ترامب ونتنياهو يدفعان المنطقة نحو حافة الهاوية

الساعة 12:34 م|22 أكتوبر 2026

فلسطين اليوم | حسن نافعة

يبدو أن مصير منطقة الشرق الأوسط بات معلقًا على حدثين انتخابيين يفصل بينهما أسبوع واحد؛ الحدث الأول في "إسرائيل"؛ حيث ستجري انتخابات تشريعية بالغة الأهمية يوم الثلاثاء القادم 27/10/2026.

ولأن معظم استطلاعات الرأي التي أُجريت مؤخرًا تشير إلى أن هذه الانتخابات ستسفر عن نتائج يُرجّح أن تفضي إلى تشكيل حكومة لا يقودها بنيامين نتنياهو، الذي تصدر الحياة السياسية في "إسرائيل" لفترة طالت لأكثر من 20 عامًا، ما يعني طيّ صفحة هذا السياسي المتطرف إلى الأبد؛ فليس من المستبعد أن تشكل نقطة تحوّل في تاريخ "إسرائيل".

أما الحدث الآخر ففي الولايات المتحدة الأميركية؛ حيث ستُجرى انتخابات التجديد النصفي لمقاعد الكونغرس يوم 3 نوفمبر/ تشرين الثاني القادم. ولأن معظم استطلاعات الرأي التي أُجريت مؤخرًا تشير إلى أن هذه الانتخابات ستسفر عن نتائج يُرجّح أن تفضي إلى خسارة الحزب الجمهوري أغلبيته، ليس في مجلس النواب فحسب، بل في مجلس الشيوخ أيضًا؛ فليس من المستبعد أبداً أن يتحوّل دونالد ترامب إلى «بطة عرجاء» خلال السنتين المتبقيتين له من فترة ولايته الثانية، ما قد يؤدي إلى شلّ قدرته على المبادرة والفعل، خصوصًا في كل ما يتصل بالسياسة الخارجية.

لهذين الحدثين صلة وثيقة بكل ما يجري من تفاعلات في منطقة الشرق الأوسط، خصوصًا ما يتعلق منها بالحرب الإسرائيلية- الأميركية على إيران. فقد اندلعت هذه الحرب منذ أكثر من عام، لكنها لم تُحسم بعد، ما يعني أنها ما تزال مشتعلة، وأن استئناف القتال بين أطرافها في أي لحظة ليس بالأمر المستبعد.

فالتصريحات التي أدلى بها نتنياهو في الآونة الأخيرة تشير بوضوح إلى أن الإطاحة بالنظام الإيراني كانت وما تزال هي الهدف الرئيسي لهذه الحرب، وأنه سيواصل سعيه لتحقيقه مهما كانت الصعاب، حتى لو اضطر إلى خوض جولة القتال القادمة وحيدًا من دون مشاركة الولايات المتحدة. ولأن تصريحات ترامب لم تخرج عن هذا التوجه قيد أنملة؛ فليس من المستبعد أبداً أن تصبح جولة القتال القادمة ضد إيران جولةً أميركية- إسرائيلية مشتركة، مثلما كانت الجولات السابقة. فرغم الحرص الشديد من جانب ترامب على استمرار المفاوضات غير المباشرة مع إيران، فإنه لم يشر مطلقاً إلى أنه بات مستعدًا للقبول بحلّ وسط —وهو الهدف الطبيعي لأي مفاوضات— وبالتالي ما يزال يصر على ضرورة استسلام إيران.

تربط بين ترامب ونتنياهو علاقة شخصية عميقة لم تعد تخفى على أحد. ومع ذلك، فوجئ كثيرون بتصريح أدلى به ترامب منذ أيام قليلة، عبّر فيه علنًا عن انحيازه لنتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية القادمة، وعن أمله في أن تسفر عن تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة بقيادته؛ خصوصًا أنه لم يسبق لأي رئيس أميركي آخر أن أقدم على مثل هذا التصرف الذي يفتقر إلى الكياسة على الصعيدين الدبلوماسي والسياسي؛ ربما لاعتقادهم أن العلاقة بين الرجلين تدهورت كثيرًا منذ جولة الحرب الأخيرة مع إيران، والتي أكد نتنياهو أنها ستكون قصيرة وستنتهي حتمًا بالإطاحة بالنظام الإيراني.

