حكومة وحدة إسرائيلية واسعة مع نتنياهو هل يصبح المُستحيل مُمكناً...!

الساعة 02:18 م|18 أكتوبر 2026

فلسطين اليوم | محمد هلسه

تفيد غالبية استطلاعات الرأي قُبيل الانتخابات الإسرائيلية للكنيست 26 أن أياً من الطرفين المتنافسين (الائتلاف الحاكم والمعارضة) لن يكون بمقدوره حسم السباق الانتخابي لمصلحته بأغلبية واضحة تُمكّنه من تشكيل حكومة مستقرة من 61 عضو كنيست، ما يعني فتح الباب أمام جولة انتخابات جديدة، خاصة إذا ما استمرت أحزاب المعارضة في التمسك بمواقفها الرافضة للشراكة أو التحالف مع الأحزاب العربية.

ويبدو أن هذه الخُلاصة بدأت تُحرك بعضاً من المياه الراكدة في مسارات اعتُبرت حتى الأمس القريب، خُطوطاً حُمراً، تعهّد كل طرف بأنه لن يسلكها. ولا يمكن للمتابع إلا أن يلحظ إشارات، لا تُخطئها العين، تدفع إلى الاعتقاد أن خيار حكومة الوحدة الموسّعة هو أحد هذه المسارات التي بدأ الرهان عليها داخلياً وخارجياً، لقطع الطريق على جولة انتخابات جديدة، لا تضمن الفوز لأي من الكتلتين وربما تفاقم وضعهما، ومنع الشراكة مع الأحزاب العربية، وإخراج "إسرائيل" من نفق الصراع الداخلي وإنهاء الصراعات الخارجية، والبدء بترتيبات سياسية مع الأقليم، تُعيد تبييض صورة "إسرائيل" ودمجها مجدداً في المنظومة الدولية، بعد حالة العزلة والقطيعة التي تعيشها منذ ما يقارب الثلاث سنوات.

داخلياً، بدأ نتنياهو يأخذ مسافة من بن غفير، فلم يوقّع معه اتفاقية فائض الأصوات، كما كان متوقعاً، وفضّل عوضاً عنه حزب سموتيرتيش، ثم أجرى بعض اللقاءات والترتيبات الانتخابية واستثناه منها، ووجّه له أخيراً، بعد تكرار مُطالبته العلنية بوزارتي الدفاع والعدل، رسالة حادة معلناً فيها أنه، أي بن غفير، لن يحصل على هاتين الوزارتين، وأنهما ستبقيان في يد الليكود.

هذه الخطوات سبقها تصريح لـ "ميكي زوهر" وزير الثقافة الإسرائيلي، ذكر فيه بأنه لا يستبعد الشراكة مع أيزنكوت. الشيء نفسه قاله رئيس الدولة "هرتسوغ"، الذي أكد أنه سيفعل ما بوسعه للدفع نحو حكومة وحدة موسّعة. وعليه فإن القطيعة مع بن غفير، ليست مجرد إجراء تصعيدي لاسترداد بعض أصوات الناخبين اليمينيين التي "سحبها" من الليكود، بل هي رسالة "يغازل" فيها نتنياهو أيزنكوت ويبقي الباب مفتوحاً على إمكان التحالف معه بعد ظهور نتيجة الانتخابات، وهو ما يلتقي مع خطاب سابق لنتنياهو قال فيه إنه سيدعو إلى حكومة وحدة واسعة، ما أثار غضب وحفيظة بن غفير الذي دعا نتنياهو إلى الإصرار على حكومة يمينية كاملة فقط.

على المقلب الآخر، يحتدم الجدل داخل أحزاب المعارضة ويتبادل زعماؤها الاتهامات على خلفية تضارب المواقف والتنافس الشديد على استقطاب الناخبين. فقد شنّ أفيغدور ليبرمان زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" هجوماً على زعيم حزب "يشار"، غادي آيزنكوت، المرشّح الأوفر حظّا لتشكيل حكومة من معسكر الأحزاب الصهيونية المعارِضة، مُتهماً إياه بالسعي إلى تشكيل حكومة مع بنيامين نتنياهو ويتسحاق غولدكنوبف وأرييه درعي قائلاً: "آيزنكوت يسعى إلى إقامة حكومة مع نتنياهو والحريديم ويُبقي خيار حكومة الأقلية على الطاولة كأداة ضغط على نتنياهو ليكون الأول في المداورة على رئاسة الحكومة".

