تقف السويداء ودمشق، قبل أيام من الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/ أكتوبر، على وقع تقارير عن نشاط إسرائيلي متزايد في الجنوب السوري، وخطاب انتخابي جعل فيه بنيامين نتنياهو قضية الدروز في سوريا جزءًا من حملته، بالإضافة إلى ما عدّه "إنجازات" في الجنوب السوري.
عادةً ما تتضخّم الخطابات أثناء الحملات الانتخابية لتتجاوز الواقع الميداني، لكن اهتمام "إسرائيل" بالجنوب السوري، وبالسويداء خاصةً، أقدم من الحملة وسيبقى بعدها، أيًّا كان الفائز. فمع غياب أي مسار أو خريطة طريق للحلّ أو للمواجهة، سيبقى لـ"إسرائيل" دور محوري هنا، وقد يصبح سوء التقدير هو الخطر الأكبر.
نتنياهو يخاطب الدروز
يبلغ عدد الدروز في الداخل الفلسطيني المحتل نحو 150 ألفًا، يسكن معظمهم في الجليل والكرمل، وهم غير دروز الجولان المحتل الذين يحتفظ كثير منهم بهويته السورية، رغم كل التهديدات والإغراءات على مدى عقود مضت. ويخضع الرجال الدروز للتجنيد الإلزامي منذ عام 1956، خلافًا لمعظم المواطنين العرب. وما يجمعهم بدروز سوريا من صلة دم وعقيدة، يجعل مصير السويداء قضية عاطفية وسياسية داخل الكيان لا يمكن لأيّ حزبٍ حاكم تجاهلها.
وهذا تمامًا ما فعله نتنياهو خلال لقائه مع شخصيات درزية في قرية "يركا" يوم 15 تشرين الأول/أكتوبر، حين ذكّرهم بما قام به لوقف القتل في السويداء، وأنه قصف أهدافًا في دمشق.
وفجّر نتنياهو مفاجأة خلال هذا اللقاء حين ذكر أنه تحدث إلى رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، أحمد الشرع، أثناء أحداث السويداء، وأنّ المحادثة كانت قصيرة وحادة، وأن القتل قد توقف على إثرها. وردّت دمشق عبر وكالة «سانا» الرسمية برفض تسييس الملف، واتهمت "إسرائيل" بتسليح "مليشيا خارجة عن القانون"، من دون أن تنفي حدوث الاتصال. أمّا يسرائيل كاتس، وزير دفاعه، فقد حذّر من عودة الهجمات على الدروز إذا خسر نتنياهو، زاعمًا أن دمشق تنتظر نتيجة الاقتراع وخسارته.
الرسالة الإسرائيلية واضحة، ومفادها أنّ حكومة بنيامين نتنياهو هي الضامن لأمن الدروز في السويداء، وبالتالي فإنّ التصويت هو اختيار بين الحماية والخطر. ومع ذلك، فملف السويداء، على أهميته وحساسيته، ليس الوحيد الحاضر عند دروز "إسرائيل"؛ فهم بالعموم ليسوا كتلة انتخابية واحدة، وهمومهم تشمل الحقوق والميزانيات والتمثيل وتعديل القوانين.
ولا يغيّر هذه الصورة وجود منافسين لنتنياهو؛ فقادة المعارضة، وفي مقدمتهم غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت ويائير لابيد وأفيغدور ليبرمان، يتشاركون عمومًا نهجًا أمنيًّا يمينيًّا، ولا يوجد لأيّ منهم موقف مغاير من السويداء، إضافة إلى أن السياسة تجاه سوريا تصوغها المؤسسة الأمنية لا نتنياهو وحده. فهم من حيث المبدأ لا يختلفون عن توجّهه، وقد يختلفون في الأسلوب والتوقيت ونبرة الخطاب فقط. ولذلك، قد يكون من المبالغة أن تعلّق السويداء أو دمشق مخاوف أو آمالًا على أن نتيجة الانتخابات ستقلب المعادلة القائمة في الجنوب.
الشيخ حكمت الهجري: الصوت الأقوى في السويداء
يُنظَر إلى المرجع الروحيّ، الشيخ حكمت الهجري، بوصفه أكثر الزعماء موالاةً لـ"إسرائيل" في السويداء؛ فقد تدرّج خطابه من المطالبة بالحماية الدولية وتقرير المصير، إلى الحديث الصريح عن الارتباط بـ"إسرائيل". وفي 24 آب/ أغسطس، وصف الهجريّ الدروز بأنهم "جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل"، وتحدّث عن قواسم مشتركة معها، حتى في العقيدة. وهذه التصريحات تمنح الخطاب الانتخابي الإسرائيلي شريكًا محليًّا يؤكّد رواية الحماية والتدخل، وتمنح دمشق ذريعة لاتهام "إسرائيل" بصناعة كيان انفصالي، بينما هي (السلطة في دمشق) التي تسعى للحفاظ على وحدة سوريا.