 غير أن قيام ترامب بالربط في هذا التصريح بين رغبته في فوز نتنياهو وما أظهره الأخير من شجاعة في اتخاذ قرار الحرب على إيران، وتأكيده أن غياب الأخير عن الساحة «سوف يضطره إلى إكمال المهمة بمفرده، وهو ما لا يحبّذه»، كشف عن حقيقة هامة مفادها أن قرار استئناف الحرب على إيران ربما يكون قد اتُّخذ بالفعل، وربما يكون قد أراد التأكيد في الوقت نفسه على أنها حربه هو وليست حرب نتنياهو، لكنه يفضّل وجود نتنياهو على رأس الحكومة الإسرائيلية القادمة «لإكمال المهمة التي بدأها معًا". وبصرف النظر عن مدى صحة هذا الاستنتاج من عدمه، فلا شك أن شواهد كثيرة تدل على استحالة التوصل إلى تسوية سياسية مقبولة للطرفين في ظل الظروف الراهنة؛ لأن أي تسوية سياسية في مثل هذه الظروف ستكون بالضرورة لصالح إيران.

لم يكفّ ترامب، خصوصًا في الآونة الأخيرة، عن ترديد عبارة: "لن أسمح لإيران مطلقًا بامتلاك سلاح نووي»، التي تهدف إلى إخفاء نواياه الحقيقية. فلو كان ذلك هو هدفه الحقيقي لأمكن التوصل إليه بالفعل من دون اللجوء إلى الحرب؛ فإيران طرف في اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية، التي تتيح للوكالة الدولية للطاقة الذرية إرسال مفتشين وخبراء لمراقبة مستمرة ومنتظمة لمنشآتها النووية كافة، ما يضمن التأكد من سلمية برنامجها النووي.

ولو تتبعنا بدقة تصريحات المسؤولين الإيرانيين في مناسبات مختلفة لأمكن التوصل بسهولة إلى أن إيران لا تمانع في اتخاذ كافة الإجراءات التي قد تُطلب منها للتأكد من سلمية برنامجها النووي، شريطة الالتزام بالضوابط المحددة في اتفاقية منع الانتشار النووي، خصوصًا ما يتعلق منها بنسب تخصيب اليورانيوم في الحدود اللازمة للاستخدامات السلمية في مختلف المجالات: الطبية، والزراعية، والصناعية. صحيح أن إيران تمتلك حاليًا ما يزيد قليلاً على 400 كجم من اليورانيوم المخصب بنسبة %60، وهي نسبة تزيد كثيرًا على النسبة المطلوبة للوفاء بالاستخدامات السلمية، ويمكن لإيران أن تستخدمها في إنتاج ما يقرب من 10 قنابل ذرية في حال تمكّنها من رفع نسبة تخصيبها إلى %90؛ وهي معضلة قابلة للحل، إما بتسليم الكمية المخصبة لطرف ثالث تقبل به إيران (شريطة ضمان القدرة على استعادتها إذا ما أقدمت الولايات المتحدة على انتهاك التزاماتها مثلما فعل ترامب عام 2018)، أو الاتفاق على آلية لخفض التخصيب إلى نسبة أدنى، ولتكن %20.

غير أن الولايات المتحدة، وكذلك "إسرائيل" على وجه الخصوص، ما زالتا تُصران، ليس على التفكيك الكامل لبرنامج إيران النووي فحسب، وإنما أيضًا على تحجيم برنامجها الصاروخي وفرض قيود وضوابط على علاقاتها بباقي مكونات «محور المقاومة»، وهو ما يستحيل على إيران قبوله إلا في حالة واحدة، ألا وهي الاتفاق على تسوية شاملة لجميع أزمات المنطقة، وبما يضمن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لغزة والضفة الغربية وجنوب لبنان والأراضي السورية المحتلة، ويؤدي في الوقت نفسه إلى إيجاد نظام فعّال لأمن جماعي إقليمي يضمن احترام استقلال جميع دول وشعوب المنطقة وسيادتها وفقًا لقواعد والتزامات وحقوق متساوية تحترمها جميع الدول، خصوصًا "إسرائيل"؛ وهو ما لا يُتوقع أن يقبله كيان يطمح للهيمنة على مقدرات المنطقة بأسرها.

في سياق ما تقدم، ليس من المبالغة الجزم بأن احتمال شن حرب جديدة على إيران ترجح كفة احتمال التوصل إلى تسوية سياسية معها؛ بل إن البعض لا يستبعد أن يتعمّد نتنياهو شن هذه الحرب قبل الموعد المحدد لإجراء الانتخابات الإسرائيلية مباشرة، خصوصًا إذا ما شعر أن نتائجها المتوقعة قد تحول دون تمكينه من تشكيل الحكومة القادمة، وربما تمهّد الطريق للزجّ به أيضًا في غياهب السجون. ولأن شن الحرب يتيح له قانونًا إعلان حالة الطوارئ، التي تؤدي بدورها تلقائيًا إلى وقف العملية الانتخابية؛ فقد يدّعي نتنياهو أن إيران كانت تخطط لشن هجوم استباقي لتبرير إقدامه على شن الحرب بطريقة فجائية على إيران.

