لم تعد المواجهة في اليمن مجرّد مواجهة داخل جغرافيا اليمن أو مرتبطة بأمن الملاحة البحرية في البحر الأحمر، بل أصبحت جزءاً من صراع إقليمي تتداخل فيه الحسابات العسكرية والأمنية مع مشاريع تدعمها أميركا و"إسرائيل" لإعادة تشكيل المنطقة.
وتتلخّص المقاربة الإسرائيلية هنا في محاولة استغلال الأزمة اليمنية السعودية كبوابة لفرض واقع سياسي جديد، ولا تنظر إلى جبهة أنصار الله بمعزل عن جبهة إيران، بل تعتبرها جزءاً من معادلة ردع إقليمية تسعى إلى إضعافها أو القضاء عليها، تمهيداً لاستهداف إيران مجدّداً وتغيير موازين القوى في المنطقة.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية إضافية كبيرة في ضوء ما صرّح به الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن تقديم "إسرائيل" مساعدة استخباراتية للسعودية في مواجهة أنصار الله في اليمن، بالتزامن مع كلامه عن عودة الحديث عن اتفاقيات التطبيع السعودية الإسرائيلية إلى طاولة البحث.
وهذه المعطيات، وما سبقها من حادثة هبوط الطائرة التي تقلّ إسرائيليين مؤخّراً في السعودية، التي شكّك كثيرون في حقيقة الحدث وافتعاله بهذا الشكل، تطرح تساؤلات بشأن توظيف التعاون الأمني الإسرائيلي السعودي لإحياء مسار التطبيع المتعثّر، وبناء ترتيبات إقليمية تخدم مصالح "إسرائيل" بالدرجة الأولى.
ولفهم الموقف الإسرائيلي أكثر، لا بدّ من التوقّف أمام كلّ هذه المعطيات، لقراءة أبعادها الأمنية والسياسية والاستراتيجية، والنظر إلى المواجهة اليمنية باعتبارها جزءاً أساسياً من صراع أوسع على النفوذ ومستقبل شكل المنطقة.
ثمّة مرتكزات أربعة يمكن الوقوف عندها لتحليل هذه المشهدية، بعد تكشّف الكثير من المعلومات، والتي كان آخرها تصريحات الرئيس ترامب بشأن مساعدة "إسرائيل" للسعودية وعودة الحديث عن اتفاقيات التطبيع.
أولاً: المرتكز الأمني
تنظر "إسرائيل" إلى طبيعة المواجهة باعتبارها مختبراً أمنياً، ولا تفصل بين إيران وجبهة اليمن بوصفهما جبهتين منفصلتين، بل تنظر إليهما على أنهما جبهة واحدة، وتتعامل مع الصراع باعتباره اختباراً أمنياً حقيقياً لقدرات أنصار الله وقدرات إيران على حدّ سواء، إن كان على مستوى القدرات الصاروخية أو منظومات الطائرات المسيّرة وغيرها من الوسائل العسكرية.
وتتيح هذه المواجهة لـ "إسرائيل" فرصة كبيرة لتقييم طبيعة القدرات والتهديدات، إذ يمكن أن تسهم الخبرات المستخلصة من هذه المواجهة في تحديد خياراتها الأمنية إذا قرّرت شنّ هجوم عسكري جديد على إيران وهي تلوّح بذلك.
ثانياً: المرتكز الاستراتيجي
تنطلق "إسرائيل" من هذا المرتكز عبر عدم الفصل بين الجبهتين اليمنية والإيرانية، وتعتبر أنّ المواجهة الدائرة جزء لا يتجزّأ من رؤيتها لتفكيك محور المقاومة بقيادة إيران، وبمعنى أعمق، فإنّ "إسرائيل" معنية بشكل كبير بإضعاف جماعة أنصار الله في اليمن، سواء سياسياً أو عسكرياً، وترى أنّ ذلك يندرج ضمن استراتيجية أوسع تستهدف تقليص النفوذ الإيراني، وتفكيك محور المقاومة، وإضعاف مكوّناته وقدرته على العمل ضمن جبهات المحور ككلّ.
وتنظر "إسرائيل" إلى أنصار الله باعتبارها مكوّناً مهماً في محور المقاومة، لما تمتلكه من قدرات عسكرية تتيح لها التأثير في أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية، فضلاً عن قدراتها على استهداف العمق الإسرائيلي خلال مساندة غزة في معركة طوفان الأقصى.
على الزاوية الأخرى من الصورة، فإنّ خروج إيران وجماعة أنصار الله من هذه المواجهة بمكاسب استراتيجية لا يخدم البتة الرؤية الإسرائيلية الرامية إلى إضعاف محور المقاومة، بل قد يعزّز الاعتقاد بإمكانية تحدّي التفوّق العسكري الإسرائيلي وفرض معادلات جديدة في المنطقة.
