هناك رجالٌ تبدأ حكايتهم من لحظةٍ فارقة في تاريخ شعبهم، ثم تمضي بهم السنوات من محطةٍ إلى أخرى، لكن البوصلة لا تتغير. رجالٌ عاصروا النكبة، وشهدوا بدايات الصراع، وعاشوا الاعتقال والمطاردة، ثم حملوا القضية من ميدانٍ إلى آخر؛ في التنظيم والسياسة والفكر والثقافة. ومن هؤلاء كان عبد العزيز سعيد الميناوي، أبو السعيد.
وُلد أبو السعيد عام 1945، في عامٍ سبق النكبة بثلاثة أعوام فقط. كبر وهو يرى آثار الجريمة الصهيونية تقترب من شعبه، ويشهد تهجير الفلسطينيين واقتلاعهم من أرضهم، ثم عايش عام 1948 وما تركته النكبة من جرحٍ مفتوح في الذاكرة الفلسطينية.
كان طفلًا حين بدأت النكبة، لكن تلك السنوات المبكرة لم تمرّ من ذاكرته عابرة. فما رآه من اقتلاعٍ وتشريدٍ واحتلال، وما ترسخ في وعيه من صور المأساة الفلسطينية، ساهم في تشكيل شخصيةٍ حملت منذ وقتٍ مبكر وعيًا مقاومًا للاحتلال، وإيمانًا بأن فلسطين ليست ذكرى تُستعاد، وإنما قضيةٌ تحتاج إلى فعلٍ مستمر.
الأسر.. محطةٌ في طريق المقاومة
مع مرور السنوات، وجد عبد العزيز الميناوي نفسه في قلب مرحلةٍ كانت فيها المقاومة الفلسطينية تتشكل، وتبحث عن طريقها في مواجهة الاحتلال. وفي تلك المرحلة، لم يكن طريقه خاليًا من المحن؛ ففي أواخر ستينيات القرن الماضي، اعتقلته قوات الاحتلال، لتبدأ واحدة من أكثر المحطات تأثيرًا في حياته.
سنواتٌ طويلة قضاها خلف القضبان، في ظروفٍ اختبرت صبره وثباته، وعرّفته عن قرب على قسوة الاحتلال، وربطته بمرحلةٍ مبكرة من تاريخ المقاومة والعمل الفدائي الفلسطيني.
لكن الأسر، رغم قسوته، لم يكن نهاية الطريق بالنسبة إلى أبي السعيد؛ بل كان تجربةً تركت أثرًا عميقًا في شخصيته، ورسّخت لديه وعيًا أكبر بطبيعة الصراع، وبأهمية التنظيم والمقاومة والتمسك بالقضية.
وبعد سنواتٍ من الاعتقال، جاءت لحظة الحرية، فأُفرج عن عبد العزيز الميناوي ضمن عملية تبادل للأسرى عام 1985
خرج أبو السعيد من السجن، لكنه لم يخرج من القضية.
فما إن استعاد حريته حتى واصل طريقه في العمل الفلسطيني، وانتقل تدريجيًا إلى ميادين العمل السياسي والفكري والتنظيمي، ليصبح مع مرور السنوات واحدًا من الكوادر والقيادات البارزة في حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.
وهكذا، لم تكن سنوات الأسر فاصلاً بين مرحلتين من حياته، بقدر ما كانت محطةً صقلت تجربته، قبل أن يحمل ما خرج به منها إلى ساحاتٍ جديدة من العمل والمقاومة.
من العمل التنظيمي إلى قيادة الحركة
مع مرور السنوات، تبلور موقعه داخل حركة الجهاد الإسلامي، وصولًا إلى عضوية المكتب السياسي، وتوليه مسؤولية القسم الثقافي. وهنا تظهر واحدة من أكثر ملامح شخصيته وضوحًا. فأبو السعيد لم يكن يرى العمل السياسي بمعزلٍ عن الفكر والثقافة.
كان يدرك أن المعركة ليست فقط في ميدان السياسة، وأن الحركة التي تريد أن تحافظ على قضيتها تحتاج أيضًا إلى أن تحافظ على وعي أبنائها، وأن الثقافة يمكن أن تكون مساحةً لحماية الذاكرة، وتثبيت الرواية، وصياغة الوعي.
ولهذا ارتبط اسمه بالعمل الثقافي والفكري داخل الحركة، وكان المشرف العام على »مجلة المجاهد«، إحدى المطبوعات التي ارتبطت بحركة الجهاد الإسلامي، والتي يعود أرشيف أعداد منها إلى أوائل تسعينيات القرن الماضي.
كان حضور أبو السعيد في هذا المجال امتدادًا لشخصيته السياسية والتنظيمية؛ فهو الذي عرف الاحتلال من تجربة الأسر، وعرف العمل السياسي من داخل مؤسسات الحركة، ثم حمل هذا الوعي إلى ميدان الثقافة والفكر.
