زيتون غزة تحت الركام.. موسم قطف يبحث عن أشجار نجت من الإبادة

الساعة 04:02 م|05 أكتوبر 2026

فلسطين اليوم

مع بدء موسم قطف الزيتون، الذي يبدأ عادة في الخريف، تبدو حقول غزة مختلفة عما كانت عليه قبل الحرب التي بدأت في السابع من أكتوبر 2023.

مساحات زراعية واسعة تحولت إلى أراضٍ مدمرة، وأشجار اقتُلعت أو احترقت أو دُفنت تحت الأنقاض، فيما يحاول مزارعون الوصول إلى ما تبقى من أشجارهم بحثاً عن محصول يمكن إنقاذه.

ولم يعد موسم الزيتون بالنسبة إلى مزارعي القطاع مجرد موعد سنوي لجني الثمار وإنتاج الزيت، بل أصبح اختباراً جديداً لما تبقى من القطاع الزراعي بعد سنوات الحرب، وتشير بيانات نقلتها تقارير حديثة إلى أن معظم أشجار الزيتون في غزة تعرضت لأضرار أو دمار، بالتزامن مع صعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية ونقص الأسمدة والأدوية ومستلزمات الإنتاج.

ملايين الأشجار خارج الموسم

وتكشف تقديرات سابقة لوزارة الزراعة الفلسطينية أن نحو 74% من المساحات المزروعة بالزيتون في قطاع غزة دُمّرت، بما يعادل نحو 2.29 مليون شجرة زيتون، في حين تضررت البنية التحتية المرتبطة بإنتاج الزيت أيضاً.

وكان القطاع يضم عشرات معاصر الزيتون التي تعتمد عليها آلاف العائلات في موسم القطاف، إلا أن الحرب ألحقت أضراراً كبيرة بهذا القطاع؛ إذ أشارت بيانات نقلتها تقارير إنسانية إلى أن عدد المعاصر العاملة تراجع بصورة حادة.

ولا تتوقف الخسائر عند الأشجار التي دُمرت بشكل مباشر، فالأشجار التي بقيت على قيد الحياة تواجه ظروفاً صعبة بسبب نقص المياه والأسمدة والمبيدات، فضلاً عن تضرر الأراضي الزراعية وصعوبة الوصول إليها.

شجرة عمرها عشرات السنين

بالنسبة للمزارع الغزي، لا تمثل شجرة الزيتون محصول عام واحد فقط. فالأشجار التي تُقتلع أو تُحرق قد تكون زرعتها عائلات قبل عقود، وانتقلت ملكيتها من جيل إلى آخر.

يقول مزارعون: إن فقدان شجرة الزيتون يعني فقدان مصدر دخل يمتد لسنوات، خصوصاً أن إعادة زراعة شجرة جديدة لا تعني استعادة الإنتاج سريعاً، إذ تحتاج الأشجار إلى سنوات حتى تصل إلى مرحلة الإنتاج الاقتصادي.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه سكان القطاع من أزمة اقتصادية وإنسانية شديدة، ما يجعل تراجع الإنتاج الزراعي ضربة إضافية للأسر التي كانت تعتمد على الأرض لتوفير الغذاء والدخل.

موسم بلا أدوات

حتى الأشجار التي نجت من القصف والتجريف تواجه مشكلة أخرى: كيف يمكن قطافها؟

فالمزارع يحتاج إلى أرض يمكن الوصول إليها، وأدوات للقطاف، ووسائل نقل، ومعصرة لاستقبال المحصول، إضافة إلى مستلزمات تخزين الزيت وتسويقه.

وتشير التقارير إلى أن تدمير الأراضي الزراعية والمنشآت الزراعية جعل عملية استعادة دورة الإنتاج الزراعي في غزة أكثر تعقيداً. وفي موسم سابق، اضطر مزارعون إلى تأخير القطاف إلى أشهر الشتاء للوصول إلى ما تبقى من أشجارهم في بعض المناطق.

الزيتون.. أكثر من محصول

يحتل الزيتون مكانة خاصة في الحياة الفلسطينية، اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً. ويصف مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان موسم قطف الزيتون بأنه حدث اقتصادي واجتماعي وثقافي رئيسي للفلسطينيين، فيما تمثل شجرة الزيتون رابطاً تاريخياً بين الفلسطينيين وأرضهم.

وفي غزة، حيث تعرضت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية للدمار، أصبح الحفاظ على الأشجار المتبقية جزءاً من معركة استعادة الحياة الزراعية بعد الحرب.

ومع اقتراب موعد القطاف، لا ينتظر المزارعون موسماً وفيراً كما في السنوات السابقة. بعضهم يبحث فقط عن أشجار ما زالت واقفة، وآخرون يحاولون معرفة ما إذا كان بإمكانهم الوصول إلى أراضيهم أصلاً.

خسارة تتجاوز الزيت والزيتون

الخسارة الناجمة عن تدمير أشجار الزيتون لا تُقاس فقط بعدد أطنان الزيتون التي لن تصل إلى المعاصر. فكل شجرة مدمرة تعني محصولاً مفقوداً، ودخلاً مفقوداً، وسنوات من الانتظار لإعادة إنتاج الشجرة.

وتشير بيانات حديثة لوزارة الزراعة الفلسطينية إلى أن الأضرار التي لحقت بأشجار الزيتون في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ عام 2023 وحتى نهاية سبتمبر/أيلول 2026 بلغت نحو 286 ألف شجرة، فيما تجاوزت خسائر محصول الزيتون 157 مليون دولار، مع تسجيل نحو 100 ألف شجرة متضررة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 وحدها.

وبينما يستعد الفلسطينيون في مناطق أخرى لبدء موسم القطاف، يدخل مزارعو غزة موسماً مختلفاً؛ موسماً لا يتعلق فقط بكمية المحصول، وإنما بالسؤال عن عدد الأشجار التي بقيت، وعدد الأراضي التي يمكن الوصول إليها، وما إذا كانت عجلة الزراعة قادرة على الدوران من جديد.

في غزة، قد لا يكون هذا الموسم موسم جني الزيتون بقدر ما هو موسم جرد للخسائر والبحث عن جذور ما زالت متمسكة بالأرض.

 

كلمات دلالية