مفاعيل معركة الوعي بعد ثلاثة أعوام على طوفان الأقصى وتوابعه

الساعة 12:14 م|19 أكتوبر 2026

فلسطين اليوم | وسام أبوشمالة

وسام أبو شمالة

شهدت القضية الفلسطينية متغيّرات داخلية وخارجية بعد مرور ثلاثة أعوام على معركة طوفان الأقصى، أثرت على البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، الأمر الذي انعكس على المشهد العام بأبعاده كافة، ولا سيما حالة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، وتفاعلات المواجهة الراهنة، في البيئتين الإقليمية والدولية.

إن المتغيّرات في البيئة الاستراتيجية التي تلت معركة طوفان الأقصى، متغيّرات واسعة، فلسطينياً، وعربياً ، وإسرائيلياً، وإقليمياً ودولياً، بيد أن الأثر الذي تركته المعركة وتوابعها على الوعي الفلسطيني ابتداءً، وعلى الوعي العربي والإسلامي والإنساني، وكذلك على الوعي الإسرائيلي، أثر بالغ؛ فالمعركة على الوعي مستمرة، وتُستخدم فيها مختلف الأدوات والوسائل العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية والنفسية، وتوظّف فيها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والفضاءات الإعلامية والرقمية الواسعة، وتُرصد لها موارد بشرية ومالية كبيرة.

بين كيّ الوعي الفلسطيني واستعادته 

لقد عبّر الكل الفلسطيني، شعبياً وفصائلياً، في الداخل والشتات وفي السلطة والمعارضة، عن فرحتهم واعتزازهم وتأييدهم لمعركة طوفان الأقصى في مراحلها الأولى، الأمر الذي عكس وعياً جماعياً فلسطينياً موحّداً تجاه الطوفان ذابت فيه الاختلافات والانقسامات الداخلية كافة، بيد أن حالة الوعي الجمعي لم تترجم إلى سلوك ميداني، وبقي حبيس الوجدان والتعاطف المعنوي والترقب السلبي لنتائج المعركة.

كما أن نتائج حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، أدت إلى انقسام في الموقفين الشعبي والرسمي الفلسطينيين تجاه الطوفان؛ فالعدو الإسرائيلي أدرك أنّ استعادة الوعي الوطني الجمعي الفلسطيني، الذي أنتجه الطوفان، في مقابل الصدمة في الوعي الإسرائيلي، والخشية من محاكاة الهجوم على جبهات أخرى، هو تهديد وجودي، وأن نتيجة المعركة لن تُحسم إلا بكيّ الوعي الفلسطيني، وحلفائه ومناصريه، وأن النصر المطلق لن يتحقق إلا بفرض هزيمة بائنة على الفلسطينيين تنتهي بتوقيع فلسطيني على ورقة الاستسلام على غرار توقيع وثيقة الاستسلام غير المشروط من المارشال الألماني فيلهلم كايتل ، بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية.

وقد انعكس هذا التوجه في مختلف المواقف والتصريحات الإسرائيلية وفي السلوك الإجرامي في الحرب، منها ما كشفه تسجيل مسرّب لمسؤول الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية المستقيل أهارون هاليفا، قال فيه إنه يجب أن يتعرّض الفلسطينيون لنكبة كل 50 عاماً، ويجب قتل 50 ألف فلسطيني مقابل مقتل إسرائيلي واحد، بيد أنه أقرّ بأن هجوماً آخر على غرار السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023 سيتكرر في المستقبل، ما يعني إقراره مسبقاً بالفشل في فرض استسلام على الفلسطينيين حتى لو تأثر الوعي الجمعي الفلسطيني سلباً بفعل حرب الإبادة الجماعية برهةً من الزمن.

السردية الإسرائيلية سعت منذ الساعات الأولى للطوفان، إلى ربط الهجوم الفلسطيني بالنازية، لا بهدف تأليب الرأي العام العالمي على الفلسطينيين وحسب، ولا لتبرير حرب الإبادة فقط، بل لأن القيادة الإسرائيلية كانت تسعى بالفعل إلى دمج أدوات القتال العسكري والهجين كافة، وتهيئة الجمهور الإسرائيلي لخوض حرب طويلة لا تنتهي إلا بنتيجة مشابهة للحرب العالمية الثانية واستسلام مكتمل الأركان للمقاومة الفلسطينية وحلفائها تمهيداً لفرض الهيمنة الإسرائيلية الكبرى على المنطقة بدعم أميركي مطلق.

