عام على اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لم يشعر به المواطنون بأي تحسن، سواء كان على صعيد القصف الإسرائيلي المستمر، أو الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، بعد 3 سنوات من حرب طاحنة أتت على البشر والشجر والحجر.
في أكتوبر، انقلبت الحياة في قطاع غزة رأساً على عقب قرابة 3 سنوات، ليعلن عن اتفاق قبل عام من الآن، وُقع في مدينة شرم الشيخ المصرية في أكتوبر 2025، إلا أن الأوضاع الميدانية لا تزال مخالفة ومغايرة لما نصت عليه التفاهمات. فبدلاً من الخروج من حرب مدمرة، يواجه الفلسطينيون نمطاً جديداً من الحرب، تعني قتل يومي وشعور بالخوف، مع ندرة في المساعدات والبضائع، وارتفاع للأسعار واستمرار للأزمات الإنسانية.
خروقات متواصلة، وأزمات مركبة، وأوضاع إنسانية بالغة السوء في كافة المجالات سواء كان على صعيد المنظومة الصحية، أو الحياة اليومية للمواطنين، خلافاً لاستمرار منع إدخال المستلزمات الهامة للمواطنين، كالإيواء والغذاء والدواء.
ووفقاً لمصادر رسمية، فإن الخروقات الإسرائيلية للاتفاق لم تتوقف، حيث سُجل أكثر من 5147 خرقاً خلال العام المنصرم، شملت عمليات قصف مدفعي واستهدافات جوية وعمليات برية محدودة، هذه الاعتداءات أدت إلى ارتقاء 1465 شهيداً وإصابة أكثر من 5200 آخرين منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ، مما يفرغ التهدئة من مضمونها الفعلي.
وعلى الصعيد الإنساني، يعيش نحو 1.5 مليون نازح في ظروف قاسية داخل الخيام ومراكز الإيواء التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة. ومع اقتراب فصل الشتاء، تتزايد المخاوف من كارثة جديدة، حيث تشير البيانات إلى أن 60% من الخيام الموجودة في القطاع باتت مهترئة وغير صالحة للاستخدام، مما يهدد حياة الآلاف من العائلات.
وفيما يخص المساعدات، كشفت مصادر في المكتب الإعلامي الحكومي عن عرقلة متعمدة لدخول القوافل الإغاثية، حيث لم يسمح الاحتلال إلا بدخول 35% فقط من عدد الشاحنات المتفق عليه. هذا النقص الحاد أدى إلى تفاقم أزمة الغذاء والدواء، وعطل عمليات إعادة الإعمار التي كان من المفترض أن تبدأ فور توقف العمليات العسكرية الواسعة.
القطاع الصحي بدوره يترنح تحت وطأة الحصار، حيث يواجه 12 ألف مريض سرطان خطر الموت المحقق نتيجة فقدان العلاج الإشعاعي ومنعهم من السفر. وتؤكد التقارير الطبية أن القيود المفروضة على المعابر حالت دون مغادرة آلاف الجرحى والمرضى الذين يحتاجون لتدخلات جراحية عاجلة غير متوفرة في مستشفيات غزة المنهكة.
وأظهرت إحصائيات وزارة الصحة لعام 2025 أرقاماً مفزعة، حيث سجلت أكثر من 24 ألف حالة وفاة، كان الاستهداف الإسرائيلي المباشر سبباً في 70% منها. كما سجلت المحافظات الشمالية ومدينة غزة أعلى نسب الوفيات، مما يعكس تركز العمليات العسكرية والخروقات في المناطق المكتظة بالسكان رغم وجود اتفاق التهدئة.
أما النازحون في مخيمات الإيواء المنتشرة في قطاع غزة، فلا يمكن وصف تجربة النزوح المتكرر لهم سوى بأنها استنزاف نفسي وجسدي لا ينتهي.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الاحتلال لا يزال يسيطر على مفاصل الحركة في القطاع، حيث سُمح لعدد محدود جداً من المسافرين بالمغادرة مقارنة بالترتيبات الأصلية. هذا التضييق شمل أيضاً الكوادر الطبية والطلاب والحالات الإنسانية، مما حول قطاع غزة إلى سجن كبير رغم الإعلان الرسمي عن وقف إطلاق النار.
وحذرت جهات حقوقية من انهيار المباني المتصدعة التي خلفتها الحرب، حيث يوجد أكثر من 255 مبنى آيلاً للسقوط يهدد حياة القاطنين حولها. وتفتقر طواقم الدفاع المدني للمعدات اللازمة لإزالة الركام أو تدعيم هذه المنشآت، نتيجة منع الاحتلال إدخال الآليات الثقيلة والمعدات الفنية اللازمة.
وفيما يخص وفيات الأطفال، سجل التقرير الصحي ارتفاعاً مقلقاً في معدلات الوفاة بين الأطفال دون سن الخامسة، لتصل إلى 33.4 حالة لكل ألف مولود. ويعزو الخبراء هذا الارتفاع إلى سوء التغذية، وتلوث المياه، ونقص التطعيمات الأساسية، بالإضافة إلى البيئة غير الصحية في مخيمات النزوح المكتظة.
وبلغت الحصيلة الإجمالية لضحايا العدوان منذ أكتوبر 2023 أرقاماً غير مسبوقة في التاريخ الحديث، حيث تجاوز عدد الشهداء 74 ألفاً، أغلبهم من النساء والأطفال. هذه الأرقام تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه فشل تثبيت وقف إطلاق النار وحماية المدنيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
تتزايد المطالبات المحلية والشعبية والرسمية، بضرورة التدخل العاجل للضغط على سلطات الاحتلال لتنفيذ بنود اتفاق شرم الشيخ، وسط تأكيد فلسطيني على أن أي تهدئة لا تضمن فتح المعابر وإعادة الإعمار وحرية الحركة تظل اتفاقاً منقوصاً يخدم أهداف الاحتلال في إطالة أمد المعاناة الإنسانية.