كيف أنهى ترامب ونتنياهو وحلفاؤهما العرب هيمنة أميركا بالمشرق؟

الساعة 03:52 م|17 أكتوبر 2026

فلسطين اليوم | مازن النجار

كيف ساهمت حروب وانقلابات لا تنتهي، لا سيما الحرب الإمبريالية على إيران، في إنهاء الهيمنة الأميركية أو "السلام الأميركي" Pax Americana وضمنت صعود نظام عالمي آسيوي إسلامي جديد بالشرق الأوسط. 

 

شهدت هذه المرحلة انهيار ركائز القوة الأميركية: التفوق العسكري، والهيمنة الاقتصادية، والشرعية الأخلاقية. وأظهرت حرب الاستنزاف الإيرانية متعددة المستويات هشاشة هذه القوة وانكشافها؛ وتراجع اعتماد الدول على الهياكل المالية الخاضعة للسيطرة الأميركية كأحد المخاطر السيادية الجسيمة؛ وانهارت السلطة الأخلاقية التي تغطي وتغذي النزعة التدخلية الإمبريالية.  

 

سقوط الشاه وإعلان مبدأ كارتر 

بعد الحرب العالمية الثانية، رسّخت أميركا مكانتها كقوة غربية إمبريالية رئيسية في الشرق الأوسط، خلفًا لإمبراطوريات أوروبية متداعية. ومع ذلك، وعلى مدى أربعة عقود ونيف تقريبًا، كبح السوفيات طموحات واشنطن بالشرق الأوسط عبر بناء تحالفات قوية بمصر وسوريا والعراق والجزائر وجنوب اليمن. 

 

تصف الأكاديمية وأستاذة العلوم السياسية، ميترا راهب، كيف كانت المنطقة ساحة متقلبة لصراعات الحرب الباردة، في ظل نظام دولي ثنائي القطبية، وأعيد تشكيلها مرارًا بفعل حركات التحرر من الاستعمار والتحولات الثورية. 

 

إلا أن الثورة الإيرانية عام 1979 أطاحت هذا التوازن بتدميرها نظام الشاه، الركيزة العسكرية الأساسية لاستراتيجية واشنطن بالخليج. في مواجهة خطر فقدان ركيزتها الإقليمية المركزية، أطلقت واشنطن "مبدأ كارتر"، معلنةً أنها ستستخدم القوة العسكرية المباشرة للدفاع عن نفوذها بالخليج وتأمين تدفقات الطاقة. ولفرض هذا المبدأ، نقلت واشنطن السعودية ودول الخليج من شركاء ماليين إلى ركائز أمنية محلية رئيسية، لإحلالهم محل إيران كشريك أمني وحيد بالمنطقة.

 

ترصد الباحثة أنه طوال ثمانينيات القرن الماضي، عمل هذا النموذج الأمني ​​الخليجي الجديد تحت وطأة فرضيات الحرب الباردة، والتنافس الأميركي السوفياتي المباشر على النفوذ بأنحاء المنطقة. حال هذا التنافس دون تصرف واشنطن بحرية تامة، إذ واصلت موسكو تسليح حلفائها الإقليميين وموازنة القوة الأميركية.

 

لكن هذا القيد زال مع انهيار السوفيات عام 1991 وبروز الأحادية القطبية الأميركية، ما سمح لواشنطن بتحويل اتفاق أمني محلي إلى حقبة تدخل عسكري غير مقيد.

 

ترى الباحثة، أن بنية هذه السيطرة المطلقة اليوم باتت في حالة يرثى لها. فما كانت واشنطن تعتبره نظامًا إقليميًا دائمًا بالشرق الأوسط، انهار تحت وطأة تمدداتها الاستراتيجية الباهظة. من انسحاباتها العسكرية من العراق وأفغانستان إلى فشلها في احتواء إيران وانهيار الردع التام في البحر الأحمر، لم تعد واشنطن تمتلك القوة أو المصداقية لإملاء الوقائع بالمنطقة.