ما لا يمكن تجاهله، أن الوعي الفلسطيني تعرّض للإصابة بجروح خطيرة، بفعل آلة الإجرام الإسرائيلية، والحجم الرهيب للمعاناة التي خلّفتها حرب الإبادة على غزة، وما زالت، بيد أن الوعي الجمعي الذي وقف خلف الطوفان في بداياته مدفوعاً بالشعور بالكرامة الوطنية التي هزّت عرش الكبرياء والغرور والصلف الإسرائيلي المتنكّر للحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية التي أقرّتها الشرعية الدولية، تجده اليوم وعياً جمعياً مدفوعاً بالشعور بالتهديد الوجودي للشعب الفلسطيني بتوجهاته كافة وفي شتى أماكن وجوده، الأمر الذي يفتقر لقيادة جمعية وطنية تستثمر حالة الوعي بخطورة المشاريع الصهيونية التي تستهدف الإنسان والأرض الفلسطينية، بصرف النظر عن انتمائه السياسي والجغرافي.

الانعكاسات الإقليمية 

على الصعيد العربي والإسلامي، فإن الأهداف الإسرائيلية باتت واضحة، الهيمنة والتوسع والتطويع، عبر تفعيل الأدوات العسكرية بالاحتلال والعدوان، أو بالتأثير على الوعي والحرب النفسية ولغة التهديد والوعيد وبث الرعب والخوف بهدف التسليم الطوعي بالهيمنة الإسرائيلية على المنطقة، أو بالترغيب للتعاون المشترك والاستفادة من القدرات الإسرائيلية الاستخبارية والعسكرية في مواجهة "التهديد" الإيراني.

إن السلوك الإسرائيلي تجاه المنطقة بعد ثلاث سنوات على الحرب، لم يؤدِّ من جهة ، إلى تراجع في الوعي الاستراتيجي أو في مواقف جبهة المقاومة، وأدّى ، من جهة أخرى ، إلى حدوث انقسام وتصدع في مواقف جبهة التطبيع ، وإلى توتر في العلاقة بين أطراف كانت تربطها بـ "إسرائيل" علاقات جيدة.

بيد أن العامل المشترك الذي ترسّخ في الوعي الجمعي للمنطقة، أن "إسرائيل" باتت تشكل أحد أخطر الفواعل تهديداً للاستقرار والأمن الإقليميين، بصرف النظر عن المعسكر الذي تنتمي إليه دول المنطقة ، مقاومة أو تطبيع أو "حياد إيجابي أو سلبي" ، إلى جانب تعزيز المقاربات التي تؤكد أن مخططات "إسرائيل" الحقيقية ليست للعيش بشكل طبيعي في المنطقة، بل للسيطرة والهيمنة والتوسع، والعمل على تقسيم دول المنطقة إلى كيانات متصارعة، وممارسة سياسات شدّ الأطراف، عبر استغلال الأبعاد الطائفية والمذهبية والإثنية.

التأثيرات على المستوى العالمي

دولياً؛ فإن الخسارة الإسرائيلية كانت مدوّية في معركتي الوعي والسردية، لا على مستوى الرأي العام العالمي فقط، بل وعلى المستوى الرسمي، وباتت "إسرائيل " تعاني من عزلة حقيقية، ومشهد انسحاب الوفود من قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعكس جزءاً من الصورة.

باختصار، لقد انهارت السردية الإسرائيلية في الغرب والعالم ، وسقطت أخلاقياً ولم يعد يفلح خطاب الضحية ومعاداة السامية ، والادّعاء أن "إسرائيل " هي الديمقراطية الوحيدة في غابة الديكتاتوريات، و أنها تحارب بالنيابة عن الغرب الليبرالي…

إن ما بنته "إسرائيل " في أكثر من سبعين سنة من عمرها من صورة ليبرالية وأخلاقية في الذهنية الغربية، تعرّض لضرر جسيم يصعب إصلاحه.

الارتدادات على المجتمع الإسرائيلي 

إسرائيلياً، احتلت معركة الوعي موقعاً رئيسياً في توجيه الرأي العام والجبهة الداخلية الإسرائيلية ، منذ اللحظات الأولى للطوفان، ولم تقتصر معركة الوعي الإسرائيلية على الأطراف الفلسطينية والإقليمية والدولية، بل شملت شرائح المجتمع الإسرائيلي كافة من جنود ومستوطنين، بهدف الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية والعمل على استعادة الثقة بالجيش والقيادة وبالمستويات الرسمية، والتي اهتزت بشكل عميق بسبب الهجوم الفلسطيني المباغت.

كما هدفت المعركة إلى تجريد الشعب الفلسطيني في غزة من إنسانيته، وشيطنة كل من فيه وما فيه من بشر وحجر لتبرير جريمة الإبادة، كما سعت إلى تهيئة الجمهور لحرب طويلة ومكلفة بشرياً ومادياً ومعنوياً، بحجّة أنها معركة وجودية لا مفرّ من الانتصار فيها.