الكلمة.. وجهٌ آخر للمقاومة
لم يكن اهتمامه بالكتابة والثقافة مجرد مهمةٍ تنظيمية. بل كان له إنتاجه الفكري أيضًا. ففي عام 2023، نُشرت له دراسة بعنوان »تأملات في غزة وشعبها الفلسطيني وفيما حولها: رؤى، تخيلات، أفكار«، تناول فيها قضايا مرتبطة بغزة، والمجتمع الفلسطيني، والأرض، والاحتلال، والمقاومة، والقدس.
وهكذا، ظل أبو السعيد يحمل فلسطين في أكثر من مساحة..في ذاكرته التي تشكلت على وقع النكبة ..وفي تجربته داخل الأسر.. وفي عمله السياسي والتنظيمي.. وفي قلمه الذي حاول من خلاله قراءة الواقع الفلسطيني والتعبير عن قضاياه.
في قلب المشهد السياسي الفلسطيني
ومع اتساع دوره داخل حركة الجهاد الإسلامي، أصبح حاضرًا في عدد من المحطات السياسية والحوارية التي تجاوزت الإطار الداخلي للحركة. ظهر ضمن وفود الحركة في لقاءات فلسطينية وعربية، وشارك في حوارات تناولت قضايا المصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام وترتيب العلاقة بين القوى الفلسطينية.
وفي عام 2019، شارك ضمن وفد حركة الجهاد الإسلامي في الحوار الفلسطيني الذي استضافته العاصمة الروسية موسكو، في لقاءات جمعت عددًا من الفصائل الفلسطينية وبحثت سبل تقريب وجهات النظر وإنهاء الانقسام.
وبعد ذلك بعام، ظهر في بيروت إلى جانب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي زياد النخالة، ومسؤول الدائرة السياسية محمد الهندي، خلال لقاء مع القيادي في حركة فتح جبريل الرجوب، في سياق الحوارات المتعلقة بالمصالحة والشراكة الوطنية.
لم يكن وجوده في هذه اللقاءات تفصيلًا عابرًا. فقد عكس موقعه داخل الدائرة السياسية للحركة، وحضوره في الملفات التي تتصل بالشأن الفلسطيني العام.
لبنان ودمشق.. مواصلة الطريق خارج فلسطين
ارتبطت سنواته الأخيرة بالعمل خارج فلسطين، ولا سيما في لبنان وسوريا، ضمن قيادة الحركة في الخارج. تنقل بين بيروت ودمشق، وبقي قريبًا من دوائر العمل السياسي والتنظيمي، مواصلًا دوره في الحركة حتى سنواته الأخيرة.
كان رجلًا من جيلٍ قديم حمل القضية منذ عقود، لكنه ظل حاضرًا في تفاصيلها حتى السنوات الأخيرة.
سبعة عقود تقريبًا من العمر.. ومسيرة طويلة بين النكبة، والمقاومة، والأسر، والعمل التنظيمي، والسياسي، والثقافي.
ثم جاءت حرب غزة.
الاستشهاد.. نهاية الجسد وبداية الأثر
منذ السابع من أكتوبر 2023، دخلت المنطقة مرحلةً جديدة، واتسعت دائرة الاستهداف الإسرائيلي لتطال مواقع وشخصيات مرتبطة بالمقاومة خارج فلسطين. وفي 14 نوفمبر 2024، استهدفت غارة إسرائيلية مواقع مرتبطة بحركة الجهاد الإسلامي في منطقة دمشق ومحيطها. كان أبو السعيد هناك.
وفي ذلك القصف، ارتقى عبد العزيز سعيد الميناوي شهيدًا عن عمرٍ ناهز79 عامًا، إلى جانب القيادي في الحركة رسمي يوسف أبو عيسى وعدد من كوادر الحركة.
وبعد يومين، أعلنت حركة الجهاد الإسلامي استشهاد القياديين، مشيرةً إلى انتشال جثمانيهما من تحت الأنقاض.
وهكذا انتهت رحلة رجلٍ بدأت قبل النكبة، ومرّت بكل التحولات الكبرى التي عاشتها القضية الفلسطينية. لكنها لم تنتهِ عند لحظة الاستشهاد.
حين تبقى السيرة حيّة
لأن حياة عبد العزيز الميناوي لم تكن مجرد سنواتٍ قضاها في موقعٍ تنظيمي. كانت سيرة رجلٍ عاصر مراحل مختلفة من تاريخ الفلسطينيين، وعاش تجربة الأسر، ثم واصل طريقه في العمل السياسي والفكري، وحمل مسؤولية ثقافية إلى جانب مسؤوليته التنظيمية، وشارك في حواراتٍ حاولت أن تجد طريقًا للوحدة الفلسطينية.
كان يمكن لرجلٍ بلغ التاسعة والسبعين أن يختار الابتعاد عن المشهد. لكن أبو السعيد بقي حاضرًا. وظل يحمل قضيته حتى آخر الطريق.