الذاكرة العسكرية والهوية العربية في زمن التطبيع

الساعة 02:09 م|17 أكتوبر 2026

فلسطين اليوم | السيد شبل

في صفّ الأطفال الصغار، حيث يتعلّم التلاميذ ويمرحون، استوقفني مشهد بدا، للوهلة الأولى، مجرّد نشاط مدرسي احتفالاً بذكرى السادس من أكتوبر (التي يُحتفى بها في مصر على مدار الشهر كاملاً).

 

كان الأطفال يرتدون أزياء عسكرية تحاكي ملابس الجيش المصري، ويؤدّون مشاهد تمثيلية بسيطة تستعيد أجواء الحرب، في مواجهة عدو إسرائيلي افتراضي يحاول اختراق صفوفهم والسيطرة على جزء من الأرض التي حدّدتها المعلمة باعتبارها أرض الوطن.

 

كان الأطفال يتوزّعون بين جنود مصريين وآخرين عرب، يتكاتفون لمنع العدو من التقدّم، في صورة مبسّطة تختزل، على نحو لافت، كثيراً من المعاني التي حملتها الحروب العربية الإسرائيلية في الوعي الجمعي لأجيال متعاقبة: الأرض، والمقاومة، والتضامن العربي، واستعادة الكرامة بعد الهزيمة.

 

​لم يكن المشهد مهماً بسبب دقّته التاريخية أو العسكرية؛ فالأطفال، بطبيعة الحال، لا يستوعبون تعقيدات حرب أكتوبر، ولا الحسابات السياسية التي سبقتها أو أعقبتها. لكنّ أهميته تكمن في أنّ هذه الحرب لا تزال حاضرة في المخيال الوطني، وأنّ ذكراها ما زالت تنتقل من جيل إلى آخر عبر المدرسة والأسرة والإعلام والاحتفالات الرسمية.

 

هنا تحديداً تكمن دلالة المشهد، فبعد أكثر من أربعة عقود على توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، لم يؤدِّ إنهاء الحرب بين الدولتين إلى إنهاء الصراع على المعنى والذاكرة، ولا إلى نشوء تطبيع شعبي وثقافي شامل.

 

فإلى اليوم تنظر قطاعات واسعة من المجتمع المصري إلى "إسرائيل" من خلال تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، واستمرار الاحتلال، ومصير الفلسطينيين، لا من خلال العلاقات الدبلوماسية الرسمية.

 

يأتي هذا في وقت تشهد فيه المنطقة موجات تطبيع كبرى وضغوطاً أميركية متتالية على الأنظمة العربية لتلطيف السياسات وتغيير المناهج والمواقف تجاه "إسرائيل".

 

من هنا تبرز الأهمية القصوى لإحياء ذكرى حرب أكتوبر. فبغضّ النظر عن أيّ جدل سياسي حول طبيعة العمليات العسكرية والنقاش حول مفهوم النصر أو الدور الذي أدّاه السياسيون لاحقاً ومآلات الأمور، يبقى الأهم أنّ تلك الحرب تُجدّد بانتظام الذاكرة المصرية والعربية، وتؤكد أنّ "إسرائيل" هي العدو الرئيسي والمركزي لهذا البلد.

 

​الاستياء الإسرائيلي.. لماذا تؤرقهم احتفالات أكتوبر؟

قدر معتبر من دلالة الاحتفال المصري بذكرى السادس من أكتوبر يكمن في استعادة بطولات الجيش المصري، وفي الاحتفاء بقدرته على عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف؛ لكنّ الأمر لا يقف عند هذا الحدّ، فثمّة جانب آخر أكثر حساسية في هذه الذاكرة، يتعلّق بصورة "إسرائيل" نفسها في الوعي الشعبي المصري، وبالسؤال الذي ظل قائماً منذ توقيع معاهدة السلام: هل أنهى السلام الرسمي حالة الحرب فحسب، أم كان يفترض أن ينهي أيضاً صورة "إسرائيل" باعتبارها عدواً؟!.

 

حين يحتفل المصريون بحرب أكتوبر، فإنهم لا يستحضرون معركة مجرّدة من أطرافها، ولا يروون قصة عسكرية يمكن فصلها عن سياقها السياسي. إنهم يستعيدون حرباً خاضها الجيش المصري ضد "إسرائيل"، بعد احتلال سيناء، في إطار صراع أوسع شمل الأراضي الفلسطينية والجولان السوري.

 

هذا المعنى لا يختفي لمجرّد أنّ الأجيال الجديدة لم تشهد الحرب، أو أنّ اتفاقية السلام دخلت حيّز التنفيذ قبل ولادة آبائهم أنفسهم. فالمدرسة والإعلام والاحتفالات الوطنية تنقل إلى هؤلاء صورة تاريخية عن الصراع، يصبح فيها العبور رمزاً لاستعادة الأرض وكسر التفوّق الإسرائيلي، في الوقت ذاته تظل "إسرائيل" حاضرة في الرواية بوصفها الخصم الذي خاضت مصر الحرب ضده.

