استراتيجية الخداع الترامبية الكبرى بشأن إيران ستنهار وتفشل!

الساعة 04:37 م|05 أكتوبر 2026

فلسطين اليوم | مازن النجار

يبدو أنّ تدفّق النفط مؤخراً عبر مضيق هرمز يتم برغبة إيران! فقد رجّحَت ميشيل بروهارد، مسؤولة السياسات والمخاطر الجيوسياسية بشركة Kpler، في مقابلة مع محلل الطاقة روري جونستون بأنّ وراء مرور مزيد من النفط الخام عبر المضيق أنّ بعض الدول تدفع لإيران رسوماً، تبلغ 20% من قيمة كلّ شحنة.

بدوره، يلاحظ جون ميرشايمر، الأستاذ في جامعة شيكاغو، ونجم المدرسة الواقعية البنيوية في العلاقات الدولية، بمدوّنته "جون سبستاك"، أنّ إدارة ترامب وأنصارها يبذلون جهوداً مضنية مؤخراً لتزييف حقائق حرب إيران، لإظهار الإدارة منتصرة، وأنّ على طهران الخضوع لمطالبها قبل الهزيمة أو الإبادة. يُعِدّ ترامب لخيار استخدام القوة العسكرية ضدّ إيران بعد انتخابات التجديد النصفي إذا لم تستسلم بحلول ذلك.

وفي حين يشنّ ترامب وأنصاره "حملة ضغط قصوى" ضدّ إيران بوسائل الإعلام الرئيسة، يؤكّد ميرشايمر أنّ هذه الحملة ستفشل. بل إنها تعكس يأس إدارة ترامب. لقد أشعل الرئيس حرباً كان محتماً أن يخسرها، ولا يملك الآن إلا القليل ليفعله لتغيير هذه الحقيقة البديهية. 

حملة ثنائية الأبعاد

تتألف حملة ترامب الدعائية من بعدين: أحدهما اقتصادي والآخر عسكري.

أولاً، تزعم الإدارة الأميركية أنّ إيران تختنق اقتصادياً بفعل الحصار البحري الأميركي المقترن بعملية "المنبوذ الاقتصادي"، وهي استراتيجية أعلنها وزير الخزانة سكوت بيسنت في 24 آب/أغسطس 2026. وفي الوقت ذاته، تؤكّد أنّ النفط يتدفّق مجدداً من الخليج بمعدلات لا تقل كثيراً عما كان سائداً في 27 شباط/فبراير 2026.

وتوقّعات ترامب أنّ العقاب الاقتصادي المفروض على إيران سيجبرها على الاستسلام قريباً، بينما الاقتصاد الأميركي – والدولي عموماً – يسير بخطى ثابتة نحو التعافي.

ثانياً، تعمل الولايات المتحدة حالياً على تعزيز قواتها العسكرية استعداداً لضربة عسكرية واسعة بعد انتخابات التجديد النصفي، حين يتحرّر ترامب من القيود الانتخابية. هذا التهديد المتزايد بهجوم أميركي مدمّر، إلى جانب المعاناة الاقتصادية التي تُلحَق بإيران، يستهدف دفع طهران للانسحاب الآن من المواجهة، قبل تفاقم وضعها. 

يرى ميرشايمر أنّ ثمّة مشكلات كبيرة في هذه الاستراتيجية. تبدو مقنعة عندما تروّج لها وسائل الإعلام الرئيسية بإخلاص، لكنها تنهار عند التدقيق فيما يحدث بالفعل.

بالنظر في البُعد العسكري. تشير العناوين الرئيسية إلى أنّ الولايات المتحدة سترسل 10 آلاف جندي إضافي وحاملة طائرات ثالثة – ثيودور روزفلت – إلى الخليج، مما يُوحي بأنّ إيران ستواجه قريباً ثلاث حاملات طائرات أميركية. كذلك، يُصوَّر هذا العدد الإضافي من القوات – إضافة لنحو 50 ألف جندي أميركي موجودين بالفعل في المنطقة – دليلاً على أنّ ترامب يُفكِّر جدّياً في إرسال قوات برية.

حرب إيران تُرهق البحرية الأميركية

لكنّ قصة حاملات الطائرات تختلف تماماً عما توحي به العناوين الرئيسية. يُقال إنّ حاملة الطائرات روزفلت ستحلّ محلّ حاملة الطائرات جورج واشنطن، بينما غادرت حاملة الطائرات الثالثة المفترضة، جورج بوش، الشرق الأوسط بالفعل وهي الآن في تايلاند. وبالتالي، ليس هناك سوى حاملة طائرات واحدة في المنطقة حالياً. في الواقع، هذه المرة الأولى خلال الحرب لا تبقى فيها للولايات المتحدة إلا حاملة طائرات واحدة في الشرق الأوسط، ويصعب تصوّر وجود أكثر من اثنتين – إن وُجدتا أصلاً – بعد انتخابات التجديد النصفي. 

