(تنبيه: هذه نتيجة الرُّبع الأول، من الشوط الأول من المباراة)
مناصرة الحقوق الفلسطينية، صار "تريند" بلغة منصات التواصل الإلكترونية، أي أمرا ذائع الانتشار، ففي كل الدول الغربية، هناك حراك جماهيري واسع ومؤثر يدين بالصوت العالي جرائم إسرائيل في غزة والضفة الغربية، ولم يتأتّ ذلك بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة من شاكلة: ما أُخِذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة/ يا جبل ما يهزك ريح/ سلام الشجعان/ لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي. بل تأتّى من الضمير الإنساني الذي أيقظته مشاهد الموت والدمار الشامل، التي لم يكن بمقدور إسرائيل إخفاءها أو التعتيم عليها، في عصر ديمقراطية المعلومات الذي هلّ مع ظهور الانترنت.
وشهد العالم كله قبل أيام قليلة، سفاح فلسطين بنيامين نتنياهو، يقف في كامل أناقته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ليردد موال أن إسرائيل محاصرة بالأعداء وأنها تخوض حربا للدفاع عن النفس (رغم أنها بلا جيش. ولديها فقط كيان عسكري اسمه قوة "دفاع" إسرائيل). ولم تكن ذروة دراما ذلك المشهد انسحاب وفود معظم الدول رفضا للاستماع إليه وتركه و"قفاه يقمّر عيش"، كما يقول التعبير العامي المصري في وصف من يقع في حرج بالغ، بل كانت الذروة أن شوارع نيويورك، حيث مقر الأمم المتحدة، ضاقت بعشرات الآلاف وحناجرهم تهز الأثير: فِري فلسطين= الحرية لفلسطين، وتصف نتنياهو بمجرم الحرب السفاح. وصحيح ان عشرات المدن في أوربا وأمريكا ظلت تشهد مظاهرات تناصر فلسطين، ولكن نيويورك "غير شكل/ حاجة تانية خالص"، فهي أكبر قلعة يهودية خارج إسرائيل، وبها رأس المال البشري والنقدي للكيانات الصهيونية التي تمول حروب إسرائيل.
ومن ثم كان ما كان، لأول مرة في تاريخ الجمعية العمومية للأمم المتحدة: وقف رئيس حكومة/ دولة ليفتح النار على شخص لا يشغل منصبا تنفيذيا في أي حكومة في أي قارة. ذلك ما فعله نتنياهو عندما صب جام غضبه على عمدة نيويورك، زهران ممداني. وممداني هذا ظاهرة سياسية زلزالية ما زال لفوزه بالمنصب هزات ارتدادية في مختلف أرجاء أمريكا، فلم يحدث قبل ممداني أن جعل مرشح لأي منصب تشريعي أو تنفيذي أو دستوري في أمريكا فلسطين قضية جوهرية في برنامجه الانتخابي، وها هو عبد الرحمن السيد، يسير على نهج ممداني ويضع القضية الفلسطينية في قلب حملته الانتخابية في مسعاه لتمثيل ولاية ميشيغان في مجلس الشيوخ الأمريكي، وينجح في تحريك الرأي العام في الولاية لإدانة جرائم الفاشيين في غزة والضفة الغربية.
ثم كان الكتاب القنبلة. وكم شدّني الجهد الذي بذله الأستاذ محمد سالم في عرض أهم كتاب يتناول سطوة جماعات الضغط (اللوبي اليهودي) على سياسة أمريكا الخارجية، هنا في عربي 21 في 22 أيلول/ سبتمبر الماضي، والذي الَّفه إيلي كليفتون، وإيان لاستيك، وجاء في استهلال العرض ما قاله أول رئيس للولايات المتحدة، لمواطنيه "أيها الأمريكيون. عليكم أن تظلوا يقظين وحذرين باستمرار تجاه المكائد الخبيثة للنفوذ الأجنبي؛ فالتاريخ والتجربة يثبتان أن النفوذ الأجنبي هو من أشد أعداء الحكم الجمهوري فتكاً وضرراً".
ورغم أن حال اللوبي الصهيوني "مكشوف" أي معلوم، بوصفه راعي مصالح إسرائيل في أمريكا، ولو على حساب أمريكا، إلا أن كتاب "اللوبي الإسرائيلي: أمريكا في قبضة دولة أجنبية"، والذي صدر في آب/ أغسطس الماضي أحدث دويا غير مسبوق في الدوائر السياسية والثقافية الأمريكية، لأن ذلك اللوبي وكما أورد الأستاذ محمد سالم "جهاز منضبط وممول بسخاء، يمتلك القدرة على مراقبة وتقييد خطاب المسؤولين المنتخبين وإجبار الإدارات الأمريكية المتعاقبة على تبني سياسات لا تحظى بقبول لدى الجمهور الأمريكي، وتكلف الكثير من الأرواح والأموال، وتلحق ضرراً فعلياً بالأمن القومي للولايات المتحدة"، وجاء كل ذلك معززا بالأرقام والتواريخ والوقائع، وفوق هذا فمؤلفا الكتاب من ذوي القدرات البحثية والاستقصائية العالية، ومشهود لهما بالاستقامة والدقة في جمع وعرض البيانات والمعلومات، فكليفتون هو مؤسس "معهد فن إدارة الدولة بمسؤولية"، بينما لاستيك أستاذ (بروفسر) العلوم السياسية في جامعة بنسلفانيا، ومتخصص في شؤون الشرق الأوسط.
ويكتسب هذا الكتاب قيمة شديدة العلو لأنه يأتي في ظروف مد شعبي أمريكي متنامٍ وكاسح يناصر حقوق الفلسطينيين الشرعية، ولا يعبأ بالابتزاز الممجوج والمُجْتَر عبر التاريخ الحديث، بأن ذكر إسرائيل بأي سوء مُنْطَلَقُه معاداة السامية، فلأول مرة في التاريخ صار عدد الأمريكان المتعاطفين من فلسطين- الوطن والانسان- أكبر من عدد المتعاطفين مع إسرائيل، ومن يتابع ما يرد من "تحميلات" من أمريكيين في منصة تيك توك، قد يدرك لماذا حالة الهلع التي تعيشها إسرائيل ووكلاؤها الأمريكان بسبب تكاثر أعداد الشخصيات المؤثرة التي انضمت للحراك الشعبي الرامي لإدانة جرائم إسرائيل في مختلف المدن والولايات الأمريكية.
هذا اللوبي الذي عرّاه هذا الكتاب لجأ الى حيلة العاجز: رصد 141 مليون دولار على حملات إعلامية لِلَطْم الخدود وشق الجيوب، لأن إسرائيل باتت تتعرض لظلم ذوي القربى من مسيحيي أمريكا، ولكن الحجر الذي ألقاه مؤلفا الكتاب في مستنقع الأكاذيب الصهيونية الآسن ستظل دوائره تنداح وتنداح، حتى يعود الحق أبلجَ.