 

ومن هنا، فإنّ استمرار إحياء ذكرى أكتوبر لا يحافظ على الفخر العسكري وحده، بل يسهم أيضاً في استمرار حضور صورة "إسرائيل" باعتبارها عدواً في جانب من الوعي الجمعي المصري.

 

بالنسبة إلى قطاعات من النخب الإسرائيلية التي تنظر إلى التطبيع بوصفه عملية ينبغي أن تمتد من المستوى الرسمي إلى المجتمع والثقافة والتعليم، فإنّ استمرار هذه الصورة هو عقبة أمام الوصول إلى مصالحة شعبية أوسع. فالمشكلة، وفق هذا التصوّر، ليست في وجود معاهدة سلام أو غيابها، بل في أنّ الطرف الذي أصبح شريكاً في العلاقات الدبلوماسية لا يزال حاضراً في الذاكرة الشعبية باعتباره عدواً تاريخياً.

 

وربما يكون "السلام" قد أنهى الحرب المباشرة بين مصر و"إسرائيل"، لكنه لم يُنهِ بالضرورة العداء الشعبي لها. وما دام هذا العداء يجد ما يغذّيه في الذاكرة التاريخية وفي الوقائع السياسية الراهنة، بسبب استمرار جرائم الإبادة الإسرائيلية بحقّ الفلسطينيين، فإنّ إحياء ذكرى أكتوبر سيظل أكثر من احتفال ببطولة عسكرية؛ سيظل تذكيراً بأنّ التطبيع الرسمي لا يساوي تلقائياً المصالحة الشعبية.

 

في أكثر من مناسبة، اشتكى الساسة الإسرائيليون من أنّ معاهدات السلام الرسمية مع مصر تحوّلت إلى "حبر على ورق"؛ ووصلت حالة التبرّم أحياناً إلى تصريحات تصعيدية لوزراء متطرّفين في الحكومة الإسرائيلية (مثل سموتريتش وغيره) يستنكرون فيها استمرار التعبئة المعنوية المصرية، ويعتبرون أنّ الرمزية التاريخية لأكتوبر تمثّل تحدّياً مستمراً للغطرسة العسكرية الإسرائيلية.

 

معضلة التطبيع الشعبي مقابل الرسمي

​تدرك النخبة الإسرائيلية تمام الإدراك أنّ ما تفاوضت عليه الأنظمة السياسية في الغرف المغلقة هو شيء، وما يستقر في ضمير الأمة والشعوب العربية هو شيء آخر تماماً.

 

​وصحيح أنّ الحكومات المتعاقبة في مصر التزمت باتفاقيات السلام، لكنه ما من شكّ أنّ مؤسسات الدولة لم ترغب قط في أن يمتد التطبيع إلى ما هو خارج الإطار الرسمي؛ بل تركت المجال واسعاً لفعّاليات ومناخ قومي لا يمكن إلا أن يصبّ في اتجاه تحاشي التطبيع والتحذير من مخاطره.

 

​وهكذا تكرّس الفصام البنيوي بين "السلام الفوقي" و"العداء التحتي"؛ فاستمرار الاحتفاء بانتصار أكتوبر وتلقين ذاكرته الاستراتيجية يعيد تذكير المواطن المصري دوماً بأنّ الكيان القائم على الاحتلال لا يمكن أن يتحوّل إلى "جار طبيعي".

 

وهذا تحديداً ما يفسّر حالة الإحباط الدائمة لدى الدبلوماسيين الإسرائيليين الذين يزورون القاهرة، ليصطدموا جيلاً بعد جيل برفض مجتمعي صارم لكلّ أشكال التطبيع الشعبي أو النقابي أو الثقافي.

 

سوريا.. وإلغاء ذكرى حرب تشرين!

قبل يوم واحد من الذكرى الثانية والخمسين لحرب أكتوبر (تشرين التحريرية)، قرّر المسؤولون في سوريا إلغاء العطلة الرسمية الخاصة بها، ضمن مرسوم جديد أعاد تنظيم الأعياد والعطلات في البلاد. لم يكن القرار متعلقاً بذكرى الحرب وحدها، بل شمل مناسبات أخرى ارتبطت بتاريخ الدولة السورية، في مقابل اعتماد مناسبات جديدة، من بينها "عيد التحرير بعد سقوط نظام الأسد".

 

تعامل البعض مع القرار على أنه جزء من عملية إعادة ترتيب الرموز الرسمية بعد سقوط نظام وصعود آخر مكانه. لكنّ السؤال الذي يستحقّ التوقّف عنده هو: هل يكفي الادّعاء بأنّ النظام السابق استثمر حرب تشرين سياسياً حتى تصبح ذكراها عبئاً ينبغي التخلّص منه؟!.

