أثار فيلم "نازا" الوثائقي غضباً واسعاً في "إسرائيل" بعد عرضه الأول في "مهرجان البندقية السينمائي الدولي"، بعد أن حظي بتصفيق حار من جمهور المشاهدين وفاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة.
الغضب الإسرائيلي لم يكن فقط بسبب أن الفيلم يقدم رواية مختلفة ومضادة للرواية الإسرائيلية لحرب الإبادة على غزة، بل لأن مخرجي الفيلم هما يهوديان يحملان الجنسية الإسرائيلية أسمهما: يوفال أبراهام وراشيل تسور، فجاءت شهادتهما في سياق "وشهد شاهد من أهلها"، فكان الفيلم عملية اختراق عميقة في جدار الرواية الإسرائيلية لحرب الإبادة.
اسم "نازا" مقتبس من كلمتي "نزك أجافي" العبريتين وتعني "ضرر جانبي"، ويشير بالمفهوم العسكري الإسرائيلي إلى "حجم الخسائر البشرية المتوقعة من المدنيين المسموح بها عند اتخاذ قرارات الاستهداف بالاغتيال وإصدار أوامر القصف"، والفيلم يعرض شهادة 24 عسكرياً إسرائيلياً مجهولي الهوية حول آليات اغتيال الفلسطينيين بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي المحوسبة وأجهزة الهواتف المحمولة وطرق المراقبة المتشعبة.
والفيلم يخلص إلى أن عمليات القتل الجماعية في غزة ليست مجرد أخطاء فردية أو أضرار جانبية، بل عملية إبادة ممنهجة ومنظمة ومقصودة.
لهذه النتيجة والحقيقة التي تلخص رسالة فيلم "نازا" تعرض الفيلم ومخرجيه إلى هجوم شرس وغاضب من "إسرائيل" بواسطة قيادتها السياسية والعسكرية والإعلامية، فاتهمت الفيلم بأنه: دعاية نازية، وداعم للإرهاب، ومشوه للجيش ، متهمة مخرجي الفيلم بالخيانة وطالبت بتقديمهما للمحاكمة.
ولهذه النتيجة، والحقيقة أيضاً، من المفيد تفكيك المصطلح العبري والرواية الإسرائيلية التي تقف خلفه، فمصطلح "نازا" معناه "الأضرار الجانبية" للحرب، وهو مفهوم إسرائيلي مقتبس من الغرب الاستعماري عندما كان يسمي عمليات الإبادة بالقتل والتهجير والاستعباد لشعوب البلدان المحتلة "أضراراً جانبية" لرسالة "التنوير" الحضارية الغربية.
وبما أن "إسرائيل" تعتبر نفسها امتداداً للحضارة الغربية وقاعدة لمشروع الغرب الاستعماري، فقد تبنت مفاهيمه الاستعلائية ممزوجة بالصهيونية العنصرية، ومنها مفهوم "الأضرار الجانبية"، الذي تجاوزته إلى مصطلح "بلتي معورفيم" بالعبرية وترجمته بالعربية "غير المتورطين"، ويشير إسرائيلياً إلى: "المدنيين الفلسطينيين الذين لا يشاركون بشكل مباشر في الأعمال القتالية ويسقطون كضحايا جانبيين أثناء عمليات الاغتيال والتدمير"، وقد استخدم المصطلح على نطاق واسع من قادة "إسرائيل" السياسيين والعسكريين وتم تداوله في الإعلام الإسرائيلي.