 

انهيار ركائز القوة الأميركية

كيف إذًا فقدت قوة عظمى عالمية هيمنتها الإقليمية بهذه السرعة؟ ما الأخطاء الاستراتيجية التي أدت لانحدارها؟ 

 

للإجابة على هذا السؤال، ينبغي دراسة الانهيار المنهجي لركائز القوة الأميركية الأساسية الثلاث: التفوق العسكري، والهيمنة الاقتصادية، والشرعية الأخلاقية. 

 

على مدى عقود، فرضت القوة العسكرية الأميركية تفوقًا جويًا وبحريًا كاملًا على مستوى العالم. وبفضل منصات مثل مقاتلات الجيل الخامس إف-35 وحاملات طائرات تعمل بالطاقة النووية، مثل أبراهام لينكولن، احتكرت واشنطن بلا منازع الحرب عالية التقنية. لكن هذا الدرع عالي التقنية أخفى هشاشة هيكلية عميقة: عدم استعداد البنتاغون التام لحروب القرن الحادي والعشرين الصناعية.

 

ترى ميترا راهب أن هذه الهشاشة لم تكن أكثر وضوحًا مما كانت عليه خلال مواجهة واشنطن لإيران، حيث أرسلت الولايات المتحدة أسطولا ضخما صُمِم وبُني بالقرن العشرين للعمل بمياه أعالي البحار الزرقاء العميقة، ليخوض معارك بمياه الخليج الساحلية الضيقة الضحلة.

 

إضافةً لعدم استعدادها لمواجهة تحديات حروب هذا القرن غير المتناظرة، لا تزال واشنطن تعاني مشكلات صيانة وتصنيع مزمنة بأنحاء قاعدتها الصناعية العسكرية. ففي حالة العناصر الخام الحيوية كالجرمانيوم والغاليوم، تجد واشنطن نفسها تعتمد بشكل كبير على خصوم استراتيجيين كالصين لبناء أنظمة التوجيه الدقيق، ومنظومات الرادار، وصواريخ الدفاع الجوي المتقدمة.

 

حرب استنزاف إيرانية

بحسب الباحثة، يجعل هذا الاعتماد، بدوره، الاستمرار في صراع طويل الأمد شبه مستحيل عمليًا، إذ تواجه القوات الأميركية استنزافًا سريعًا لمخزونها، وهو واقع هيكلي استغلته إيران استغلالًا كاملًا بحرب استنزاف متعددة المستويات. 

 

من خلال نشر طائرات مسيّرة رخيصة الثمن تُنتج بكثرة وصواريخ باليستية في البحر والجو والبر، مثلا، أوقعت إيران القوات الجوية الأميركية بمأزق رياضي (حسابي) لا يُحتمل. فقد أجبرت مجموعات حاملات الطائرات الهجومية، التي تُقدّر تكلفتها بمليارات الدولارات، وبطاريات الدفاع الجوي الأرضية، على إنفاق صواريخ اعتراضية محدودة بقيمة مليوني دولار للواحد منها بمواجهة مسيّرات إيرانية كثيفة لا تتجاوز تكلفة إحداها 20 ألف دولار. 

 

كذلك، ولأن هذه الصواريخ الاعتراضية عالية التقنية فإنها لا تعوّض بسرعة، فكل صاروخ يُطلق يُمثّل استنزافًا دائمًا للجاهزية القتالية الأميركية، مما يُتيح فرصة استراتيجية مباشرة لمنافسيها.

 

أدوات الهيمنة المالية

مع ذلك، لم يكن الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط مستدامًا إلا بقدر استدامة النظام المالي الذي يُموّله. لطالما استندت الهيمنة الإقليمية الأميركية غالبا على السيطرة النقدية، وتحديدًا على البترودولار والسلطة المركزية على النظام المصرفي العالمي عبر شبكة سويفت. وقد منحت هذه الاحتكار النقدي واشنطن أداة دبلوماسية مؤثرة، بما في ذلك القدرة على تجميد احتياطيات بنوك مركزية أجنبية، وفرض عقوبات أحادية الجانب، وعزل دول بأكملها عن التجارة الدولية.

