تعيش عائلات فلسطينية نازحة تقيم بالقرب من "الخط الأصفر" في قطاع غزة لحظات قاسية من الخوف والهلع، مع دوي الانفجارات المتكررة التي تهز المنطقة، وتدفع السكان، ولا سيما الأطفال والنساء، إلى الصراخ والبكاء في ظل انعدام الشعور بالأمان.
ومع كل انفجار، تتجدد حالة الذعر بين النازحين الذين اضطروا إلى العيش في خيام ومساكن مؤقتة، بعدما فقدوا منازلهم جراء الحرب، ليجدوا أنفسهم مجدداً أمام مشاهد الخوف، من دون خيارات آمنة تضمن لهم الاستقرار والحماية.
ويقول المشهد الميداني: إن أصوات الانفجارات لا تتوقف عند حدود الضجيج، بل تمتد آثارها النفسية إلى عائلات أنهكها النزوح المتكرر، وأطفال يعيشون تحت وطأة الخوف، فيما تحاول الأسر تهدئة صغارها والبحث عن مكان أكثر أمناً بعيداً عن مصادر الخطر.
ويفاقم القرب من مناطق ما تُعرف بـ "الخط الأصفر" مخاوف النازحين من تجدد القصف أو اضطرارهم إلى مغادرة أماكن إقامتهم مرة أخرى، في وقت تزداد فيه معاناتهم بسبب فقدان المأوى ومحدودية الإمكانات المتاحة أمامهم.
يقول الشاب ماهر وهو أب لـ 4 أطفال: أنه اضطر للفرار مع أسرته ليلاً لتقدم آليات الاحتلال الإسرائيلي بإطلاق القذائف والرصاص صوب خيام النازحين في مفترق الشجاعية شرق مدينة غزة.
وأضاف ماهر، أنه الانفجارات لم تتوقف طول الليل، أصيب أبناؤه بالفزع والخوف الشديدين، ما أدى نزوحه إلى مكان لأحد لأقربائه غرب مدينة غزة، فيما تبيّن لاحقاً أن أنه تم إزاحة المكعبات الصفراء من جهة الغرب، ما زاد من شدة الخطر الذي يحدق بالنازحين في تلك المنطقة.
يشير إلى أن تكرار نزوحه قد أنهكه جسديًا ونفسيًا، وفاقم معاناته في ظل الظروف الإنسانية القاسية التي يعيشها.
من جهته، أعرب جهاز الدفاع المدني، اليوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، عن بالغ قلقه من ارتفاع وتيرة النزوح القسري للمواطنين وتضرر مئات خيام النازحين وتصدع كثير من المنازل المستهدفة سابقا الواقعة في محيط ما يسمى بـ "الخط الأصفر" شرقي قطاع غزة.
وقال الدفاع المدني في تصريح صحفي: إن التفجيرات الضخمة وإطلاق الرصاص العشوائي الذي يمارسه الاحتلال الإسرائيلي يوميا بحق المواطنين وما تبقى من منازل في مناطق الشجاعية والتفاح والزيتون شرقي مدينة غزة وفي محيط دوار بني سهيلا ومنطقة شرق أبراج "مدينة حمد" ومنطقة السطر الشرقي لمدينة خان يونس أدت إلى النزوح المتكرر لعشرات الأسر وتصدع المنازل وتلف خيام النازحين.
وحذّر من أن استمرار هذا العدوان الإسرائيلي زاد من معاناة آلاف النازحين، ودفعهم للبحث عن أماكن إيواء جديدة كما يضعهم أمام خطر حدوث انهيارات في منازلهم بسبب تصدعها.
وناشد دول العالم والضامنين لاتفاق وقف النار في القطاع للتدخل العاجل والضغط على الاحتلال لإيقاف هذه الحرب بحق المواطنين المستمرة منذ ثلاث سنوات.
وتجاوزت السيطرة العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة حاجز الـ 70% من المساحة الإجمالية للقطاع (البالغة 365 كيلومتراً مربعاً)، وذلك عبر توسيع ما يُعرف بـ الخط الأصفر.
فلسطين اليوم
حذّر المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في القدس، بات غريفيث، اليوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، من تراجع فرص التعرف على هويات الشهداء في قطاع غزة مع مرور الوقت، في ظل فقدان أدلة حاسمة تحت أنقاض المباني المدمرة، والصعوبات المستمرة التي تعترض انتشال الجثامين.
وقال غريفيث، خلال تصريحات صحفية: إن الذخائر غير المنفجرة تزيد من مخاطر عمليات الانتشال، فيما تعمل فرق الإنقاذ بوتيرة بطيئة للغاية لإزالة الركام، عبر كشط بضعة سنتيمترات في كل مرة، في ظروف تعرقل الوصول إلى الجثامين وتحديد هويات أصحابها.
وأضاف، أن التدمير الممنهج للبنية التحتية الطبية أجبر العاملين على الاعتماد بصورة متزايدة على وسائل بدائية لتحديد هويات الشهداء، في ظل تراجع الإمكانات اللازمة لإتمام هذه المهمة.
وتضع هذه الصعوبات عائلات المفقودين أمام انتظار مفتوح، إذ لا يعني العثور على الجثمان بالضرورة إمكانية تحديد هويته، في ظل فقدان الأدلة وتضرر المنظومة الطبية التي يُفترض أن تتولى الفحص والتوثيق.
ويأتي هذا التحذير في وقت تواجه فيه عمليات إزالة أنقاض غزة تحديات هائلة. ووفق تقديرات أوردها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أيلول/سبتمبر الماضي، قد تضم الأنقاض ما بين 8,000 و10,000 جثمان، فيما تُقدّر كمية الركام بنحو 61 مليون طن.
وأشار البرنامج إلى التنسيق مع جهات عدة، بينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لتحديد مواقع الرفات وإعطائها الأولوية خلال عمليات إزالة الأنقاض، وضمان التعامل معها بصورة لائقة وتوثيقها بما يتيح إبلاغ العائلات بمصير أبنائها.
وترتكب "إسرائيل" منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 -بدعم أميركي أوروبي- إبادة جماعية في قطاع غزة، شملت قتلا وتجويعا وتدميرا وتهجيرا واعتقالا ومرضا، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.
وخلفت الإبادة أكثر من 249 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين معظمهم أطفال، فضلا عن الدمار الشامل ومحو معظم مدن القطاع ومناطقه من على الخريطة.
وبين صرخات الخوف ودوي الانفجارات، تتجلى معاناة المدنيين الذين يبحثون عن الحد الأدنى من الأمان، في ظل ظروف إنسانية قاسية تجعل مجرد قضاء ليلة هادئة أملاً بعيد المنال.