لا أعرف إن كان قدر المواطن العربي في منطقتنا ذات التاريخ العريق أن يستمع إلى قنوات تلفزيونية مليئة بالكذب والنفاق والافتقار إلى الموضوعية، بل تحترف التضليل وتزوير الحقائق وليّ أعناق النصوص.
ولا أعرف أيضاً إن كانت هذه القنوات، التي تبلغ النفقات التشغيلية لبعضها عشرات الملايين من الدولارات شهرياً، وفي بعض الأحيان أسبوعياً، تُدرك خطورة ما تمارسه من تزييف وكيّ لوعي الشعوب المغلوبة على أمرها، وما يبثّه بعضها من تحريض ساهم، وما زال يساهم، في إراقة دماء مئات الآلاف من أبناء أمتنا العربية والإسلامية، متجاوزةً في تأثيرها كل الأدوات الإعلامية التابعة للأعداء.
يمكن تلمّس الدور الهدّام الذي تؤدّيه بعض القنوات التلفزيونية العربية الشهيرة، التي يجلس أمام شاشاتها ملايين المشاهدين، في كثير من الأحداث التي شهدتها المنطقة خلال العقود الثلاثة الأخيرة على وجه الخصوص. فقد أدّت هذه القنوات، أو بعضها، دوراً أساسياً في تمزيق الشعوب وتنمية الأفكار التكفيرية السوداء، إلى جانب مساهمتها في إسقاط أنظمة، وتفكيك دول، وإشعال حروب أهلية داخلية لم تُبقِ ولم تذر.
ومع أنّ معظم هذه القنوات تتبع دولاً وممالك لم تعرف للديمقراطية سبيلاً، ولا لحقوق الإنسان طريقاً، ويحكم مموّلوها شعوبهم بالحديد والنار، فإنّها، عندما يتعلّق الأمر بدول وأنظمة تخالف وليّ نعمتها، تُسارع إلى رفع شعارات الحرية والكرامة والحق في الحياة الكريمة، للتحريض وإثارة الفتن وتعميم ثقافة الكراهية والحقد، وصولاً إلى أهدافها التدميرية، وهي أهداف تلتقي في كثير من الأحيان مع أهداف قوى الاستعمار العالمي، وفي مقدّمتها الكيان الصهيوني المجرم وحليفته الكبرى الولايات المتحدة الأميركية.
خلال الحرب العراقية الإيرانية، في بداية ثمانينيات القرن الماضي، أي بعد نجاح الثورة الإسلامية المجيدة بقيادة الإمام الخميني، مارست قنوات الفتنة دوراً شيطانياً في إثارة النعرات المذهبية وتأجيج نار الخلافات الطائفية، والترويج لسرديات وفرضيات خدمت استمرار الحرب واستعار نارها. في المقابل، لم تنبس هذه القنوات نفسها ببنت شفة عندما كان نظام الشاه في إيران يمثّل سوط أميركا الغليظ في المنطقة، ويُعدّ من أكبر حلفاء الكيان الصهيوني المجرم.
في سوريا، قبل حكم "الجهاديين"، واصلت القنوات نفسها دورها التخريبي والتحريضي المدمّر، وعملت طوال ما يزيد على أربعة عشر عاماً على بثّ خطاب الكراهية بين السوريين، وسخّرت كل ما أوتيت من قوّة وخبرات وإمكانات وأموال لمحاولة إسقاط الدولة والنظام الذي، وإن لم يكن مثالياً أو ديمقراطياً إلى حدّ كبير، كحال الأنظمة العربية كلّها، كان أفضل من غيره بكثير، بل كان، وهو الأهم، مناهضاً للتمدّد والتوسّع الإسرائيلي في المنطقة، ومكافحاً ومعارضاً لكل المخطّطات الإسرائيلية والأميركية التي هدفت إلى تفتيت الأمة والسيطرة على خيراتها.
وفي سوريا تحديداً، يمكن أن نلمس الدور المهم والمحوري الذي أدّته قنوات الفتنة في إسقاط النظام وإيصال مجموعة من "القتلة والتكفيريين" إلى سدّة الحكم، وهو دور ما زال متواصلاً حتى الآن، غير أنّ هذه القنوات تلتزم الصمت وتبتلع لسانها عندما تتعرّض الأراضي السورية لاعتداءات إسرائيلية، فلا دعوة إلى الثورة، ولا تحريض على القتال، بل تغيب أخبار كثيرة عن العدوان الإسرائيلي على سوريا عن شاشاتها بصورة لافتة.
بعد انطلاق معركة "طوفان الأقصى" في تشرين الأول/أكتوبر من عام 2023، وما تبعها من حرب إبادة جماعية ضد المدنيين العزّل في قطاع غزة، شاهدنا استمرار بعض قنوات الفتنة في أداء دورها التخريبي، بل ذهب بعضها إلى حدّ تزييف الحقائق وتقديم مادة إعلامية خدمت بصورة مباشرة الأهداف الإسرائيلية، وحقّقت للعدو المجرم ما لم يستطع تحقيقه عبر وسائل إعلامه المختلفة. كيف لا، وتلك القنوات كانت تفتح شاشاتها على مصراعيها لكل ما يصدر عن العدو من ادّعاءات، ولكل ما يسعى إلى إيصاله من رسائل؟ بل إنّ مؤتمرات مجرمي الحرب الإسرائيليين، من سياسيين وعسكريين، كانت تدخل بيوت العرب والمسلمين كلّها عبر تلك القنوات، في تناقض واضح بين ما ترفعه من شعارات وما تنفّذه من سياسات.
