تُعدّ حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين أحد الفصائل الفلسطينية الرئيسية التي حافظت على حضورها في مسارات الحوار الوطني ومحاولات إنهاء الانقسام الفلسطيني، ويظهر دورها في هذا الملف من خلال المشاركة في وثائق الوفاق الوطني، وحوارات المصالحة، واللقاءات التي استهدفت بلورة موقف فلسطيني موحد، ولا سيما خلال الحرب على قطاع غزة وبعدها.
لكن موقف الحركة من الوحدة الوطنية لا يقوم فقط على الدعوة إلى جمع الفصائل؛ إذ تربط الحركة الوحدة، وفق مواقف معلنة لقياداتها، برؤية سياسية تعتبر المقاومة ورفض الاعتراف بـ "إسرائيل" من الثوابت التي لا ينبغي أن تكون موضع تفاوض في أي صيغة للمصالحة. لذلك برز دورها في كثير من الأحيان بوصفه محاولة للجمع بين المشاركة في الحوار الوطني والحفاظ على برنامجها السياسي الخاص.
تنطلق حركة الجهاد الإسلامي من اعتبار الانقسام الفلسطيني عامل ضعف أمام الصراع مع "إسرائيل"، ولذلك شاركت في محطات متعددة للحوار بين الفصائل، وكان للحركة حضور مبكر في وثيقة الوفاق الوطني الفلسطيني عام 2006، المعروفة أيضاً بـ"وثيقة الأسرى".
وتضمنت الوثيقة دعوة إلى تطوير منظمة التحرير الفلسطينية وانضمام حركتي حماس والجهاد الإسلامي إليها، بما يضمن تمثيل مختلف القوى السياسية الفلسطينية، إضافة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية وتوحيد الخطاب السياسي الفلسطيني، مع تسجيل تحفظ الحركة على البند المتعلق بالمفاوضات.
وهذا الموقف يكشف مبكراً عن معادلة ظلت حاضرة في موقف الحركة: المشاركة في الإطار الوطني الجامع، مع الاحتفاظ بموقف مستقل من التسوية والمفاوضات.
لم تقتصر مشاركة الجهاد الإسلامي على وثيقة عام 2006، بل ظهرت في عدد من جولات الحوار التي أعقبت الانقسام الفلسطيني عام 2007.
وفي الحوارات التي جرت بين الفصائل، لعبت الحركة دوراً في محاولة تقريب المواقف، خصوصاً في الملفات التي تتعلق بإنهاء الانقسام والحفاظ على وحدة الموقف الفلسطيني.
وفي إحدى جولات الحوار التي استضافتها موسكو، أوضحت الحركة أن اللقاءات هدفت إلى تقريب وجهات النظر بشأن المصالحة وإنهاء الانقسام، مع الإشارة إلى أن بعض القضايا المباشرة المرتبطة بالانقسام لم تكن مدرجة على جدول النقاش في تلك الجولة.
كما شاركت الحركة في الحوار الذي استضافته موسكو في فبراير 2024، إلى جانب فتح وحماس وفصائل أخرى، في وقت كانت فيه الحرب في غزة قد أعادت ملف الوحدة الفلسطينية إلى صدارة النقاش السياسي.
دور الحركة في إعلان بكين 2024
شكّل إعلان بكين لإنهاء الانقسام وتعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية إحدى أبرز محطات الحوار الفلسطيني في السنوات الأخيرة.
ففي يوليو 2024، اجتمعت 14 فصيلاً فلسطينياً في العاصمة الصينية بكين، بينها فتح وحماس والجهاد الإسلامي، وانتهت اللقاءات بإعلان يتحدث عن تحقيق وحدة وطنية فلسطينية شاملة، وتشكيل حكومة وفاق وطني مؤقتة، وتوحيد المؤسسات الفلسطينية، وإعادة إعمار قطاع غزة، والتحضير للانتخابات.
وشاركت حركة الجهاد الإسلامي في هذه المحادثات، لكن موقفها من الصيغة النهائية لم يكن مطابقاً بالكامل لبقية المشاركين.