بعد ثلاث سنوات نجحت الدعاية الداخلية الإسرائيلية في توسيع دائرة العداء، لا للفلسطينيين والعرب والمسلمين فحسب، بل لكل من ينتقد "إسرائيل" ويتعاطف مع الشعب الفلسطيني، حتى لو كان يهودياً، على غرار حالة الشيطنة لفنانَين يهوديَّين فازا بجائزة دولية على الفيلم الوثائقي "نازا" الذي وثّق عدداً من جرائم الإبادة الإسرائيلية، كما تعمّق الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي، وارتفع مستوى خطاب التخوين؛ ولا سيما قبيل الانتخابات الإسرائيلية التي تشهد استقطاباً حاداً؛ فما حققته معركة الوعي الإسرائيلية تجاه شيطنة الفلسطينيين، يرتدّ بشكل غير مباشر على الجمهور الإسرائيلي، وأسهمت في نزع الصفات الإنسانية البشرية الفطرية عنه، والتي قد تنقلب ضد المجتمع الإسرائيلي نفسه يوماً ما.

ومن جهة أخرى؛ فإن حالة التوتر والخوف والحروب التي أعقبت الطوفان، إلى جانب خطاب الكراهية الداخلي ، دفعا ما لا يقل عن 200 ألف إسرائيلي إلى الهجرة الدائمة من دون عودة، وفقاً للبيانات الرسمية الإسرائيلية، وقد تكون الأرقام أعلى، وجلّهم من الفئة النشطة من الأطباء والأكاديميين والعاملين في مجال التكنولوجيا الفائقة والشباب، وغالبيتهم من المحسوبين على اليسار الإسرائيلي.

تعارض السرديات

إن المعركة على الوعي الفلسطيني والعربي والإسلامي الذي أنتجه الطوفان وما تلاه من حروب، تمخّضت عنها سرديات متعارضة :

الأولى، تتمسك بسردية البطولة والصمود والتحدي ، وأن الطوفان أثبت أن العدو يمكن هزيمته ، وأن دائرة المواجهة معه تتسع ، وأن المعركة ما زالت في الميدان ولم تُحسم نتائجها بعد، وأثرها الاستراتيجي سيظهر في مراحل مقبلة من الصراع، وأن الأثمان التي دُفعت باهظة وبمستويات فاقت كل التوقعات ، بيد أن المسؤول الأول والأخير عنها هو العدو المجرم ومَن تحالف معه، كما أنها لم تكسر إرادة المقاومة ومواجهة الاحتلال وحلفائه، رغم الاختلال الكبير في موازين القوة، ولم تدفع إلى التخلي عن الحقوق المشروعة ؛ ولم توقّع وثيقة استسلام واحدة في مختلف جبهات القتال والمواجهة.

والثانية، تأثرت بغزارة التضحيات والدماء التي أُريقت ، ولم تعد ترى في الطوفان غير الويلات والكوارث، والحروب التي تفجرت، والتي أدّت إلى مزيد من التغوّل الإسرائيلي، وأن الطوفان مغامرة غير محسوبة ، وأدى إلى نتائج عكسية…

وهناك اتجاه ثالث، خصم دائم للمقاومة، قبل وأثناء وبعد الطوفان، لم يتأثر بمعركة الوعي، بل كان أحد الأسهم في كنانة الدعاية الإسرائيلية.

ما يمكن تأكيده، بصرف النظر عن وجاهة أو عدم وجاهة سرديات ما بعد الطوفان، أن الأطراف كافة تعرضت لجروح عميقة على مستوى الوعي، بيد أنها ليست قاتلة، وما زالت تسعى إلى تضميد جراحها، وترميم صورتها، وتنظيم صفوفها، واستعادة وعيها.

كما أن غياب الحسم العسكري، وعدم استسلام أحد الأطراف، أو إقراره بالهزيمة، بعد ثلاثة أعوام من استخدام أقصى درجات القوة، يثبت أن من يواصل الحرب وإطلاق النار في الاتجاهات كافة، يدرك أنه لم ينتصر بعد، لا بسبب عجزه عن القتل أو الاحتلال أو الحصار أو حتى الإبادة والتهجير؛ فقد مُنح الوقت والأدوات والغطاء لاقتراف كل المحرّمات، بل لقناعته أن من سيحسم نتيجة المعركة هو المنتصر في معركة الوعي ، ولم يزعم أحد أن نتيجة الحرب على الوعي قد حُسمت لصالحه بعد.