غير أن هذا الاحتمال يبدو ضعيفًا، خصوصًا أنه لا يصبّ في مصلحة ترامب الذي يحرص على توخي الهدوء خلال الفترة التي تسبق انتخابات التجديد النصفي، خشية انفلات أسعار الطاقة بكل ما ينطوي عليه هذا الانفلات من تأثير سلبي على نتائجها. لذا، فقد يغامر نتنياهو بتأجيل شن الحرب إلى ما بعد الانتخابات الأميركية، نزولًا عند رغبة ترامب نفسه وبالتنسيق معه.

فحتى في حال فشل الائتلاف الذي يقوده في الحصول على ما يكفي من مقاعد الكنيست لتكليفه بتشكيل الحكومة، فليس هناك ما يحول دون إقدام نتنياهو على شن الحرب خلال المرحلة الانتقالية التي قد تستغرق أسابيع وربما شهورًا طويلة، خصوصًا أنه سيضمن مشاركة ترامب فيها، وهو ما ينبغي لإيران أن تتحسب لوقوعه وأن تستعد له.

إذا صحّ هذا الاستنتاج وشُنّت الحرب على إيران مرة أخرى —لا قدّر الله— بصرف النظر عما إذا كانت ستُشن قبل أو بعد الانتخابات الإسرائيلية أو الأميركية، فلن تكون هذه الحرب مثل سابقاتها، ومن ثم فليس من المستبعد أن تتحوّل بسرعة إلى حرب إقليمية شاملة، خصوصًا أنها ستشتعل عقب تطورات دراماتيكية شهدتها المنطقة مؤخرًا، أهمها إعلان «تحالف مكة» الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان، واشتعال الحرب من جديد بين السعودية وجماعة أنصار الله، وإعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي أنه قرر تلبية كل ما تطلبه المملكة من احتياجات عسكرية للدفاع عن نفسها، وموافقة مجلس الدفاع المصري على هذا القرار الذي أُحيل إلى مجلس النواب لمناقشته والتصديق عليه، في خطوة لا يتم اللجوء إليها تطبيقاً لنص المادة 152 من الدستور المصري إلا في حالة واحدة فقط، ألا وهي طلب إرسال قوات عسكرية مصرية إلى خارج الحدود؛ ما دفع الدكتور أحمد الطيب، شيخ الجامع الأزهر، إلى توجيه نداء عاجل إلى قادة الدول العربية والإسلامية يطالبهم فيه بـ «وقف الحرب والقتال والتدمير، وتغليب صوت العقل والحكمة والاحتكام إلى الحوار بدلاً من الصراع»، ويدعوهم في الوقت نفسه إلى «تشكيل لجنة عاجلة للوساطة والتهدئة تضم حكماء وممثلين ومخلصين من مختلف الدول العربية والإسلامية للتحرك الفوري بين الأطراف المتنازعة وتقريب وجهات النظر ونزع فتيل الأزمات المشتعلة". ولأنه نداء يعبّر عن الشعور السائد لدى غالبية الشعب المصري، فربما يكون صدوره في هذا التوقيت هو ما دفع مجلس النواب المصري إلى تأجيل التصويت على طلب إرسال القوات إلى جلسة تعقد يوم الاثنين القادم  .26/10/202 

أخطر ما قد تشهده المنطقة من كوارث خلال الأسابيع أو الشهور القليلة القادمة هو أن تقرر "إسرائيل" والولايات المتحدة شن حرب جديدة على إيران؛ ولأن الأخيرة سترد حتمًا بضرب القواعد العسكرية والمصالح الأميركية في دول الخليج، ومنها السعودية التي ستتعرض في الوقت نفسه لصواريخ ومسيرات أنصار الله التي لن تتورّع بدورها عن إغلاق مضيق باب المندب، فقد تندفع باكستان وتركيا ومصر للمشاركة في الحرب على كل من إيران وأنصار الله بدعوى الدفاع عن السعودية وحماية الملاحة الدولية.

وهذا هو بالضبط ما تهدف إليه "إسرائيل" والولايات المتحدة: ألا وهو سحب دول المنطقة للمشاركة في حربهما العدوانية على إيران، ما سيؤدي حتمًا إلى خراب المنطقة ويمهد الطريق نحو سيطرة "إسرائيل" المطلقة عليها. فهل ما زال في الأمتين العربية والإسلامية عقل رشيد يمكنه تجنب الوقوع في هذه المصيدة؟