موسم الانتخابات.. من يملك مفاتيح إعادة رسم المشهد؟

الساعة 09:15 ص|05 أكتوبر 2026

فلسطين اليوم | شرحبيل الغريب

تعيش المنطقة، مع اقتراب خريف انتخابي استثنائي، أمام مفترق طرق بثلاثة صناديق اقتراع مهمة، قد تتجاوز نتائجها حدود التغيير التقليدية، انتخابات إسرائيلية للكنيست الإسرائيلي، وانتخابات نصفية أميركية، وثالثة تشريعية فلسطينية.

هذه الانتخابات تتقاطع مع حروب مفتوحة، وجبهات لم تنطفئ بعد، وأزمات داخلية، وتحولات في الرأي العام، وضغوط دولية متصاعدة، قد تتغير الوجوه بينما تبقى السياسات كما هي إسرائيلياً، وقد تتبدل الموازين من دون أن تتبدل قواعد اللعبة في ساحات الحرب المفتوحة، وقد تجري الانتخابات فلسطينياً من دون أن تنجح في إعادة صوغ المشهد. وهنا يبرز سؤال مهم، ليس من سيفوز في هذه الانتخابات، بل من سيملك القدرة على تحويل نتائج صندوق الاقتراع إلى قرارات تعيد ترتيب موازين القوى والنفوذ؟ وانطلاقاً من هذه المشهدية، يصبح موسم الانتخابات اختباراً أوسع نحو سؤال استراتيجي كبير عنوانه "هل ستعيد الانتخابات تشكيل موازين القوى، أم ستعيد إنتاج المشهد القائم مرة أخرى؟"

معروف أن لكل بيئة خصوصية في إفراز نتائج الانتخابات، وأن صناديق الاقتراع ليست كلها قادرة على إعادة صوغ المشهد أو تغيير قواعد اللعبة، ولكن حين يجتمع موسم الانتخابات في "إسرائيل" وفي الولايات المتحدة وفي الأراضي الفلسطينية في توقيت متقارب، في لحظة إقليمية مثقلة بالحروب والانقسامات والتحولات الدولية، تكون التساؤلات مفتوحة على مصراعيها، ليس من سيفوز، بل تصبح التساؤلات أكثر تعقيداً، من سيمتلك القدرة على تحويل نتائج الانتخابات إلى نفوذ سياسي قادر على التغيير؟ وعلى الزاوية الأخرى من الصورة، من سيكتشف أن صناديق الاقتراع لا تكفي وحدها لصناعة التحول وتغيير المعادلة؟

المشهدية اليوم أمام ثلاثة استحقاقات، زمنياً تتقارب وتتقاطع إلى حد كبير، لكنها تختلف في طبيعتها وأيضاً في موازينها،  إسرائيلياً، الصراع بين نتنياهو وآيزنكوت كبير، وفي الولايات المتحدة الأميركية الرهان على قدرة الرئيس ترامب على إدارة أجندته من دون قيود الكونغرس الأميركي بشكل أكبر، أما في الأراضي الفلسطينية، فالرهان على ما إذا كانت الانتخابات التشريعية ستفرز مشهدية جديدة من التحالفات السياسية وتجديد الشرعية، أم ستعيد إنتاج الانقسام الفلسطيني بطريقة جديدة.

وبين هذه المسارات الثلاثة، تبدو المنطقة أمام اختبار يتجاوز تغيير الحكومات إلى إعادة تعريف كثير من المفاهيم السياسية، في فهم العلاقة بين مفهوم السياسة والحرب، وبين القوة والشرعية، وبين الدعم الدولي والمساءلة.

إسرائيلياً، قد يقول البعض إن المشكلة لن تكون في اليوم التالي لهزيمة نتنياهو وسقوطه في الانتخابات، معروف أن الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر الجاري تأتي هذه المرة بعد ثلاث سنوات من معركة "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر، تخللتها أزمات أمنية كبيرة وسياسية واجتماعية واقتصادية في "إسرائيل"، وكل هذه العناوين تشكل تحديات ليست بالسهلة أمام نتنياهو، تجعله يواجه صعوبة في تأمين أغلبية للفوز وتشكيل حكومة يمينية جديدة.

وعلى الزاوية الأخرى من الصورة، قد يواجه تيار المعارضة أيضاً تحدياً كبيراً في النجاح بتشكيل حكومة مستقرة، إذ إن المعادلة في المشهدية الإسرائيلية تبدو غير مضمونة لطرف حتى الآن، رغم استطلاعات الرأي المتكررة التي تميل لآيزنكوت، لسبب رئيسي أن صدارة أي معسكر في عدد الأصوات لا تمنحه القدرة على الحسم، وإنما القدرة على تشكيل كتلة في الكنيست الإسرائيلي تصل إلى 61 مقعداً.

