بعد ثلاث سنوات على "الطوفان".. قراءة في الأسباب والتداعيات والنتائج! (1-2)

الساعة 09:19 ص|03 أكتوبر 2026

فلسطين اليوم | أحمد عبد الرحمن

لا يمكن بأي حال من الأحوال قراءة معركة "طوفان الأقصى" المجيدة بعد ثلاث سنوات من انطلاقتها من دون التعريج على الأسباب والتداعيات والنتائج، إذ أن التمعّن في الأسباب وتفحّصها عن قرب يجعلنا نفهم لماذا قرّرت مجموعة من قادة كتائب القسام الذهاب نحو هذه "المغامرة" غير محسوبة العواقب من وجهة نظر البعض، ولماذا رفضت نفس المجموعة الكثير من "الحلول" التي عُرضت في أسابيع الحرب الأولى، والتي كان بمقدروها تجنيب قطاع غزة كل هذا الضرر البالغ والغير قابل للإصلاح من وجهة نظر البعض الآخر.

على المقلب الآخر يجب رؤية التداعيات المباشرة وغير المباشرة، والنتائج المرحلية التي أفرزتها هذه الحرب "المجنونة"، وانعكاسها على كلا طرفي المواجهة، وعلى أطراف أخرى في المنطقة حتى الآن على أقل تقدير، والتي تراوحت ما بين التداعيات والنتائج السياسية والعسكرية من جهة، ونتائج أخرى تركت تأثيرا مباشرا على الجغرافيا، سواء داخل قطاع غزة الذي تقلّصت مساحته بنسبة 70% تقريبا، او في الضفة الغربية المحتلة التي ازدادت فيها نسبة المستوطنات كما لم يحدث في أي فترة سابقة، وصولا إلى جغرافيا دول مجاورة مثل لبنان وسوريا، واللتان كان لهما نصيب هما الأخريان من تداعيات "الطوفان".

ساحة أخرى يربط البعض بين ما حدث وما زال فيها وبين "طوفان الأقصى" هي الجمهورية الإسلامية في إيران، والتي دفعت وما زالت كما يعتقد الكثيرون ثمن مناصرتها لفلسطين وغزة، وثمن مواقفها التي لم يشبهها فيها احد من العدوان الصهيوني على القطاع،والتي ادّت في بعض مراحلها إلى تعرّضها لهجوم صهيوأميركي وحشي، أدّى في بعض نتائجه إلى خسائر كبيرة على صعيد اقتصادها الوطني، وإلى فقدان جزء كبير من قيادتها السياسية والعسكرية، جاء على رأسهم قائد الثورة والجمهورية السيد على الخامنئي رضوان الله عليه، والذي أضاف فقدانه في هذا التوقيت الحسّاس خسارة أخرى لمحور المقاومة بعد خسارة مجموعة من القادة الكبار مثل سماحة السيد حسن نصر الله رضوان الله عليه، وإخوانه في قيادة قوى المقاومة في لبنان واليمن والعراق وغزة.

ولكن قبل الخوض في هذه التفاصيل المعقّدة والمُختلف عليها بشدّة بين الكثير من الأطراف، دعونا نحاول وضع تعريف مناسب لما حدث صباح السابع من أكتوبر المجيد، وهل كان هذا الحدث الاستثنائي مبادرة نوعية قامت بها كتائب القسام وكسرت من خلالها تفوّق العدو المدجّج بكل أنواع السلاح، وافقدته ميزة امتلاكه لترسانة عسكرية واستخبارية نوعية لا تتوفّر للكثير من دول العالم، ام كان عبارة عن "مغامرة" غير محسوبة العواقب، لم تجرِ قبل الدخول في أتونها أي حسابات دقيقة، ولم يتم وضع تقدير موقف مناسب لما يمكن ان ينتج عنها.

مبادرة أم مغامرة؟

في الفترة المنقضية من عمر "الطوفان"، والتي شهدت أحداثا دراماتيكية وصلت تداعياتها إلى كثير من دول المنطقة، اختلف المتابعون والمهتمّون حول التوصيف الأنسب لما جرى في ذلك الصباح الحاسم، إضافة إلى الاختلاف حول صحة اتخاذ قرار من هذ الحجم من عدمه، لا سيّما في ظل الظروف والتوقيت الذي جاء فيهما، والحديث هنا طبعا عن الظروف الداخلية الفلسطينية، وكذلك الظروف التي كانت تمر بها "دولة" الاحتلال، لا سيّما مجموعة الأزمات التي كان يعاني منها رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو"، بالإضافة إلى الأوضاع الإقليمية التي كانت سائدة في تلك الفترة.

يتم تعريف مصطلح "المبادرة" بأنه يعني اتخاذ طرف ما خطوات استباقية مدروسة ومحسوبة وواعية لتحقيق هدف معين، بغض النظر عن نوعية هذا الهدف، وهو في ذلك يعتمد على معطيات ملموسة يمكن الاتّكاء عليها، بعيدا عن الركون للغيبيّات التي قد تصلح حينا، وقد لا تصلح حينا آخر.

بالإضافة إلى ذلك يجب أن تتوفّر لدى الجهة التي تسعى للقيام بمبادرة استباقية معلومات كافية عن إمكانيات الطرف الآخر، وقراءة وافية عن ردود أفعاله المنتظرة، وهل يملك القدرة على القيام بردود الأفعال هذه، ام ان المفاجأة ستجعله عاجزا ومشلولا أمام قوة وكفاءة المبادرة.

على الجانب الآخر يُنظر إلى "المغامرة" بأنها إقدام طرف ما على فعل أو عمل ينطوي على مخاطر كبيرة، وعلى خوض غمار طريق غير مأمون العواقب، ونسبة الخسارة فيه أكبر من نسبة الربح بكثير.