يقول ميرشايمر، المشكلة الأكبر أنّ الحرب مع إيران تُرهق البحرية الأميركية بشدة. ويحذّر كبار قادتها من أنّ وتيرة العمليات الحالية غير مستدامة لأجل غير مسمّى. إذ تتناوب حاملات الطائرات والسفن الحربية الأخرى في مهام طويلة للغاية، مما يُسبّب لها مشكلات كبيرة في الصيانة والاستعداد، ولا بدّ من معالجتها في وقتها.

وتتفاقم هذه المشكلة بسبب فقدان السفن الأميركية إمكانية الوصول إلى مرافق إمداد قريبة، واعتمادها المتزايد سلسلة إمداد تمتد إلى دييغو غارسيا، على بعد 4000 كيلومتر عن الخليج. 

لكن حتى لو توفّرت ثلاث حاملات طائرات لضرب إيران، فماذا يمكن تحقيقه بحملة جوية جديدة مما لم تحقّقه حملة القصف الأميركية الإسرائيلية الفاشلة أربعين يوماً بين 28 شباط فبراير و8 نيسان/أبريل 2026؟

قد يجادل البعض بأنّ الولايات المتحدة قادرة على تدمير البنية التحتية النفطية في إيران. لكنّ إيران لا تزال تمتلك القدرة على توجيه ضربة ثانية، ويمكنها الردّ بإلحاق دمار هائل بالبنية التحتية النفطية لدول الخليج. فالتفكير في عواقب ذلك على الاقتصاد العالمي يثير قشعريرة.

أرقام القوات الأميركية مضللة 

إضافةً إلىكلّ هذا، يُذكّر ميرشايمر بأنّ الولايات المتحدة تواجه نقصاً حاداً في الأسلحة والذخائر المتطوّرة، كسبب رئيس دفعها لإنهاء حملة قصف استمرت أربعين يوماً، وتجنّب الانخراط في تبادل قصف مماثل مع إيران لاحقاً. قد يظن المرء أنّ نقص الذخائر الحيوية – لضرب إيران أو للدفاع ضدّ ردّها – سيحُدّ نطاق وكثافة أيّ حملة قصف استراتيجي جديدة، وبالتالي يقلّل فرص نجاحها.

فيما يتعلّق بالقوات البرية، إنّ مجرّد إحصاء أفراد الجيش الأميركي في الشرق الأوسط مضلّل عند تقييم إمكانية إرسال قوات برية. فالمهمّ في الحرب البرية هو عدد القوات في تشكيلات القتال البري الفعلية. يقدّر ميرشايمر أنّ من بين نحو 50,000 فرد من الجيش الأميركي المتمركزين حالياً في المنطقة، نحو 5,000 ينتمون لهذه التشكيلات: 2,200 من مشاة البحرية والبحّارة في وحدة المشاة البحرية الحادية عشرة، و2,000 جندي من الفرقة 82 المحمولة جواً، وربما 800 فرد آخرين من الجيش في الكويت ضمن قوة المهام "سبارتان".

ومن بين نحو 10,000 فرد إضافي يتمّ إرسالهم حالياً إلى المنطقة، 2,200 آخرون ينتمون لوحدة المشاة البحرية الثالثة عشرة. أما معظم الباقين فهم بحّارة مُلحقون بحاملة الطائرات ثيودور روزفلت وسفنها الحربية الداعمة. وبالتالي، ونظراً لخطط الانتشار الحالية، يقدّر ميرشايمر أنه بحلول أواخر تشرين الثاني/نوفمبر سيكون لدى البنتاغون نحو 7500 فرد في تشكيلات القتال البري بمنطقة الخليج – منها 4400 في وحدتي مشاة البحرية الاستطلاعية و2800 فرد من الجيش.

قوة برية غير فاعلة 

إذاً بحسب ميرشايمر، لا يُمكن بأيّ حال من الأحوال أن تُشكّل قوة برية بهذا الحجم الصغير خياراً واعداً ضدّ دولة بحجم إيران سكاناً وتضاريسَ. حتى لو تضاعف هذا العدد ثلاث مرات ليبلغ 23 ألفاً – وهو مستبعد للغاية – فلن يُغيّر ذلك جوهر المشكلة.

يُقدّر الجنرال المتقاعد باري مكافري أنّ تأمين مضيق هرمز يتطلّب نحو 150 ألف جندي وما بين ثلاثة وستة أشهر من القتال. للمقارنة، غزت روسيا أوكرانيا في شباط/فبراير 2022 بنحو 190 ألف جندي، وأثبتت هذه القوة عدم كفايتها للسيطرة على الأراضي التي احتلتها روسيا بدايةً. يبلغ عدد سكان إيران أكثر من ضعف عدد سكان أوكرانيا عند بداية الغزو الروسي، وتضاريسها أكثر وعورة بكثير بالنسبة لجيش غازٍ.