هنا تكمن إحدى أهم المفارقات، يمكن أن يخسر نتنياهو الانتخابات ولا يخسر كرسي الحكم، إذا استطاع تشكيل ائتلاف جديد، كما يمكن لخصومه السياسيين أن يتصدروا المشهد من دون أن يمتلكوا مفاتيح تشكيل حكومة بديلة متماسكة وقوية.

نتنياهو معروف عنه أنه كالساحر، ولديه من القدرة على إعادة إنتاج نفسه مجدداً، ونجح في ترسيخ مفهوم إسرائيلي لدى المجتمع والعقل الإسرائيلي أنه سيد الأمن في "إسرائيل" ولا يستطيع أحد منافسته. ومن هذا المنطلق، معروف عن نتنياهو أنه لا يدخل معترك انتخابات بلا أوراق، ودائماً يروّج في تصريحاته أن "إسرائيل" أمام خطر وتحديات أمنية كبيرة، بل وأمام تهديدات إقليمية، والخطاب الديني القومي حاضر بقوة وسيتصاعد مع مرور الأيام التي تسبق الانتخابات، وسيزيد اختلاق الأحداث لصالحه و يتصاعد بشكل ملحوظ.

في النهاية، كلها أدوات سياسية لدى نتنياهو قادرة على إعادة تجميع قاعدته الانتخابية، ولكن إخفاقات ائتلافه أيضاً حاضرة وكبيرة، وكلفة الحروب التي خاضها مع حماس وحزب الله وإيران، والانقسام الداخلي حول قضايا القضاء والتجنيد، وتضرر صورة وموقع إسرائيل عالمياً، حسابات لا يمكن أن تغيب أمام صندوق الاقتراع، وقد تدفع جزءاً من الأصوات إلى البحث عن قيادة مختلفة بديلة، وهذا حاضر في المعادلة.

مسألة مهمة لا بد أن تكون حاضرة، في حال خرج نتنياهو من المشهد السياسي، فهذا لا يعني خروج "إسرائيل" من يمينها، فنحن أمام يمين إسرائيلي متطرف متشدد إلى يمين إسرائيلي أقل بدرجة فقط، وهذا ليس معناه ولادة مسار سياسي جديد، فقد يتغير نتنياهو كرئيس لحكومة الاحتلال، بينما تبقى البنية السياسية والأمنية التي أنتجت السياسات ذاتها، ويتصدر المشهد آيزنكوت.

أميركياً، وفي واشنطن، المعركة الانتخابية الحقيقية قد لا تكون على البيت الأبيض، بل على حدود سلطة الرئيس، انتخابات التجديد النصفي للكونغرس تقترب في الثالث من نوفمبر القادم، وستحدد جميع مقاعد مجلس النواب وثلث مقاعد مجلس الشيوخ، وحال تمكن الحزب الديمقراطي من استعادة أحد المجلسين أو كليهما، وهذا وارد بسبب سياسات الرئيس ترامب، فإن ترامب سيواجه كونغرس أكثر قدرة على التأثير والرقابة على صعيدين مهمين، سواء في الإنفاق المالي من جهة، وفي التشريع من جهة أخرى.

وهنا لابد من التعريج على مسألة مهمة، وسؤال قد يراود البعض: حال نجح الحزب الديمقراطي، كيف سيكون التعامل مع "إسرائيل" أمام التحول الحاصل داخل الحزب ولو بدرجة واضحة؟ من هنا أعتقد أن اختزال الأمر في أن خسارة الحزب الجمهوري تعني تلقائياً تراجع الدعم الأميركي لـ"إسرائيل" هي قراءة سطحية، لسبب مهم، أن السياسة الخارجية الأميركية لا يصنعها الكونغرس الأميركي وحده، والرئيس في موقعه يحتفظ بأدوات وسلطات سياسية واسعة في إدارة شأن علاقات أميركا الخارجية وتحديداً مع "إسرائيل".

ثمة سؤال يطرح نفسه: ما الذي يمكن أن يتغير إذاً؟ في تقديري، الأكثر أهمية هو أن تغيير تركيبة الكونغرس الأميركي سيكون له ثمن يتمثل في رفع الكلفة السياسية لبعض السياسات الأميركية، وتحديداً في العلاقة مع "إسرائيل" وقوى أخرى في المنطقة، خصوصاً إذا تزامن مع تحول تدريجي في الرأي العام الأميركي تجاه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وقد بدأ هذا التحول خصوصاً بين جيل الشباب وطلاب الجامعات وقطاعات أخرى من الناخبين الديمقراطيين، عندها لا تكون الانتخابات نقطة انقلاب مفاجئة، بل حلقة في مسار طويل يعيد تعريف حدود العلاقة الأميركية- الإسرائيلية.

