وفي الإبادة خيار وفقوس

الساعة 01:05 م|18 أكتوبر 2026

فلسطين اليوم | جعفر عباس

في المثل العامي، أن يعمل الإنسان "خيار وفقوس" حول أمر ما، يعني أنه يميل إلى طرف ويناصره دون الآخر، بينما الإبادة الجماعية هي التدمير المتعمد والمنهجي لمجموعة من الناس، بسبب عرقهم أو جنسيتهم أو دينهم أو أصلهم، ويتجلى تفضيل الخيار على الفقوس، فيما يلي الإبادة الجماعية، في أن المؤرخين والكتاب الغربيين، سودوا ملايين الصفحات عن جرائم النازيين في ألمانيا والجوار الأوروبي بحق اليهود، حتى صارت كلمة "محرقة"  تعني فقط هولوكوست، وصارت هولوكوست تعني فقط حرق اليهود في معسكرات الاعتقال النازية في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، مع أن الكلمة يونانية قديمة تعني حرق القربان أمام الآلهة، ولن تجد ذكرا في أدبيات الغرب، لأعمال الإبادة الهمجية التي مارسها الألمان في ناميبيا في جنوب غرب أفريقيا في حق شعب الهيريرو. كما أن هناك مئات الكتب عن جرائم الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين، والذي تسببت سياساته القمعية، في هلاك ملايين الروس، ولكن المؤرخين والإعلاميين الأوربيين يتوقفون طويلا عند قتل الجيش السوفييتي، تحت ظل حكم ستالين، لنحو 22 ألف من العسكريين والمثقفين البولنديين.

شهدت أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية أعمال إبادة بشعة، ولكن، ولأن ضحاياها لم يكونوا من البيض، ولأن البيض هم من ارتكبها، فإنها شبه منسية، ففي هاييتي وجمهورية الدومينيكان والتي كان يسكنهما ثمانية ملايين نسمة، قتل المستعمر الإسباني، تلك الملايين في غضون ثلاثين سنة، ولم ينج من الإبادة إلا نحو عشرين ألفا، ولم يرتفع عديد السكان فيهما إلا بعد جلب الرقيق الأفريقي.

في اجتماع للقادة الأوربيين في برلين، لتقاسم النفوذ في أفريقيا في عام 1885، منح أولئك القادة ليوبولد الثاني ملك بلجيكا، مليوني كيلومتر مربع، كإقطاعية خاصة به، فكان أن أسماها ولاية الكنغو الحرة، (حُرة بمعنى أنها لا تتبع دولة ما، بل شخصه فقط). وهلك في تلك "الولاية" ما يناهز الـ 10 ملايين، وتعرض عشرات الآلاف، ومن بينهم الأطفال لبتر الأعضاء، لعدم تحقيق سقوف وحصص الإنتاج المطلوبة من الزراعة والتعدين والصيد. وكان الجنود البلجيكيين يخطفون الأطفال الأفارقة و"يربونهم" في حظائر، كي يعملوا بالجندية او الأعمال الحقلية عندما يشتد عودهم، وتحت ضغوط من البرلمان، تنازل ليوبولد عن اقطاعيته، ليس رأفة بالكنغوليين، ولكن كي تصبح الكنغو ملكية بلجيكية عامة.

وفيما يعرف اليوم بكندا والولايات المتحدة، كان هناك نحو عشرة ملايين، من السكان الأصليين، عندما جاء المستعمرون الفرنسيون والإنجليز، ابتداء من القرن السابع عشر، ثم على مدى خمسة قرون، تم إفناء الملايين، ولم يتبقّ منهم غير نحو 237 ألفًا فقط، يقيمون اليوم في حظائر اسمها "محميات"، وكانت الإبادة سياسة حكومية ممنهجة: قتل مباشر، وتهجير قسري والتسبب في مجاعات، بمصادرة الغذاء، وفي عام 1788م كان عديد سكان أستراليا الأصليين (الأبورِّجنيز)،  750 ألفًا، وبحلول عام 1911م لم يبق منهم إلا نحو 1000 فقط، وكان ذلك بالأساليب نفسها: مذابح منظمة، حملات إبادة، أمراض فتاكة، مجاعات، سرقة أطفال، مصادرة موارد. أما  جزيرة تسمانيا التي تم ضمها الى استراليا عام 1804م، فقد كان يعيش عليها قبل ذلك نحو 450 ألف نسمة، وفي غضون ثمانين عامًا كانوا قد أبيدوا تماما أي أن نسلهم انقطع كليا.

أما الأرجنتين فقد كانت ولا تزال ـ إلى حد ما ـ أكثر بلاد الأرض ممارسة للتمييز العنصري، فقد كانت عبر القرون موطنا لسكان محليين، ثم توافد عليها الأوربيون خاصة الألمان والإسبان، ثم جريا وراء عادة الانسان الأبيض استجلبوا الرقيق من افريقيا ليعملوا في المزارع، حتى بلغ عدد السود في العديد من الأقاليم نصف السكان، بل شكلوا ثلث سكان العاصمة بوينس إيرس في القرن التاسع عشر، ثم تم الزج بآلاف الأفارقة في حرب الارجنتين ضد باراغواي، فماتوا بالجملة، ومن بقي منهم على قيد الحياة افترستهم الحمى الصفراء بعدما عزلوهم في مناطق بلا زرع او ضرع، وبإعلان الأرجنتين  جمهورية "بيضاء"، هربت القلة القليلة الناجية من السود الى البرازيل وأورغواي (نصف سكان البرازيل حاليا ينحدرون من أصول أفريقية).

وتثبت الوقائع التاريخية أن الرأسمالية في الغرب، قامت على الإبادة: غزت الدول الأوربية عشرات البلدان، وأعملت في سكانها تقتيلا وتشريدا واستغلالا في ظروف ممعنة في القسوة، وانتشرت المجاعة لقرون في غرب أفريقيا لأنها خلت من القادرين على العمل من الجنسين، بعد شحن عشرات الملايين من شباب الرجال والنساء الى مختلف الدول الغربية.

ثم انظر كيف تتعامل كبريات وسائل الإعلام الغربية مع مجازر غزة والضفة الغربية، فالقنوات الأمريكية والبريطانية مثلا لا تتحدث عما يحدث هناك على أنها مجازر أو إبادة جماعية. ومقتل عشرات الآلاف والدمار الشامل للممتلكات العامة والخاصة عند بي بي سي، وسي إن إن، هو حرب غزة Gaza War، وليس الحرب "على غزة"، وهما غير معنيتين بمشاهد وصور الدمار والخراب في غزة. وبأسلوب ليّ الذراع اشترت واشنطن من الطرف الصيني "نسخة" من تطبيق تيك توك، وما أن ينشط فرد أو كيان أمريكي في فضح جرائم إسرائيل في غزة حتى تمتد ذراع أمريكية خفية لشطب كامل المحتوى المتعلق بتلك الجرائم أو حظر من يقومون بنشرها تماما.

والشاهد هنا هو أن الغرب بإعلامه وأَعلامه لا يرى أن هناك جرائم تستحق الرصد والتوثيق ما لم يكن ضحيتها من البيض، وهم بذلك يقولون إنه لا تثريب على من يهدر دم الأجناس الأخرى.

كلمات دلالية