ومع اتّساع تداعيات "الطوفان" لتصل إلى لبنان واليمن والعراق وإيران، واصلت القنوات نفسها سياستها التخريبية، وظلّت وفيّة لمبادئها التي لم تُنصف قوى المقاومة والممانعة، بل أضفت عليها، على الدوام، صبغة طائفية ومذهبية، رغم كل ما أدّته من أدوار حاسمة ومفصلية في الدفاع عن المظلومين في غزة، في محاولة للتقليل من أدوارها وحجب الأنظار عن التحوّل الشعبي الهائل الذي منح تلك القوى تأييداً جارفاً في أوساط الرأي العام العربي والإسلامي، بل في أرجاء العالم كافّة.
ومارست هذه القنوات الدور نفسه بعد العدوان الصهيوني الأميركي على إيران، ولم تكن محايدة على الإطلاق كما تدّعي، بل انحازت إلى الطرف المعتدي، ومنحته منصّات إعلامية شديدة التأثير، ومكّنت سرديّته، في كثير من الأحيان، من التفوّق على السردية المناوئة لها، وحاولت، قدر استطاعتها، تغليب روايته على الرواية الإيرانية، التي افتقدت، للأسف الشديد، منصّات إعلامية مناظرة أو مكافئة لما امتلكه الأعداء، رغم صدقية روايتها ومتانة أخبارها ورصانتها.
كان آخر الأدوار التخريبية لقنوات الفتنة المموّلة من دول البترودولار في اليمن العزيز، الذي يتعرّض منذ نحو اثني عشر عاماً لحرب عدوانية مجرمة، تقود غرفة عملياتها الرئيسية أميركا و"إسرائيل"، فيما تتولّى بعض دول الخليج والمجموعات التابعة لها التنفيذ على الأرض. وقد خلّفت هذه الحرب مئات الآلاف من اليمنيين بين شهيد وجريح، إلى جانب الحصار القاتل الذي جوّع الناس وقطع عنهم الغذاء والدواء، بل منعهم من استخدام خيرات بلادهم فيما ينفعهم. وهو ما يشبه تماماً ما يقوم به العدو الصهيوني في قطاع غزة، وكأنّ السياسة واحدة، والهدف واحد أيضاً.
بدأ دور قنوات الفتنة منذ اللحظات الأولى للعدوان على اليمن، واستمرّ حتى وقتنا الحالي، ولا سيّما بعدما أخذ أبناء اليمن الشرفاء على عاتقهم كسر الحصار ووقف العدوان، بعد أن سئموا الوعود الكاذبة والتسويف والتأجيل الذي لم يمنحهم حقّاً ولم يُبعد عنهم شرّاً.
منذ تجدّد القتال في اليمن قبل عدّة أسابيع، في إثر حادثة الطائرة الإيرانية التي أقلّت الوفد اليمني القادم من طهران، عادت القنوات ذاتها إلى العزف على الوتر التحريضي نفسه، الذي تبرع فيه أكثر من غيرها، مستخدمةً العبارات ذاتها ورافعةً الشعارات نفسها، وكأنّها نسيت أو تناست أنّ التحريض على سفك دماء الناس جريمة لا تُغتفر، وأنّ اللعب على وتر المذهبية والطائفية قد يُشعل ناراً تحرق الأخضر واليابس، وأنّ الدول المموّلة لهذه القنوات قد تكتوي بنارها عاجلاً أو آجلاً.
في اليمن، تتناسى تلك القنوات القصف المتواصل الذي يتعرّض له اليمنيون البسطاء، وتتجاهل الحصار المطبق المفروض عليهم منذ سنوات طويلة، ولا تُقيم وزناً لتضحياتهم الهائلة التي تجاوزت حدود المنطق، ولا لما يتعرّضون له من اعتداءات يمكن، في حال تحقّقت العدالة، تصنيفها جرائم حرب وإبادة جماعية، وخصوصاً أنّها تستهدف في الأساس المدنيين العزّل.
في المقابل، تُظهر هذه القنوات أيّ ردّ يمني على العدوان، وهو ردّ كفلته القوانين الدولية والشرائع السماوية، وكأنّه جريمة تستدعي الإدانة والشجب، بل مشاركة جميع العرب والمسلمين، ولِمَ لا الأتراك والباكستانيين، في التصدّي لها ومجابهتها، وبذل كل الجهود الممكنة لحشد طاقات الأمة للردّ عليها.