ثالثاً: مرتكز التموضع الإسرائيلي في المنطقة
تنظر "إسرائيل" إلى المواجهة الدائرة بين جماعة أنصار الله والسعودية باعتبارها فرصة مهمة لإعادة التموضع الجيوسياسي في المنطقة، وفي هذا الإطار، تكتسب المواقف الإسرائيلية المعلنة بشأن أمن السعودية، وما نُشر عن اقتراح نتنياهو تقديم مساعدة عسكرية وأمنية لها، وما أكّده وكشفه الرئيس ترامب في هذا الموضوع، أهمية خاصة؛ لأنها تعكس حقيقة دور "إسرائيل" في تقديم مساعدة استخباراتية بوصفها شريكاً أمنياً للسعودية، قادراً على المساهمة في مواجهة التهديدات الإقليمية المشتركة.
من زاوية أخرى، تتعامل "إسرائيل" مع هذه التطوّرات باعتبارها مدخلاً جوهرياً لإحياء مسار التطبيع المتعثّر مع السعودية، وتهيئة الظروف السياسية والأمنية لبناء تحالف إقليمي أوسع في مواجهة إيران، وبذلك، لا تقتصر أهمية اليمن في الحسابات الإسرائيلية على طبيعة المواجهة العسكرية، بل تمتدّ إلى إمكانية استثمارها في إعادة ترتيب العلاقات والتحالفات، وتكريس واقع سياسي جديد يمنح "إسرائيل" حضوراً أوسع في معادلات الأمن الإقليمي لمواجهة إيران.
رابعاً: مرتكز الولايات المتحدة الأميركية
ويعكس هذا المرتكز أهمية الدور الأميركي في تحديد طبيعة المواجهة بين أنصار الله والسعودية، ومدى استعداد واشنطن للتدخّل المباشر أو الاكتفاء بتقديم الدعم السياسي والعسكري والاستخباراتي، وأيّ تراجع في الانخراط الأميركي المباشر سيدفع "إسرائيل" إلى تعزيز استقلاليتها العسكرية والأمنية والاستراتيجية والسياسية، وتوسيع قدرتها على التأثير في الصراعات الإقليمية من دون الاعتماد الكامل على المظلة الأميركية.
وفي هذا السياق، تُمنح "إسرائيل" فرصة لاختبار قدرتها على التحرّك بصورة أكثر استقلالية، وتطوير علاقات أمنية مباشرة مع أطراف إقليمية، وتوسيع نطاق تأثيرها في التفاعلات الجارية بين اليمن والسعودية، وهذا لا يعني بالضرورة تراجع التحالف الإسرائيلي الأميركي، بل قد يعكس توجّهاً نحو توزيع الأدوار، بحيث تحتفظ أميركا بدورها المركزي في دعم "إسرائيل" سياسياً وعسكرياً، بينما تتحمّل "إسرائيل" مسؤوليات أكبر في إدارة بعض المواجهات والتهديدات والتعامل معها.
تكمن أهمية الجبهة اليمنية في قدرتها على فرض تحدّيات أمنية تتجاوز حدود الجغرافيا، وإجبار "إسرائيل" على تشتيت مواردها على جبهات متعدّدة ولذلك، فإنّ الهدف الإسرائيلي المتمثّل في إضعاف أنصار الله في اليمن يخدم هدفاً إسرائيلياً أوسع يتمثّل في تحسين وضعها إذا ما قرّرت مهاجمة إيران.
صحيح أنّ القدرات تختلف، لكنّ أهمية اليمن تنبع من موقعه الجغرافي وقدرته على التأثير في أمن البحر الأحمر، والمستجدّ المهم بعد تصريحات الرئيس ترامب، في ظلّ استمرار الأزمة اليمنية، يضع مستقبل التطبيع السعودي مجدداً على الطاولة، ويشير تزامن الحديث عن المساعدة الاستخباراتية الإسرائيلية للسعودية إلى تزايد احتمالات توظيف المخاوف الأمنية لدى السعودية لتسريع التقارب السياسي بين "إسرائيل" والسعودية.
وفي قراءة عميقة لما جرى في هذا المجال تشير إلى أنّ "إسرائيل" تسعى جاهدة وتعمل على تقديم نفسها باعتبارها شريكاً أمنياً في مواجهة إيران، بما يتيح لها توسيع حضورها الإقليمي وتحويل التعاون الأمني إلى مدخل وبوابة لترتيبات استراتيجية أوسع.
سيناريو آخر قد يحدث، في ظلّ مواقف السعودية المعلنة بشأن القضية الفلسطينية، هو أن يبقى التنسيق الاستخباراتي قائماً، وقد يتوسّع إلى أكثر مما هو عليه الآن، من دون أن يصل إلى تحالف سياسي وعسكري متكامل نحو تطبيع شامل، بالتالي، ستظلّ فرص التطبيع مرتبطة بمدى الثمن الذي ستدفعه الرياض مقابل ما يُقدَّم لها من خدمات استخباراتية لمواجهة أنصار الله في اليمن حال توسّعت المواجهة أكثر، وكلّ هذا مرهون أيضاً بالموقف الأميركي الداعم بقوة لإحداث اختراق في الملف السياسي بين السعودية و"إسرائيل"، وهو ما تحدّث عنه الرئيس ترامب في تصريحاته الأخيرة.
