهي المادة التي تحدد ما تسجله صفحات التاريخ، ومن ذلك الحكم على إنجازات المنظمات والأفراد سلبا وإيجابا.

في الأسابيع والأشهر الأخيرة قبل انعقاد مؤتمر بيت لحم، ساهمت شدة الحرص على فتح، وشدة الألم من الانحراف بها عن طريق القضية، في إثارة قدر كبير من اللغط والصخب والضجيج إلى درجة أوهمت بأن الحديث يدور عن قضية فلسطين نفسها وليس عن فتح، وقضية فلسطين أكبر من فتح وسائر المنظمات والفصائل الأخرى؛ فمؤتمر بيت لحم وحصيلته يمثل لحظة صراع في تاريخ منظمة فتح، ولا يتجاوز هذا الإطار ليوضع في إطار قضية فلسطين الأكبر من المنظمات جميعا، إلا من خلال سؤال آخر: أين ستوضع نتائج المؤتمر؟..

 

طالع أيضا:

ماذا جرى في مؤتمر فتح السادس؟ (حوار حي)

 

 

 

والجواب مرتبط بمضامين تلك النتائج، فإن كانت فاعلة مرئية في خدمة التحرير على أرض الواقع وليس في خطبة افتتاحية أو كلمة حماسية أو شعارات رنانة، كان للمؤتمر قيمة إيجابية تصب في المصلحة الفلسطينية، وإن أصبحت النتائج محضن مزيد من العراقيل في وجه المقاومة والتحرير، ومزيد من الانحرافات باتجاه التسليم والتدجيل، كان للمؤتمر قيمة سلبية تعود بالضرر على فتح أولا، أما تأثيرها على القضية فمهما كان ضخما أو مضخّما سيبقى محدودا بميزان التاريخ، لأن القضية أكبر من فتح ومن سائر المنظمات.

لهذا لا ينبغي أن تكون متابعة المؤتمر في صيغةٍ توهم بأنه مفصلي في تاريخ فلسطين، بل يجب أن تكون -فقط- في صيغة اعتباره مفصليا في تاريخ منظمة فتح الفلسطينية.

 

وقفة هادئة.. رغم الصخب

 

يجب الفصل أيضا بين مسألة أي صراع بين فتح وحماس أو بين المنظمات الفلسطينية، رغم أهميته الكبيرة، وبين النظر في قضية فتح على ضوء عبورها هي لمرحلة تاريخية مرتبطة بها أولا وأخيرا، فليس وجود حماس ومنظمات المقاومة الأخرى مصدر النهج الذي سارت عليه قيادات فتح المتعاقبة من قبل أن تظهر حماس على أرضية المقاومة، بل هو النهج الذي اختارته تلك القيادات لنفسها (منذ سبعينات القرن الميلادي العشرين)، فسارت عليه تدريجيا، بنفسها وبالمنظمة، إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه الآن.. أي لحظة انعقاد مؤتمر بيت لحم.

 

ولأن مقدمات المؤتمر كانت على درجة من السخونة قريبة من الغليان، لابدّ من وقفة هادئة من خارج نطاق المرتبطين بالمنظمة نفسها، ومن خارج نطاق النزاعات الفصائلية معها، أي من خارج نطاق الغضب والغضب المعاكس، كي تتحقق الرؤية من وراء ما يثار من غبار وضباب وصراخ.

 

فتح على أرض الواقع الفلسطيني جزئية متعددة الألوان، وعدم رؤية هذه الألوان المتعددة في مقدمة أسباب انتشار الأحكام التعميمية على فتح، بدءا بتقديسها انتهاء بتخوينها، ولكن فتح (منظمة النضال تاريخيا ومنظمة أوسلو واقعيا) لم تعد منظمة متجانسة، ولا ينبغي الحديث عن فتح وسياساتها وممارساتها -لا سلبا ولا إيجابا- وكأنها لا تضم إلا فريقا واحدا، فليس هذا إطلاقا شأن المنظمات الكبيرة التي تضم عشرات الألوف من الأعضاء، والعديد من التيارات، ناهيك عن قابلية أن يسري على منظمة فتح بظروفها الراهنة على وجه التحديد.