 

مع ذلك، تلاحظ الباحثة أنه بتكرار استخدام هذا النفوذ، أشارت واشنطن للمجتمع المالي العالمي الأوسع، وليس فقط الدول المستهدفة، بأن الاعتماد على الهياكل المالية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة يعني مخاطر سيادية جسيمة.

 

وهكذا، بينما اضطرت إيران للبحث عن آليات تسوية بديلة لتجاوز العقوبات، بدأت دول مُصدِّرة للطاقة غير مُستهدفة، مثل السعودية والإمارات، بتنويع خياراتها. فمن خلال توسيع نطاق مقاصة النفط والغاز غير المُقوَّمة بالدولار، والتسوية بالعملات المحلية مع مشترين رئيسيين مثل الصين، والمشاركة بمنصات العملات الرقمية متعددة الأطراف مثل مشروع mBridge، شرعت هذه الدول فعلياً في عزل أسواق الطاقة الرئيسية عن الولاية القضائية الغربية الحصرية.

 

في الوقت نفسه، تآكل الانضباط المالي اللازم للحفاظ على عملة احتياط بالداخل. فعقود من الحروب الخارجية غير المدرجة بالميزانية، واستخدام القوات المستمر، لم تدفع فقط عجز الميزانية الفيدرالية الأميركية فوق تريليوني دولار سنويا، بل رفعت أيضاً إجمالي الدين القومي ليتجاوز 41 تريليون دولار. تُنفق واشنطن الآن موارد مالية ضخمة للحفاظ على وجود إقليمي متراجع، في حين تفقد الأدوات النقدية التي كانت تدعم نفوذها قدرتها على التنفيذ.

 

انهيار السلطة الأخلاقية

لعلّ شيئًا لم يُلحق ضررًا بالهيمنة الأميركية بقدر ما ألحقه انهيار سلطتها الأخلاقية. فعلى مدى عقود، قامت واشنطن، بمساعدة وسائل الإعلام الغربية ومراكز الأبحاث، بتلفيق واستخدام سرديات أخلاقية لتبرير الانقلابات والغزوات العسكرية وتغيير الأنظمة بالقوة. وسواءً أكان ذلك من خلال انقلاب إيران (1953)، أو غزو واحتلال أفغانستان (2001) والعراق (2003)، أو عمليات تغيير الأنظمة في ليبيا (2011) وسوريا (2024) فقد استخدمت واشنطن مرارًا وتكرارًا تظاهرها بالأخلاق لخدمة مصالح جيوسياسية.

 

وبينما نجحت واشنطن لفترة طويلة في حماية سرديتها العالمية من الاتهامات بالنفاق، فقد تحطم هذا الدرع مع الصراعات بأوكرانيا وغزة. فمن خلال مطالبتها روسيا بالالتزام بالقانون الدولي، بينما تحمي حليفتها إسرائيل منه فعليا، كشفت واشنطن عن "نظامها القائم على القواعد" كمجرد سياسة نفاقية مصممة فقط لمصلحة الولايات المتحدة وبعض حلفائها.

 

وهكذا، بحلول وقت دخول واشنطن مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، كانت سلطتها الأخلاقية قد تآكلت بالفعل. بعد أن فقدت السلطة الأخلاقية الأميركية الشرعية التي كانت تدعم قيادتها العالمية، لم تعد القوة الدافعة التي كانت عليها، بل أصبحت مجرد سردية فقدت قدرتها على الإقناع.

 

قصارى القول أن اجتماع الاستنزاف العسكري والتآكل المالي والانهيار الأخلاقي يمثل نهايةً حتميةً للهيمنة الأميركية. هذا لا يعني أن الولايات المتحدة ستنهار غدًا؛ فهي لا تزال قوةً عظمى. بل يعني أن النظام الذي هيمن عليه الغرب خمسة قرون، ونقل مراكز القوى العالمية من آسيا والعالم الإسلامي للغلاب، قد انتهى فعليا. إن مواجهة واشنطن مع إيران ليست أزمةً معزولة، بل هي عرضٌ لتحولٍ هيكليٍّ جذري: إطارٌ دوليٌّ جديدٌ يتشكل وفقًا لنظامٍ عالميٍّ آسيوي إسلاميّ.