أما المآلات المتوقّعة في هذا الاتجاه، فمن المرجّح أن تسعى "إسرائيل" قدماً إلى توظيف المواجهة اليمنية مع السعودية لتطوير قدراتها الاستخباراتية وتعزيز تعاونها الأمني وتوسيعه، مع الإبقاء على رغبتها في التقدّم في المسار السياسي للتطبيع مع السعودية واقتناص الفرصة لتحقيق ذلك. لكن، على الزاوية الأخرى من الصورة، سيظلّ الخيار العسكري ضدّ إيران حاضراً بقوة.
وبالتالي، ستتوقّف نتائج هذه الاستراتيجية على قدرة جماعة أنصار الله في اليمن على الحفاظ على قدراتها، ومدى تماسك جبهات محور المقاومة، وقد تتجدّد في ظلّ هكذا ظروف محاولات دفع التطبيع السعودي الإسرائيلي في أيّ مرحلة، لكنّ هذه النقطة تحديداً ستظلّ محكومة بحسابات الرياض والقضية الفلسطينية، هل ستتجاوز هذه النقطة أم ستبقى متمسّكة بها؟ إلى الآن، أعتقد أنّ هناك حالة رضا كبيرة عن الخدمات الاستخباراتية الإسرائيلية التي تُقدَّم لها، لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه: هل ستبقى السعودية متمسّكة بموقفها أم ستنزلق وتخضع للابتزاز والضغط السياسي؟
من جانب آخر المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران، ستبقى مرتبطة بالحسابات السياسية لنتنياهو في هذه الفترة قبيل الانتخابات، مع الأخذ بعين الاعتبار حسابات الكلفة والمخاطر الناجمة عن سيناريو اتساع الحرب، وهذا سيكون ضمن حسابات نتائج ما يجري في الجبهة اليمنية.
المقاربة الإسرائيلية تجاه اليمن تتجاوز مواجهة القدرات العسكرية لأنصار الله، لتستهدف إضعاف منظومة الردع الإقليمية المرتبطة بإيران في المنطقة هذا هدف مكشوف بالمناسبة، وتهدف في الأساس إلى إعادة تشكيل التحالفات بما يخدم مصالح "إسرائيل"، غير أنّ هذه الحسابات تصطدم بحقيقة أنّ اليمن ليس جبهة هامشية في محور المقاومة بل أساسية ومهمة، وأنّ إيران ليست دولة سهلة يمكن إخضاعها بمجرّد الضغط على اليمن.
فجماعة أنصار الله تمتلك موقعاً جغرافياً مؤثّراً وقدرات تتيح لها فرض تحدّيات على الحسابات الإسرائيلية بالدرجة الأولى، فيما تمثّل إيران قوة إقليمية ذات مكانة مهمة وخياراتها أيضاً متعدّدة، وهكذا أثبتت الحرب والحصار المفروض عليها. لذلك، فإنّ نجاح "إسرائيل" في إضعاف أيّ جبهة من جبهات محور المقاومة لا يعني بالضرورة تحقيق "إسرائيل" أهدافها الاستراتيجية.
لذلك، فإنّ الرهان الإسرائيلي على تحييد جبهة اليمن أو إضعافها تمهيداً لمحاصرة إيران قد يتحوّل إلى معضلة استراتيجية في وجه "إسرائيل"؛ فالقوة العسكرية تستطيع أن تقصف وتدمّر لكن لا تضمن تحقيق الأهداف كاملة، كما أنّ استهداف جبهات المقاومة الأخرى لا يعني بالضرورة النجاح في تفكيكها فهي تلقائياً تعيد بناء نفسها وهذا جزء من عقيدة المقاومة ومحورها.
لذلك، ستظلّ المشهدية تقول إنّ قدرة أنصار الله على الصمود، وقدرة إيران على إدارة المواجهة وأيضاً الصمود رغم كبر المؤامرة والتحدّيات، يشكّلان عاملين مؤثّرين في منع فرض معادلات إقليمية أحادية تخدم "إسرائيل" على حساب شعوب المنطقة وقضاياها.
المشهدية في اليمن تقول إنّ الاختبار الحقيقي ليس حجم التنسيق الاستخباراتي مع السعودية أو حجم الضربات الجوية التي يتعرّض لها اليمن، بل القدرة على تحويل هذا الضغط إلى إنجاز سياسي في أيّ جهد سياسي يبذل، أما إلى الآن فمن جهة "إسرائيل"، فهي لم تنجح في ذلك.
لقد أثبتت المواجهة العسكرية أنّ القدرات اليمنية تستطيع فرض تحدّيات تتجاوز الإمكانيات التقليدية، فيما تمثّل إيران عاملاً أساسياً في معادلات القوة الإقليمية بما تمتلكه من قدرات وخيارات استراتيجية، وبالتالي، فإنّ أيّ محاولة لتفكيك هذه المعادلة ستواجه اختبارات صعبة تتعلّق بقدرة "إسرائيل" على تحمّل كلفة المواجهة في منطقة تطمح إلى أن يكون لها دور جيوسياسي كبير لكنها ما زالت عاجزة عن تحقيق ذلك.