في مواجهة هذه الآلة الإعلامية الهائلة، التي تتفوّق في كثير من الأحيان على وسائل إعلام عالمية شهيرة، تقف مجموعة من القنوات الإعلامية الشريفة، ذات الإمكانات المحدودة والموارد الشحيحة، لتناصر قضايا المظلومين وتنافح عن الشعوب المقهورة والمنكوبة، بل لتصطفّ إلى جانب القضايا المحقّة كافّة في العالم، بغضّ النظر عن اللون والعرق والطائفة والدين.
وفي مواجهة ماكينات الفتنة الإعلامية العملاقة، تقف قنوات تلفزيونية حرّة، ومنصّات إعلامية محايدة، ومواقع إلكترونية مهنية وصادقة، رغم كل ما تعانيه من مصاعب وعقبات، وما تتعرّض له من مضايقات وضغوط وملاحقات. تقف لتنصر الحق وتصطفّ إلى جانب القضايا المحقّة والمشروعة، غير عابئة بتوالي الخسائر، ولا بوحشة الطريق وصعوبته.
تأتي على رأس تلك الوسائل الحرّة والشريفة شبكة الميادين الإعلامية، بشاشتها الناطقة بلسان المحرومين والمستضعفين، ومنصّاتها الإلكترونية المدافعة عن قضايا المظلومين، وطواقمها الفتيّة الجميلة والرائعة.
يمكننا القول، بتجرّد تام وبمهنية لا تخضع لأيّ مصالح، إنّ شبكة الميادين الإعلامية، بجميع أقسامها، شهدت نقلة نوعية، وقفزت إلى الأمام بصورة ملحوظة ولافتة، وباتت أكثر تأثيراً مع مرور الوقت، رغم أنّ إمكاناتها لا تُقارن على الإطلاق بإمكانات شبكات إعلامية أخرى. فمنذ انطلاقتها قبل نحو أربعة عشر عاماً، وفي ظلّ ظروف بالغة الدقّة والتعقيد عاشتها منطقتنا العربية والإسلامية وما زالت تعيشها، تحافظ الشبكة على مبادئها السامية وتلتزم بخطّها الرسالي الواضح، وترفع الشعارات نفسها، وتردّد اللغة ذاتها، وتسير في الطريق نفسه، المحفوف بالتعقيدات والعقبات من كل اتجاه.
ويمكننا القول أيضاً إنّ الميادين استطاعت، بكثير من العناد والإصرار والإيمان برسالتها الإعلامية الصادقة، أن تشقّ طريقها بسرعة البرق، لتصل إلى كل بيت وتخترق كل حصن، وتروي، بمعين صدقها وانحيازها لقضايا المظلومين والمعذّبين، عطش كل الذين كانوا ينشدون إعلاماً صادقاً ومهنياً ومنحازاً لقضايا العدل والخير والإنسانية.
وهنا يأتي السؤال الأهم، وهو لبّ الموضوع: لماذا لا تتكرّر تجربة الميادين من جديد؟ ولماذا لا نرى تجارب إعلامية ناجحة ومؤثّرة، كما هو الحال مع شبكة الميادين؟ ولماذا تبقى هذه الشبكة وحيدة في مواجهة إمبراطوريات الفتنة والكذب الأخرى؟ ولماذا لا تتوسّع الشبكات الإعلامية الحرّة والشريفة لتملأ فضاءات الإعلام العربي والإسلامي والعالمي، فتخلق شيئاً من التوازن، وتخفّف، ولو قليلاً، من الخلل القائم بفعل تفوّق إعلام الزيف والفتنة واتّساع انتشاره؟
صحيح أنّ هناك قنوات كثيرة تحمل أهداف الميادين نفسها، وصحيح أنّ تأثيرها يزداد رويداً رويداً مع مرور الوقت، إلا أنّ تلبية الحاجة إلى إعلام مهني وصادق وشريف تتطلّب أكثر من ذلك بكثير.
لا أعرف إن كانت العوائق أمام تكرار تجربة الميادين مادية فقط، أو إن كان هناك قرار بذلك لا أعرف سببه، أو إن كان الاقتصار على عدد محدود من الشبكات، كما يعتقد البعض، يجعل التركيز عليها أفضل من تشتيت الانتباه بين عدد أكبر منها. لا أعرف، حقيقةً، السبب الأساسي، لكنّ ما أعرفه يقيناً أنّنا، بوصفنا أمة عريقة وشعوباً ترنو إلى الحرية والاستقلال، في حاجة ماسّة إلى مزيد من الوسائل الإعلامية التي تدعو إلى الخير، وتحثّ على الأخلاق والفضائل، وتنبذ الفرقة والتشتّت والانقسام، وتدفع باتّجاه الوقوف في وجه الظلم ومجابهة الظالمين والبغاة والمجرمين.
نحن، أمةً وشعوباً، وخصوصاً في هذا التوقيت الحرج والحسّاس، وفي زمن طغت فيه الفتن وارتفعت فيه أسهم الداعين إلى تمزيق صفّ الأمة، في حاجة ماسّة إلى أن نرى ميادين أخرى، وأخرى، ولِمَ لا العشرات أو المئات من أمثال هذه الشبكة الشريفة والرائعة؟