ويبدو أن ليبرمان، الذي يؤكد موقفه المُحتدّ، عجز المعارضة وحدها عن تشكيل حكومة أغلبية واستشعاره إمكانية الغدر من شركائه في المعارضة، يشتمّ رائحة المساعي الأميركية للدفع نحو حكومة موسّعة، فالإحاطات الآتية من البيت الأبيض، ومواقف المقرّبين من آيزنكوت في قضايا التجنيد والدستور، إضافة إلى سلوك نتتياهو تجاه بن غفير، وردود الأخير العاتبة على نتنياهو، تعزّز هذه المخاوف لدى ليبرمان.

وبحسب ليبرمان فإن "الطريقة الوحيدة لإحباط هذا السيناريو، هي قيام الأحزاب الأربعة في معسكر المعارضة بتحقيق أغلبية صلبة، تتيح تشكيل حكومة صهيونية وليبرالية، وتمنع آيزنكوت من إنقاذ نتنياهو للمرة الثانية".

وبالعودة إلى الموقف الأميركي، فقد أشارت صحيفة "يسرائيل هيوم"، العبرية إلى أن تصريح الرئيس الأميركي، بشأن إمكان اتخاذ موقفٍ من الانتخابات الإسرائيلية، "يتقاطع فيه الاستحقاق السياسي الداخلي مع السياسة الجيو- استراتيجية". وأوضحت الصحيفة، أن المقصود هو "تطبيق خطة ترامب للشرق الأوسط، بعد الحسم مع النظام في إيران، وإقامة تحالف واسع على أساس اتفاقيات أبراهام"، حيث لم يتبقَّ لترامب سوى سنتين كحد أقصى لاستكمال إرثه السياسي وتبدو السياسة الإسرائيلية الحالية إحدى العقبات في طريقه.

وتضيف الصحيفة، "لهذا السبب، تعمل الإدارة الأميركية وأطراف دولية أخرى في المنطقة، لم تسمّها، على الدفع بنموذج حكومةٍ إسرائيلية موسّعة، تكون قادرة على اتخاذ قرارات مصيرية وبعيدة المدى، ضمن إطار تسوية سياسية شاملة". وبحسب الصحيفة كذلك، ووفقاً لمصدر أميركي رفيع، "فقد أُبلغت هذه الرسالة مباشرة لشخصيات سياسية بارزة في "إسرائيل"؛ سواء بشكل مباشر، أم عبر القنوات الدبلوماسية المُعتادة".

وفي هذا السياق التقى السفير الأميركي لدى "إسرائيل"، مايك هاكابي، بعدد من قادة الأحزاب الإسرائيلية، بمن فيهم أيزنكوت، وأوضح لهم أن المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة، سيرحّب بحكومة موسّعة، ومستقرّة، وخالية من العناصر المتطرفة.

ويبدو أن السيناريو المطروح يتلخّص في "تشكيل حكومة برئاسة الليكود، وحزب "يشار"، بناءً على توافق يقضي ببقاء نتنياهو في المشهد السياسي لفترة مُحددة لا تتجاوز سنتين، يُخصِّصها لإنهاء الحروب على الجبهات كافة، وإبرام اتفاقيات سياسية مع عدد من دول المنطقة وفي مقدمتها السعودية، ليخرج بعدها إلى التقاعد.

وفي حال اتفق نتنياهو وآيزنكوت على التناوب، فسيكون بإمكان آيزنكوت أن ينسب لنفسه الفضل في إطاحة بن غفير وسموتريتش، وأن يسعى لإعادة الهدوء إلى الضفة الغربية، وأن يطالب بتشكيل لجنة تحقيق في أحداث السابع من أكتوبر، وأن يضع حداً للانقلاب القضائي. أما نتنياهو، فسيكون بإمكانه القول إنه تمكّن من البقاء في السلطة وانتصر خطه السياسي، فلن تتبنّى الحكومة أي مبادرات سياسية.

وإذا كان هذا السناريو ممكناً بُعيد الحملة الانتخابية للكنيست في العام 1984، بعدما ساد جو من الكراهية والاحتقار الشديد بين شمعون بيريس وإسحاق شامير ومعسكريهما المتنافسين، وبلغت المنافسة بينهما ذروتها، ولم يُخيّل لأي منهما، حتى في أحلامه، أنهما سيشكلان حكومة واحدة، فإن إمكانية حدوث مثل هذا السيناريو بين نتنياهو وآيزنكوت واردة لسبب آخر، هو غياب العداء الشخصي بين الزعيمين. أما وأن البديل أسوأ لكليهما، فقد يكون هذا أهون الشرّين، ففي السياسة ليس هناك عدو دائم أو صديق دائم، بل مصالح دائمة.

 

 

كلمات دلالية