شكلت معركة "الشجاعية" التي دارت أحداثها شرقي مدينة غزة في السادس من تشرين الأول/أكتوبر عام 1987، تحولاً استراتيجياً في مسار الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.
ولم تكن الملحمة التي خاضها ابطال الجهاد الإسلامي مجرد مواجهة عابرة، بل مثلت تدشيناً لمرحلة جديدة من العمل العسكري المنظم، واُعتبرت المحرك والمحفز الأساسي لاندلاع انتفاضة الحجارة (الانتفاضة الأولى) التي امتدت لسبع سنوات متواصلة.
اشتباك حاسم من مسافة صفر
في مساءِ السادس من تشرين الأول/أكتوبر 1987، تحركت سيارة من نوع "بيجو 504" تضم أعضاء الخلية العسكرية متجهة نحو شمال القطاع.
وبحسب رواية صحيفة "معاريف" العبرية، فإن تحركات المركبة أثارت شكوك قوات الاحتلال في تمام الساعة التاسعة مساءً بعد ملاحظة وجود سلاح بحوزة أحد الركاب.
وعقب رفض المركبة التوقف، اندلعت مطاردة في الشوارع الفرعية لحي الشجاعية وصولاً إلى الشارع الرئيسي المؤدي إلى حاجز "نحال عوز"، وقبل الوصول للحاجز بـ 300 متر، اشتبك مقاومو الخلية من مسافة صفر مع قوة إسرائيلية ضمت عناصر من الجيش والشرطة وجهاز المخابرات (الشاباك).
وأسفر إطلاق النار المباشر من داخل المركبة عن مقتل ضابط المخابرات الإسرائيلي "فيكتور أرجوان" فور إصابته في الصدر.
واصل الشبان الاشتباك في الميدان حتى استقدم جيش الاحتلال تعزيزات عسكرية مكثفة شملت وحدات إضافية وطائرات مقاتلة.
انتهت المعركة بارتقاء كافة أعضاء المجموعة شهداء، فيما زعم الاحتلال العثور على أسلحة ومواد قتالية متعددة داخل المركبة.
نسيج الخلية وأبطال العملية
تألفت النواة الأولى لهذه الخلية العسكرية التابعة لحركة الجهاد الإسلامي من أربعة مقاومين:
سامي الشيخ خليل (اُستشهد في المعركة).
محمد الجمل (اُستشهد في المعركة).
زهدي قريقع (اُستشهد في المعركة).
أحمد حلس (اُستشهد في المعركة).
وتكمن الأهمية الأمنية للخلية في كون الشهيدين سامي الشيخ خليل ومحمد الجمل من بين الأسرى الذين نجحوا في كسر منظومة السجون والإفلات من سجن "غزة المركزي" في أيار/مايو 1987 خلال عملية "الهروب الكبير" التي قادها الشهيد مصباح الصوري.
سجل نضالي وسلسلة عمليات نوعية
ولم تكن معركة الشجاعية حدثاً معزولاً، بل سبقها سجل حافل بالعمليات النوعية التي أربكت المؤسسة الأمنية والعسكرية للاحتلال. وأشار قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال حينها، "إسحق مردخاي"، إلى ارتباط هذه الخلية بأحداث أمنية بارزة في القطاع، منها:
عملية جباليا: إطلاق 17 رصاصة صوب سيارة إسرائيلية، ما أدى إلى إصابة اثنين من ركابها، أحدهما جندي إصابته خطيرة.
اغتيال "جليل غروسي": تصفية ضابط المخابرات الإسرائيلي في أيار/مايو 1987 شرقي الشجاعية.
اغتيال العقيد "رون طال": إطلاق النار المباشر على قائد الشرطة العسكرية الإسرائيلية في غزة ومسؤول معتقل "أنصار 2" في آب/أغسطس 1987 بقلب غزة (والتي نفذها الشهيد مصباح الصوري).
يشار إلى أن معركة الشجاعية جاءت في وقت كان يعاني فيه العمل المسلح من تضييق وإحباطات متتالية، لتعيد الروح للعمل المقاوم وتكسر حالة الرهان على الموقف العربي الرسمي آنذاك.
وأبدت الصحافة العبرية ("معاريف") عقب المعركة تخوفاً شديداً من اتساع رقعة المواجهات، وهو ما تحقق بالفعل؛ إذ أشعل استشهاد كوادر الخلية (الذين ينتمون إلى حي الشجاعية ومدينة رفح) موجة عارمة من غضب الشارع الفلسطيني والتظاهرات في كافة أنحاء قطاع غزة والضفة الغربية، وصولاً إلى اندلاع انتفاضة الحجارة الشاملة عام 1987، والتي أسست لبناء الهياكل والخلايا العسكرية للفصائل الفلسطينية.