ببساطة، لم تُجهّز الولايات المتحدة أيّ قوة برية تُضاهي، ولو من بعيد، القوة اللازمة لغزو واسع النطاق لإيران. بل إنّ طهران ترى أنّ قراراً أميركياً بشنّ هجوم كهذا، بأيّ قوة تُقارب القوات المتاحة حالياً، سيمنحها فرصة مواجهة الولايات المتحدة في ظروف استثنائية مواتية.

مع أنّ هذا الموضوع قد يبدو مكرّراً، إلا أنه لا بدّ من التطرّق إلى نقطتين إضافيتين:

أولاً، نظراً لمدى استياء الرأي العامّ الأميركي من حرب إيران، فمن شبه المؤكّد أن يثور غضب عارم إذا بدأ عدد كبير من الجنود الأميركيين بالعودة إلى ديارهم قتلى.

ثانياً، كيف يُفترض بقوات المارينز، المتمركزة على متن سفن إنزال برمائي، أن تنزل على أراضي إيران إذا كان التهديد الصاروخي والمسيّرات الإيرانية يُجبر البحرية الأميركية على إبقاء تلك السفن الكبيرة الهشة بعيداً عن سواحل إيران؟

لا استسلام للضغط الاقتصادي

في البُعد الاقتصادي، يرى ميرشايمر أنّ الولايات المتحدة بلا شك تُلحق ضرراً بالغاً بالاقتصاد الإيراني وتُسبّب معاناةً هائلةً للشعب الإيراني. لكنه وضع قائم منذ زمن طويل. السؤال الأهم: هل يُمكن لهذا العقاب إجبار إيران على الاستسلام للمطالب الأميركية؟

لا يرى ميرشايمر دليلاً على أنّ إيران تستسلم للضغوط الأميركية، وهناك ثلاثة أسباب تدعو للتشكيك في ذلك:

أولاً، يصعب للغاية العثور في التاريخ على حالة أدى فيها الحصار الاقتصادي وحده لاستسلام دولة مستهدفة.

ثانياً، ترى إيران في الولايات المتحدة و"إسرائيل" تهديداً وجودياً لها، وهو أمر ليس مفاجئاً نظراً لخطاب ترامب التحريضي عند الحديث عن إيران، والدول التي تعتقد أنّ بقاءها على المحك يصعب إجبارها على الاستسلام.

ثالثاً، تمتلك إيران خياراً تصعيدياً قوياً إذا ما تفاقمت الأزمة الاقتصادية: إذ يمكنها مهاجمة البنية التحتية للنفط والغاز في دول الخليج و"إسرائيل"، فضلاً عن محطات تحلية المياه شديدة الحساسية. 

باختصار، يصعب تصوّر أنّ الضغط الاقتصادي وحده كفيل بإجبار إيران على قبول شروط ترامب. ولعلّ هذا أحد الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة للحديث مجدّداً عن استخدام القوة العسكرية. لكنه خيار لا يبشّر بنتائج إيجابية.

أخيراً، لا شكّ أنّ تدفّق النفط من الخليج اليوم يفوق ما كان عليه أوائل أيلول/سبتمبر 2026. لكنّ إيران والحوثيين يبذلون جهوداً حثيثة لعكس هذا الاتجاه. فإيران تشنّ هجمات يومية على ناقلات نفط ترافقها سفن حربية أميركية، بينما يستهدف الحوثيون بنى تحتية نفطية حيوية داخل السعودية. 

مصير استراتيجية الخداع

ورغم ازدياد تدفّق النفط من الخليج، لا تزال أسعار البنزين مرتفعة للغاية، ولا تلوح في الأفق بوادر انفراجة لمجموعة مشكلات اقتصادية أخرى، مثل ارتفاع أسعار الديزل، والتضخّم المستمر، وارتفاع معدلات الرهن العقاري، وارتفاع عوائد السندات بشكل خطير في معظم أنحاء الغرب.

خلاصة القول، بحسب ميرشايمر، إنّ إدارة ترامب لديها دوافع اقتصادية قوية لإنهاء هذه الحرب بأسرع وقت ممكن. بل ليس مستغرباً أن يتزايد شعور اليأس بين ترامب ومستشاريه في جلساتهم المغلقة.

هذا، بطبيعة الحال، يُفسّر جزئياً سبب شنّ إدارة ترامب وحلفائها حملة إعلامية تهدف لإقناع إيران بأنّ أيامها معدودة، وأنّ الأفضل لها الامتثال لمطالب أميركا عاجلاً. إلا أنّ الحقائق تُظهر خلاف ذلك.

لذا، فإنّ نجاح استراتيجية الخداع يعتمد على قدرة ترامب على خداع الإيرانيين وإيهامهم بأنّ وحشاً ضخماً يُحاصرهم. ولا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأنّ طهران ستُخدع.

كلمات دلالية