تسعى دمشق في خطابها إلى التأكيد أنها لم تغلق مسارات الحل مع السويداء، لكن هذا الخطاب ما زال يتبنى وجهة النظر الرسمية. ففي مقابلة مع «الإخبارية السورية» يوم الأحد 18 تشرين الأول/أكتوبر، وتغريداتٍ أعقبتها على منصة "إكس"، أكد محافظ السويداء، مصطفى البكور، الذي يزاول عمله من مكتبه في العاصمة دمشق، استعداد الدولة للحوار وطرح كل الملفات على الطاولة. وقال بكّور إنّ الحوار «ليس تنازلًا من الدولة ولا هزيمةً لأبناء السويداء»، وإن الدولة ستحاسب كل من تثبت مسؤوليته في أحداث العام الماضي (كما وصفها)، لكنه حمّل «مجموعات خارجة عن القانون» كل العلل، من انفلات وخطف وتعطيل للحلول، ونفى وجود حصار، وطالب بألّا تحتكر أي مجموعة مسلحة القرار، وبأن يكون القرار وطنيًّا.
وبالتزامن مع دعوة البكّور إلى الحوار، برزت بعض الأصوات المحلية في درعا المجاورة لتدعو أيضًا إلى الحوار وفتح صفحة جديدة، ولكن بالصيغة نفسها التي يعتمدها الخطاب الرسمي. وهذا الخطاب، عدا عن كونه بات مرفوضًا من غالبية أهل السويداء بسبب تجاهله حجم الكارثة التي حصلت، أصبح مستفزًّا لكثير منهم، بمن فيهم المعتدلون الذين ما زالوا مترددين في الخيارات المتاحة.
إضافة إلى أن هذه الدعوات من سلطة دمشق قد تكون ردّ فعل استباقيًّا على التسريبات أو التلميحات بعمل عسكري مرتقب، وهو ما نقله مسؤول سوري رفيع إلى "آي 24 نيوز" وصحيفة «جيروزاليم بوست» قبل أيام، من أن دمشق تخشى أن تشنّ الفصائل الدرزية المسيطرة على السويداء هجومًا على القوات الحكومية خلال أيام، بتشجيع ودعم إسرائيليين. وساق المسؤول مؤشرات عدّة، منها زيادة عدد القوات على خط الجبهة، وتصريحات لقادة دروز بارزين توحي بقرب القيام بعملية لاستعادة كامل المحافظة، وتكثيف الطلعات الاستطلاعية الإسرائيلية فوق السويداء ودمشق والجنوب. وزعم أنّ مروحيات إسرائيلية هبطت في السويداء وسلّمت كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر.
وكذلك، نشرت صحيفة «إسرائيل اليوم»، القريبة من معسكر نتنياهو، في اليوم نفسه تقريرًا عن تكثيف "إسرائيل" تسليح فصائل الحرس الوطني، وعن لقاءات مع ضباط إسرائيليين في الجولان. بالإضافة إلى ما أوردته مواقع ونشطاء محليون في سوريا عن بدء "إسرائيل" بإنشاء قاعدة عسكرية مخصصة للإنذار المبكر والاستطلاع في قمة جبل العرب (تل قليب)، بالتزامن مع نقل معدات تقنية وأجهزة رادار وأسلحة متطورة عبر عمليات نقل معقدة (شملت طائرات مروحية)، وفرض طوق أو قيود حركة في محيط الموقع.
وتزامُن الانتخابات الإسرائيلية مع حالة الاستعصاء في ملف السويداء، لا بدّ أنه خلق مخاوف سورية من أن يُقدم نتنياهو نفسه على عملية استثنائية في سوريا قبل الانتخابات. ويبقى من غير المعلوم كيف تستعد دمشق لاحتمال كهذا؛ فالوضع في السويداء يحمل ثلاثة مسارات:
1. الأول: هو أن يستمر النشاط الإسرائيلي والتقارير عن التسليح، ويبقى الحوار شكليًّا من دون مواجهة واسعة.
2. الثاني: هو الانفراج، وهو ما تدرك دمشق أنه لا يمكن حصوله من دون مواجهة أو موافقة إسرائيلية.
3. أما المسار الثالث: فهو ما تخشاه دمشق؛ أن تعلن فصائل السويداء بدء عملية عسكرية باتجاه القوات الحكومية الموجودة في عددٍ من قرى السويداء المتاخمة لريفي درعا ومحافظة ريف دمشق، وبدعم مباشر من "إسرائيل".
والواقع، أنّ هذا المسار يجري تداوله مؤخرًا بالفعل، بالتوازي مع ارتفاع حدة الخطاب السياسي، الذي قد يُفسَّر بموسم الانتخابات الإسرائيلية، لكن جوهر اهتمام "إسرائيل" بالجنوب والسويداء يبدو أنه أصبح في صلب أولوياتها.
والمعيار الأهم في الأيام المقبلة ليس ما يقوله نتنياهو أو منافسوه، بل ما إذا كانت دمشق مستعدة لخطوة تتجاوز الدعوات الشكلية إلى الحوار. فالخطر الحقيقي يكمن في فراغ تتركه سلطة لم تعترف بما حدث، فتملؤه دعاية متبادلة وحسابات خارجية أمنية أو انتخابية، وخطاب انفصالي يتغذى على انعدام الثقة، وفي أن يقرأ كل طرف تحركات الآخر تمهيدًا لهجومٍ وشيك، فيسبقه إليه.
السويداء في الانتخابات الإسرائيلية بقلم/جو غانم