 

وفتح جزء من واقع شامل في المنطقة العربية والإسلامية، فكما أن الحس الشعبي يميز بدقة بين حاكم ومحكوم، وسياسة وتيارات، وسلبيات وإيجابيات، على صعيد أي دولة، فالحس الشعبي يميز ذلك على صعيد فتح أيضا، ومن هنا لا يصح أن يتحدث فريق من فتح عن فريق آخر يسيطر على صناعة القرار فيها، كما لو أنه يتحدث عن المنظمة بمجموعها، ولا أن يتحدث فريق من شعب فلسطين، من تيار آخر ومن منظمات أخرى، ومن خارج التيارات والمنظمات، كما لو أنه يتحدث عن فتح بأكملها.

 

كل موقف من المواقف يتعلق بفتح ومؤتمرها ونتائجه ومستقبلها وموقعها كإحدى مكونات وجود فلسطين وشعبها وقضيتها، يجب أن ينطلق من أن في فتح فئة مسيطرة، وأخرى متعاونة مع المسيطرين، وثالثة تمضي مع هؤلاء وهؤلاء تحت وطأة الواقع المفروض عليها، ورابعة يكاد يصل بها الإخلاص لفلسطين مع إخلاصها لمنظمتها التاريخية في فلسطين إلى درجة الانفجار.

 

الفئة المهيمنة

 

ليست فتح كتلة متجانسة.. ويجب حصر مواصفات الفئة المسيطرة عليها حصرا دقيقا، يتجاوز ما "تنطق" به كلمات أفرادها.

 

وقد كان في كلمة افتتاح مؤتمر بيت لحم مثلا الحديث عن خيار المقاومة.. مقابل واقع ممارسات مصادرة سلاح المقاومة ووصفه بالسلاح غير الشرعي واعتقال من يمارسها واعتباره "خارجا على القانون!" ناهيك عن تعابير صدرت في صيغة مواقف رسمية سياسية وأصبحت تجري مجرى الأمثال كالصواريخ العبثية!..

 

كما كان في كلمة الافتتاح الحديث عن الثوابت.. ولكنها عند المتحدث تعني -رسميا وليس من باب الاتهام- الأرض المحتلة عام 1967 على أبعد حد، وكل حديث يتجاوز ذلك هو عنده -رسميا- حديث أوهام غير واقعية!..

 

وكان فيها الحديث عن الأرض والقدس وحق العودة ومسألة المستوطنات وما إلى ذلك.. ويسري على هذه الكلمات شبيه ما يسري على كلمات المقاومة والثوابت!..

 

إن الفئة المسيطرة على منظمة فتح في الوقت الحاضر، فئة تمارس سياسات تنطوي على:

 

- التخلي عن فلسطين بحدودها التاريخية،

 

- التخلي عن المقاومة المسلحة وسيلة للتحرير الشامل،

 

- التخلي عن أرضية مشتركة مع التيار الفلسطيني المتشبث بفلسطين التاريخية والمقاومة للتحرير الشامل،

 

- الاستعداد للتعامل على أرضية مشتركة مع الاحتلال الاستيطاني والقوى الداعمة له بدرجات متفاوتة دوليا وإقليميا،

 

- الاستعداد للقبول بحلول وسطية -إن لم تكن استسلامية مطلقة- لا تقوم على أسس العدالة والمشروعية،

 

- التشبث بوسيلة المفاوضات وما يتبع لها في التعامل مع عدو يتشبث بوسيلة السلاح وما يتبع لها،

 

- بذل الجهد الأقصى لتجنيد ما يمكن تجنيده من قوى مسلحة فلسطينية لفرض تلك الرؤية على الفلسطيني "الآخر"، والحجة الأساسية من وراء هذا التوجه هو ما يوضع له عنوان "الواقعية"، تزييفا.. فممارسو الواقعية السياسة المعاصرة حقا يغيرون الواقع في اتجاه الأهداف الذاتية وليس في اتجاه التخلي عنها!..