لا يوجد مصطلح "غير المتورطين" في القانون الدولي والمواثيق الأممية، التي تميز قانونياً بین قسمين من الناس الموجودين في أماكن وأزمنة الحروب، وهما: مدني ومقاتل، مدني أعزل لا يشارك في الحرب، ومقاتل مسلح يشارك في الحرب، وعند الشك في كون الشخص مدني أو مقاتل يعامل كالمدني، وحتى وجود مقاتلين مسلحين وسط مدنيين لا تنزع منها صفة المدنية ولا يبرر استهدافهم، ولا يسمح القانون الدولي اعتبارهم مقاتلين بحجة تقدمهم للدعم المعنوي والتعاطف السياسي أو القرابة العائلية والوجود في المنزل، فلا وجود للمنطقة الرمادية والحالة الضبابية التي تسمح لـ "إسرائيل" بتغيير قواعد القانون الدولي لقتلهم.
لكن "إسرائيل" تستخدم مصطلح "غير المتورطين" لتوظيفه أمام العالم الخارجي والمجتمع الدولي قانونياً بإعطاء انطباع أنها تحاول حماية "غير المتورطين"، وتلقي بمسؤولية تضررهم على المقاومة التي تزعم أن رجالها يختبئون بين السكان غير المتورطين مباشرة في القتال رغم أنهم ليسوا أبرياء بمنطقها لأنهم حاضنة المقاومة، فالمصطلح يخلق حالة ضبابية من الناحية القانونية تقلل من حجم المحاسبة الدولية عن استهدافهم، وتوجد منطقه رمادية بين المدني والمقاتل تسمح لـ "إسرائيل" بالتلاعب بالمواثيق الدولية، والمصطلح يوحي بأن الأصل في السكان التورط. أما غير المتورط فهو حالة استثنائية مؤقتة قد تتغير في أي لحظة.
قاعدة أن الأصل في السكان الفلسطينيين هو التورط في "الإرهاب" المشتقة من مصلح "غير المتورطين"، يتم توظيفه من المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة ونظامها الصهيوني للشحن العدائي والتعبئة العنصرية ضد الشعب الفلسطيني عامة والقاطن في غزة خاصة.
هذا الأصل يقتضي وجود الاستثناء نظرياً وهو "غير المتورطين"، لكنه غير موجود عملياً في الفكر الإسرائيلي والعقلية الصهيونية، وهو ما عبر عنه رأس الكيان الصهيوني الرسمي، إسحاق هيرتسوغ، بقوله عن غزة: "ليس صحيحاً وجود مدنيين غير مدركين وغير متورطين. هذا غير صحيح على الإطلاق"، وأكده وزير "التراث الإسرائيلي"، عميخاي إلياهو، بقوله: "لماذا يطلق عليهم وصف غير المتورطين، ولا يوجد شيء اسمه غير المتورطين في غزة".
الخلاصة أن مصطلح "غير المتورطين" المستخدم إسرائيلياً كبديل عن مصطلح "مدنيون" أو "أبرياء"، هو مصطلح منحاز عملياً للرواية الإسرائيلية التي تجرم وتشيطن الشعب الفلسطيني عامة وغزة خاصة، وتعتبرهم أهدافاً مشروعة للقتل، رغم أن المصطلح محايد نظرياً لوقوعه في المنطقة الرمادية بين التجريم والتبرئة وبين الشيطنة والأنسنة، ولكونه يسمح باتخاذ أحد الموقفين - السلبي أو الإيجابي - من الشخص "غير المتورط" وبالتالي عاطفة الجفاء والقسوة تجاهه أو المودة والرحمة تجاهه، وهذا يفرغ المصطلح من مضمونه المحايد باتجاه المزاج العام الإسرائيلي رسمياً وشعبياً نحو مصطلح "كلهم متورطون".
البديل الفلسطيني للمصطلح هو الرواية الفلسطينية للصراع التي تلقي بمسؤوليه فعل توريط شعوب المنطقة العربية والإسلامية في حروب دموية وحشية على الصهيونية مشروعاً وحركة ودولة، وتلقي بمسؤولية فعل الوجود والصمود والمقاومة للوصول إلى التحرير والعودة والاستقلال على الشعب الفلسطيني وقيادة حركته الوطنية ومقاومته الشاملة.