السابع من اكتوبر بين ذاكرة الحدث ومعركة الرواية الفلسطينية

الساعة 08:00 م|07 أكتوبر 2026

فلسطين اليوم | محمد مصطفى شاهين

في كل ذكرى سياسية كبرى تدور معركة لا تقل أهمية عن معركة الميدان: معركة الذاكرة. الأحداث لا تعيش بما وقع فقط، بل بما يُقال عنها بعد وقوعها، ومن يملك صياغة الرواية يحدد من الضحية ومن الجاني، ومن صاحب الحق ومن المتهم.

تاني الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر ليس كمناسبة لاستعادة المشاهد آلياً أو لشعارات فقدت قدرتها على التفسير بل لحظة لإعادة قراءة فلسطين من بوابة الإنسان الفلسطيني الذي دفع الثمن الأكبر، ووجد نفسه بين نار الاحتلال ونار النزوح ونقص الغذاء والدواء وفقدان البيت والأهل والأمان.

ان فلسطين لم تبدأ في السابع من أكتوبر قبل ذلك اليوم كان احتلال وحصار واستيطان واقتحامات للأقصى وتهجير ومصادرة أرض واعتقالات وهدم منازل وقتل مدنيين. من الخطأ أن يبدأ السرد من اللحظة التي اختارها الاحتلال، أو أن تنتهي الحكاية عند ما يريده الإعلام الدولي. السابع من أكتوبر انفجار داخل واقع معقد، لا يمحو ما سبقه ولا يمنح الاحتلال براءة.

هنا تبدأ مسؤولية الإعلام الفلسطيني ،الإعلام ذاكرة شعب وشهادة حين يحاول الأقوياء كتابة التاريخ. لقد اعتاد العالم التعامل مع الفلسطينيين عبر الأرقام، لكن خلف كل رقم إنسان له اسم ووجه وبيت. الشهيد ليس رقماً، والنازح ليس إحصائية، والمصاب ليس صورة عابرة. التغطية يجب أن تعيد الإنسان قبل الرقم، والحكاية قبل البيان.

المجتمع الفلسطيني في غزة عاش تجربة قاسية: مدن دمرت، أحياء اختفت، عائلات فقدت أكثر من فرد في لحظة واحدةبينما ينشغل العالم بالتفاصيل السياسية، يبحث الإنسان العادي عن الماء والدواء والمأوى. الخيمة إعلان عن فقدان البيت، والطابور أمام المساعدات شهادة على انهيار الحياة، والطفل الذي يحمل الماء وثيقة سياسية.

الفلسطيني مطالب بالابتعاد عن الرواية الإسرائيلية الجاهزة. ليس المطلوب الإنكار، بل التمييز بين التوثيق وإعادة إنتاج الدعاية. قوة الرواية تأتي من الدليل لا من ارتفاع الصوت. شهادات الناجين والأطباء والصحفيين والأمهات والنازحين أرشيف حي يجب حفظه.

السؤال الأهم ليس فقط ماذا حدث في السابع من أكتوبر، بل ماذا حدث للفلسطيني بعده؟ ماذا بقي من المدينة والمخيم والبيت والمدرسة والمستشفى؟ وقف إطلاق النار لا يصبح حقيقة إلا حين يشعر المدني أن حياته محمية، وأن المساعدات تصل، وأن البيت يمكن إعادة بنائه، وأن الأطفال يفكرون في المستقبل لا في الهرب. السلام الذي لا يعيد الكرامة هدنة بين جرحين.

المرحلة المقبلة تحتاج رواية تتجاوز الخبر إلى التحليل: ماذا تغير في موقع القضية؟ كيف أعادت الحرب ترتيب الأولويات الدولية؟ وما الخيارات الفلسطينية؟ والأهم استعادة الوحدة الداخلية بعد هذا الحجم من الدم لا يجوز أن تتحول السياسة إلى سوق مناكفات. الناس يريدون حماية وإغاثة وإعماراً، وقيادة تحمل أوجاعهم. الوحدة ضرورة بقاء.

في الذكرى الثالثة ينبغي أن نسأل: ماذا نريد أن يبقى بعد عشرين عاماً؟ صور صادمة وشعارات، أم وثيقة تاريخية تقول إن شعباً عاش تحت الاحتلال والحصار، ودفع ثمناً باهظاً، لكنه لم يفقد حقه في الحرية والكرامة؟

إسرائيل تريد أن تجعل السابع من أكتوبر بداية الحكاية. الفلسطيني يقول إن الحكاية أقدم بكثير. غزة ليست مشهداً واحداً. غزة قرية هدمت وبيت صمد ومخيم ينتظر ومدرسة تفتح أبوابها وطفل يحمل حقيبته رغم الركام وأم تحفظ أسماء أبنائها وشاب يكتب من خيمة: ما زلنا هنا.

ان الجملة الأهم ان الاحتلال الإسرائيلي قد يدمر البيت لكنه لا يهدم الذاكرة وقد يطارد الصورة لكنه لا يطارد كل الشهادات، وقد يفرض حصاراً لكنه لا يحاصر الحقيقة إلى الأبد.

الذكرى الحقيقية ليست في رفع الصوت، بل في رفع قيمة الإنسان الفلسطيني، وفي حماية الحقيقة وفي فهم المستقبل الشعوب تنتصر حين تمنع خصمها من هزيمتها في الذاكرة والرواية.