فلسطينياً، وهو صندوق الاقتراع الأكثر أهمية وحساسية، حيث من المقرر إجراء الانتخابات البرلمانية في الثامن والعشرين من نوفمبر القادم، مع انتخابات رئاسية متوقعة مطلع العام المقبل 2027، وهذان الحدثان يمثلان محطات مهمة في حياة الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية، لسبب مهم أنهما يفتحان نافذة سياسية جديدة ومهمة، لكن لا يضمنان ولادة شرعية فلسطينية جديدة، على قاعدة لا شيء مضمون في هذه الساحة المضطربة. 

فالانتخابات الفلسطينية تواجه سؤالاً جوهرياً كبيراً، ليس من سيفوز ومن سيخسر، خاصة في ظل الحديث عن التحديات والتحالفات التي يجري الحديث عنها، وهنا يبرز السؤال الأهم: هل يمكن للفلسطينيين إنتاج عملية انتخابية في جغرافيا سياسية عاشت حرب إبادة لم تنته بعد، ومنقسمة سياسياً بشكل عميق منذ عام 2006 وحتى الآن، وتعيش تحت الاحتلال؟

حتى الرأي العام في الأراضي الفلسطينية يبدو مشككاً في موعد إجرائها، إذ كشف آخر استطلاع أجراه مركز بحثي فلسطيني أن ما نسبته 49% من الفلسطينيين يعتقدون أن الانتخابات ستجري في موعدها، مقابل 44% يعتقدون استحالة عقدها في موعدها، ومثل هذه الأرقام تكشف معطى مهماً جداً، وتقر بوجود أزمة ثقة ما زالت حاضرة في العقل الفلسطيني الذي يعيش الحرب والانقسام معاً، أزمة ثقة تتجاوز الانتخابات وتضرب بشكل رئيس النظام السياسي الفلسطيني برمته.

لذلك، نجاح الانتخابات الفلسطينية لا يقاس بفتح صناديق الاقتراع وإعلان النتائج، بل يبدأ من النجاح في إعادة بناء الثقة، وضمان إجراء انتخابات ضمن قواعد موحدة قائمة على تكافؤ الفرص والحرية السياسية، والأهم تعهد الكل الفلسطيني بميثاق شرف بضرورة احترام نتائجها مهما كانت، لأن أي انتخابات يمكن أن تجري ولا تقوم على هذه الأسس قد تتحول إلى مجرد إعادة توزيع المقاعد كحصص داخل نظام سياسي مأزوم يعيش تحت احتلال .

أعتقد أن هناك فرصة أمام الفلسطيني ليس في انتخاب مجلس تشريعي جديد فقط، بل تشمل فرصة لإعادة بناء عقد سياسي جديد قائم على إصلاح مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وتغيير وظيفة السلطة الفلسطينية، وتوحيد الفلسطينيين في الداخل والخارج، وبلورة استراتيجية وطنية واضحة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

وهنا تتقاطع الانتخابات الثلاثة رغم اختلاف ساحاتها وجغرافيتها، قد يخسر نتنياهو من دون أن تتغير السياسة الإسرائيلية كثيراً في علاقتها مع الفلسطينيين أو حتى مع حزب الله وإيران، وقد يخسر الحزب الجمهوري أحد مجلسي الكونغرس من دون أن يتوقف الدعم العسكري لـ"إسرائيل"، وقد يذهب الشعب الفلسطيني إلى استحقاق الانتخابات القادمة من دون أن ينتهي الانقسام وتفرز خريطة سياسية جديدة،  وهذا يوصلنا إلى نتيجة مهمة مفادها أن الانتخابات ليست هي التحول الحقيقي في المشهدية، بل إنها الأداة التي ستكشف من يملك القدرة على صناعة هذا التحول.

ثمة معادلات ستتشكل حال جرت الانتخابات في ساحاتها الثلاث في مواعيدها المحددة، لكن المعادلة الحقيقية ستكون لمن استطاع أن يحوّل النتيجة إلى سياسة، والسياسة إلى أسلوب للتغيير الأفضل نحو إنهاء الحروب، والأهم هذا التغيير إلى شرعية حقيقية تعيد الثقة في العلاقة بين الناخب والمسؤول . 

سأعرج أكثر على الحالة الفلسطينية، لسبب مهم، أن ثمة شعوراً يراود كثيراً من الأطراف السياسية الفلسطينية والجهات المعنية في الشأن الفلسطيني أن الانتخابات ستضاف إلى قائمة من المواعيد المؤجلة، في منطقة أنهكتها الحرب ولم تعد تنظر إلى صندوق الاقتراع كأداة ونافذة للتغيير.