فبحسب تصريحات عضو المكتب السياسي للحركة إحسان عطايا، رأت الجهاد الإسلامي أن أهمية إعلان بكين تكمن في توحيد الموقف الفلسطيني في مواجهة الحرب، لكنها اعترضت على أي صيغة يمكن أن تتضمن اعترافاً بـ"إسرائيل" بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وطالبت بتشكيل لجنة طوارئ أو حكومة طوارئ لإدارة المرحلة في ظل الحرب.
وهنا يظهر أحد أهم أبعاد دور الحركة في ملف الوحدة: فهي تشارك في صياغة الإطار الوطني المشترك، لكنها تحاول في الوقت ذاته منع تحول الوحدة إلى تبنٍّ لبرنامج سياسي يخالف رؤيتها.
الوحدة من منظور المقاومة
من أبرز القضايا التي تطرحها حركة الجهاد الإسلامي في أي نقاش حول الوحدة الوطنية مسألة المقاومة.
ففي وثيقة الوفاق الوطني لعام 2006، كان هناك اتفاق فلسطيني واسع على حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، إلى جانب العمل السياسي والدبلوماسي.
وفي إعلان بكين عام 2024، اتفقت الفصائل المشاركة على حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال وإنهائه، وفق ما ورد في الإعلان.
لكن الجهاد الإسلامي تتبنى موقفاً أكثر تشدداً في ربط الوحدة الوطنية بالحفاظ على خيار المقاومة، وترفض أن تكون المصالحة مدخلاً لإعادة صياغة المشروع السياسي الفلسطيني بما يتضمن الاعتراف بـ "إسرائيل".
وبذلك يمكن القول إن الحركة تنظر إلى الوحدة باعتبارها وحدة في مواجهة الاحتلال، وليس بالضرورة وحدة قائمة على توحيد البرامج السياسية بالكامل.
دورها في توحيد الموقف الفلسطيني خلال الحرب على غزة
أعادت الحرب على غزة منذ أكتوبر 2023 طرح سؤال الوحدة الفلسطينية بصورة أكثر إلحاحاً، بسبب الحاجة إلى موقف فلسطيني موحد بشأن الحرب، وإدارة قطاع غزة، والمساعدات الإنسانية، وإعادة الإعمار، والمرحلة السياسية التالية.
وفي هذا السياق، شاركت الجهاد الإسلامي في لقاءات متعددة مع الفصائل الفلسطينية، وأصبح التنسيق بين الفصائل أحد المسارات المرتبطة بمستقبل قطاع غزة.
وفي يونيو 2025، عقدت لقاءات في القاهرة ضمت الجهاد الإسلامي وحماس والجبهة الديمقراطية، وتناولت الأوضاع في غزة وسبل التعامل مع المرحلة. ومن بين القضايا التي طُرحت في تلك اللقاءات تشكيل مرجعية وطنية فلسطينية موحدة لإدارة شؤون القطاع وتعزيز الوحدة الميدانية والسياسية.
وتشير هذه اللقاءات إلى انتقال النقاش من مجرد "المصالحة بين الفصائل" إلى سؤال أكثر تعقيداً: كيف يمكن إنشاء آلية فلسطينية مشتركة لإدارة غزة سياسياً وإنسانياً بعد الحرب؟
عملت حركة الجهاد الإسلامي بشكل جبار ومكوكي، في دفع جهود الوحدة الوطنية الفلسطينية وإنهاء الانقسام بين حركتي فتح وحماس، إذ كن لها دور مهم في الحفاظ على قنوات الحوار، إذ لم تخرج الحركة من مسارات الحوار الفلسطيني، وشاركت في محطات متعددة جمعت القوى الفلسطينية المختلفة، كما دعمت مبدأ إنهاء الانقسام في وثائق ومؤتمرات المصالحة تشير إلى قبولها بمبدأ معالجة الانقسام عبر الحوار الفلسطيني.