 

وكثير من جوانب التخلي عن فلسطين التاريخية بمنظور تلك الفئة المسيطرة ينطلق من حصر تاريخ القضية في تاريخ أفراد ومنظمات ولا يبالي بمن يتحدث عن القضية باعتبارها قضية أجيال!..

 

هذه الفئة محدودة العدد في الأصل، يوجد مثلها في نطاق أي شعب، وسيطرتها مرتبطة -بسبب سياساتها المتناقضة مع قضية فلسطين ومع منظمة فتح التاريخية- بأنها تجد الدعم الدولي والإقليمي لتفرض رؤيتها على الأكثرية الكبرى من شعب فلسطين، بمختلف الوسائل غير المشروعة، والهدف معروف، وهو: الوصول إلى صيغة ملائمة للزعم أن الذي يستغني عن جزء من أرض فلسطين التاريخية ويوقع اتفاقات تنطوي على ذلك، يمثل شعب فلسطين، وسيان بعد ذلك حجم الزيف الظاهر للعيان في هذه المقولة.

 

الفئة المتعاونة

 

ليست فتح كتلة متجانسة.. ويقتضي هذا التمييز بين الفئة المسيطرة المذكورة وفئة أخرى محدودة الحجم ولكنها أكبر عددا من الأولى، لا يرتبط وجودها مباشرة بدعم قوى دولية وإقليمية، ولكن معظم عناصرها لا يعطون عقديا وتربويا وسلوكيا وزنا يذكر لقضايا الكرامة.. والوطنية.. والعروبة.. والإسلام.. والمبادئ.. والقيم.. وما إلى ذلك مما تعيش به الأمم وتنقرض بتغييبه، ومن نتائج ذلك التبعية لمَن يسيطر، طمعا في المشاركة في السيطرة، أو طمعا في منفعة مادية محضة.

 

هذه الفئة هي التي توضع في مفاصل آليات تنفيذ إرادة الفئة الأولى، في المرتبة الثانية لقيادة تشكيلات مسلحة قمعية (وصفة قمعية هي الصفة الموضوعية ما دامت لا تنشد التحرير بسلاحها بل تستخدمه لمنع من يريد التحرير بقوة السلاح)، وكذلك في المرتبة الثانية في تشغيل أجهزة التمويل والإنفاق، لتسيير الأمور تحت السيطرة المفروضة، أي فيما لا يرقى إلى مستوى منطقة حكم ذاتي ناهيك أن يكتسب مواصفات دولة وإن سمي دولة في يوم من الأيام!..

 

هذه الفئة يمكن أن يتراجع أفرادها بين ليلة وضحاها عن مواقعهم، بل يمكن تجنيدهم بين ليلة وضحاها لتنفيذ إرادة أي جهة أخرى تسيطر على صناعة القرار، فالمهم هو كسب المنافع وليس صنع إنجازات ما سلبا أو إيجابا!..

 

فئة المعاناة

 

فتح منظمة غير متجانسة.. فيها كمنظمات أخرى فئة كبيرة ممن عايش المعاناة تحت وطأة الاحتلال الاستيطاني العدواني وفتكه، وتحت وطأة التخاذل العربي الأخطر مفعولا وحصيلة، وتحت وطأة متطلبات الحياة المعيشية اليومية، وأوصلت المعاناة إلى مرحلة اليأس، وهنا لا يكون التخلي عن جزء من الأرض ولا عن وسيلة المقاومة لتحريرها، تخليا طوعيا، ناهيك عن أن يكون بمفعول الخيانة، بل هو التخلي عن "ممارسة" المقاومة تحت وطأة القهر والمعاناة، وهؤلاء لا يساهمون في عمليات التسليم وقمع المقاومين، بل يمشون دون مقاومة مَن يصنع ذلك، وربما دون اعتراض تحت تأثير الخوف أن يصيبهم ما يصيب سواهم.