 

لقد خاض الجنود السوريون حرب تشرين عام 1973 على الجبهة مع "إسرائيل"، ودفعوا ثمناً بشرياً وعسكرياً في مواجهة احتلال الجولان. وهذه التجربة ليست ملكاً لنظام.

 

من هنا، فإنّ إلغاء الاحتفال الرسمي بذكرى حرب تشرين يطرح سؤالاً يتجاوز التقويم والعطلات: ما الذي يبقى من ذاكرة المواجهة مع "إسرائيل" حين تُحذف مناسبتها من قائمة الأعياد الوطنية؟!.

 

قد يظل السوريون يتذكّرون الحرب بوصفها تجربة عاشها أجدادهم، وقد تستمر الكتب والشهادات في توثيقها، لكنّ غياب الاحتفاء الرسمي بها يضعف حضورها في المجال العامّ، ويُقلّص إحدى المناسبات التي كانت تعيد وصل الأجيال الجديدة بتاريخ الصراع.

 

وهنا تبرز الصلة بين الذاكرة الوطنية والتطبيع الشعبي والنفسي. فالتطبيع لا يقتصر على إقامة علاقات دبلوماسية أو توقيع اتفاق سياسي؛ إذ يتصل أيضاً بالطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى الطرف الآخر، وبالمعاني التاريخية التي يربطها به. وعندما تتراجع المناسبات التي تستحضر الحروب والاحتلال، وتُهمَّش الروايات الوطنية المرتبطة بمواجهة "إسرائيل"، فقد يصبح من الأسهل إعادة تقديمها في الوعي العامّ باعتبارها دولة مجاورة عادية!.

 

وتزداد أهمية هذا السؤال في الحالة السورية لأنّ القضية ليست مجرّد خلاف حول ماضٍ بعيد؛ فالجولان لا يزال تحت الاحتلال الإسرائيلي، بل إنّ "جيش" الاحتلال يتوسّع يوماً بعد آخر في الجنوب السوري. ولذلك، فإنّ تهميش ذاكرة الحرب التي خاضتها سوريا في مواجهة "إسرائيل" يثير تساؤلات مشروعة عن العلاقة بين الذاكرة الوطنية والموقف من واقع الاحتلال القائم.

 

إنّ إعادة تشكيل الذاكرة الوطنية ليست عملية محايدة سياسياً، فالسلطة التي تختار مناسبات الاحتفاء العامّ وتستبعد أخرى تسهم في تحديد ما سيبقى حاضراً في المجال العامّ.

 

إنّ التطبيع الشعبي لا يحتاج بالضرورة إلى إعلان صريح يدعو الناس إلى نسيان الماضي؛ فقد تتآكل الذاكرة تدريجياً حين تتراجع رموزها، وتُغيّب مناسباتها، وتُفصل صورة "إسرائيل" عن تاريخ الاحتلال والحروب. وعندما يحدث ذلك، قد يصبح التحوّل في الموقف النفسي والاجتماعي أكثر سهولة، لأنه لا يأتي في صورة تنازل معلن عن موقف سابق، بل في صورة ابتعاد تدريجي عن التاريخ الذي أسّس ذلك الموقف.

 

فإذا كان التطبيع يبدأ أحياناً من السياسة، فإنه قد يجد طريقه إلى المجتمع عبر الذاكرة أيضاً. عبر ما نتوقّف عن تذكّره، وما نتوقّف عن الاحتفاء به، وما نترك الأجيال الجديدة تنساه من دون نقاش.

 

حراسة الوعي من غبار النسيان

تظلّ ذكرى السادس من تشرين الأول/أكتوبر أبعد من أن تكون مجرّد صفحة في كتاب التاريخ؛ فهي خط دفاع عن الوعي الجمعي العربي، ووسيلة لنقل ذاكرة الصمود ومواجهة العدو إلى الأجيال الجديدة. وكما يستحضر أطفال اليوم، بعفويتهم وبتوجيه من مُعلّميهم، معاني المواجهة، فإنّ بقاء هذه الذاكرة حيّة يظلّ ضرورة لمقاومة النسيان والتطبيع الشعبي مع الاحتلال.

 

لذا فمن غير المقبول بأيّ حال من الأحوال التهاون في محاولات طمس هذه الذكرى، سواء بفعل الضغوط الخارجية أو التغيّرات السياسية الداخلية في بعض البلدان. فمستقبل المجتمعات مرتهن بطريقة قراءتها للماضي؛ خاصة أنه ماضٍ حيّ لا يمكن تجاوزه، طالما أنّ الممارسات العدوانية الإسرائيلية مستمرة بحقّ المنطقة بأسرها، وطالما ظلّت الأطماع قائمة ودماء الشهداء تُسفك بلا توقّف.