 

هذه الفئة الثالثة يمكن أن تتحول إلى طريق التحرير والبذل من جديد، إذا ما رأت بصيص أمل حقيقي، للخروج بنفسها وبمنظمة فتح التي تنتمي إليها عبر المقاومة المسلحة المشروعة من واقع المعاناة القائم عبر عشرات السنين الماضية.

 

الفئة المخلصة لفتح

 

منظمة فتح غير متجانسة.. وسواد أعضائها وكذلك محبوها وأنصارها، لا سيما في فصائل المقاومة المنبثقة عنها، هم من لا يزال عنوان فتح عزيزا غاليا عليهم، إلى درجة خلطت الإخلاص لفتح بالإخلاص لفلسطين الأرض والشعب والقضية -وهنا مكمن الخطورة- فليس سهلا على المرء تصديق ما يراه، أي أن منظمته التي عاش عمره في كنفها، أو نشأ على أمل الوصول من خلالها إلى التحرير، وقد انتهى بها المطاف إلى ما تصنعه الفئة المسيطرة على صناعة القرار فيها، وعلى صناعة  تشكيلاتها التنظيمية، وهي تعبث بمواد ميثاقها ومبادئها وثوابتها، لخدمة ما تراه هي، وليس ما نشأت فتح من أجله في الأصل.

 

إن هذه الفئة بالذات هي التي تجسد منظمة فتح التاريخية، وهي التي تحمل اسمها التاريخي عن جدارة، وهي الوريث الشرعي لنضالها في حقبة العمل الفدائي، وهي التي يمكن أن تصل الضغوط الغوغائية عليها في الوقت الحاضر إلى درجة الحسم ما بين الأمل الصادر عن إخلاصها لفتح، والألم الصادر عن الواقع المفروض عليها، وفي اللحظة التي يقع فيها الحسم انطلاقا من القضية المصيرية الحاضنة لفتح -وليس العكس- يمكن أن تهجر تلك الفئة القالب التنظيمي المنحرف، وتصنع البديل التنظيمي القويم، لتتابع فتح طريقها التاريخي، مع استعادة رايتها، أو استعادة "المضمون" الذي تعنيه تلك الراية وهو الأهم، وهو الأصل، وهو الصادر عن درب التحرير هدفا والمقاومة وسيلة.

 

وبعد..

 

إن عدم التجانس في مكونات فتح يستدعي تجنب تعميم الأحكام عليها، لاسيما من خلال تقويم ما تصنع الفئة المسيطرة، كما يستدعي تجنب رؤية مؤتمر بيت لحم كما لو أنه نهاية التاريخ، ولئن كان من المفروغ منه القول إنه ليس قطعا نهاية تاريخ قضية فلسطين ولا مسيرة التحرير، فمن الضروري القول أيضا إنه لن يكون نهاية تاريخ فتح.

 

إن الانسياق وراء هذه الصورة الخطيرة المستمدة من جانب واحد مسيطر على فتح يقدم دون قصد "هدية" لمن يغتصب تمثيل فتح بدعم أجنبي، مع تصويره انتصارا لنفسها، ولانتحال اسم فتح لتنفيذ ما تريد على حسابها وعلى حساب القضية.. لهذا يجب التمييز الدقيق بين مكونات فتح وبين المواقف إزاءها، انتصارا لتاريخ فتح، ومع تسمية مسيرة الانحراف بها كما هي: مسيرة فئة مسيطرة مدعومة أجنبيا، وليس مسيرة فتح.

 

 

-------

 

كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

 

انشر عبر