في معظم الأحداث التي يذهب فيها طرف معين لـ "مغامرة" من نوع ما تكون العاطفة حاضرة عند اتخاذ القرار، وهو ما يجعل هذا القرار يفتقر للتخطيط المسبق، او للتخطيط الذي يناسب الخطة المُراد تنفيذها، إلى جانب بحث بعض "المغامرين" عن الإثارة أو الربح السريع، بغض النظر عن نوعية هذه الإثارة، او حجم وتأثير هذا الربح.

بشكل عام يكمن الفرق الرئيسي بين المبادرة والمغامرة في حجم التخطيط، ونسبة المخاطرة، والتحكّم في النتائج.

شواهد من التاريخ

يستشهد بعض معارضي "الطوفان" وجزء منهم من الفلسطينيين بما حدث بعد هجوم "بيرل هاربر " الشهير "، والذي أدّى في بعض نتائجه إلى سقوط الإمبراطورية اليابانية القويّة والمقتدرة في ذلك الوقت.

في صبيحة السابع من كانون اول/ديسمبر1941 شنّت القوات البحريّة اليابانية هجوما كاسحا وصادما ضد مقر أسطول المحيط الهادئ الأميركي، مستهدفة قطعه الراسية في ميناء "بيرل هاربر" في جزيرة "أواهو" في هاواي، مُستخدمة أكثر من "350" طائرة حربية أقلعت من "6" حاملات طائرات، بالإضافة إلى استخدام مجموعة من الغواصات القزمية، ما ادّى إلى مقتل حوالي 2400"" جندي امريكي، وإصابة أكثر من "1200"آخرين، إلى جانب تدمير ما يزيد عن 188 طائرة كانت رابضة على الأرض.

خسائر الأميركيين لم تقف عند هذا الحد، بل أدى الهجوم كذلك إلى إغراق وتدمير "19"سفينة حربية أميركية، من بينها 4"" بوارج بالكامل، كان من أبرزها بارجة" يو إس إس أريزونا".

كان الهدف الياباني في ذلك الوقت تحييد أسطول المحيط الهادئ الأميركي وتدميره تماماً، لفتح الطريق أمام اليابان للتوسّع نحو مناطق جنوب شرق آسيا الغنيّة بالموارد دون أي تدخّل أميركي.

على المدى القصير نجح الهجوم الياباني في شل القوة البحرية الأمريكية في المحيط الهادئ، إلا أن ذلك لم يكن كافيا، إذ فشلت العملية الخاطفة في تدمير البنية التحتية الحيوية للميناء مثل محطات الوقود وحوض بناء السفن. والأهم من ذلك، افلات ثلاث حاملات طائرات أمريكية لعدم تواجدها بالميناء وقت الهجوم، ما مكّن أمريكا من إعادة بناء قوتها سريعاً، وقيادة قوات الحلفاء لتحقيق النصر وارغام اليابان على الاستسلام بعد هذا الهجوم بأربعة سنوات فقط، بعد ان استخدمت ضدها القنبلة النووية في هيروشيما وناغازاكي.

في ذلك الوقت اجمع معظم المحللين الاستراتيجيين على ان ما قامت به اليابان كان "مغامرة" غير محسوبة العواقب، كلّفتها خسارة الحرب، إلى جانب مئات الآلاف من القتلى والمصابين، بالإضافة وهو الأهم سقوط الإمبراطورية اليابانية العتيدة.

  • غزة وإن كانت التفاصيل تختلف شكلا وموضعا عمّا حدث مع اليابان، إلا أن الكثيرين خصوصا من معارضي "طوفان الأقصى" يشبّهون ما جرى هناك قبل خمسة وثمانين سنة تقريبا بما جرى في قطاع غزة الصغير خلال السنوات الثلاث الماضية، والتي تحوّل فيها القطاع الذي لا يتجاوز حجمه 365كلم مربّع، والمُحاصر إسرائيليا وعربيا وعالميا من الجو والبر والبحر منذ أكثر من عشرين عاما إلى منطقة غير صالحة للسكن بفعل حرب الإبادة الجماعية التي شنّتها عليه "الدولة" العبرية،والتي استخدمت وما زالت كل ترسانتها العسكرية الهائلة ضد اكثر من مليونين وربع المليون فلسطيني أعزل، مستغلّة ما حدث صبيحة السابع من تشرين أول/أكتوبر من العام 2023.

يقول أصحاب هذا الرأي ان رد الفعل الإسرائيلي الواسع على "طوفان الأقصى" وإن لم يُستخدم فيه القنابل النووية، إلا أنه شهد اطلاق "إسرائيل" لمجموعة واسعة من القنابل والصواريخ الملقاة من الجو، وعبر المدافع طويلة ومتوسّطة المدى، يمكن أن توازي حسب بعض الاحصائيات القنبلة النووية الامريكية، بل يمكن أن يمتد تأثيره على المدنيين الفلسطينيين العزل إلى سنوات قادمة بفعل حيازة بعض القنابل والصواريخ على مواد سامة، وأخرى حارقة، ما تسبّب في تشوّهات كبيرة لآلاف المواطنين في غزة، مع إمكانية ان تؤثر هذه المواد على التربة لسنوات عديدة ما يُنذر بانتشار أمراض خطيرة مثل مرض السرطان.

إلا أن أصحاب الرأي المخالف يعتقدون ان ما جرى كان مبادرة استباقية نوعية لم يشهد التاريخ الحديث لها مثيلا، وهي شكّلت وما زالت ضربة غير مسبوقة لـ "دولة" الاحتلال، وسقوطا لهيبتها و"عظمتها" المدّعاة، والتي كانت تملأ الدنيا ضجيجا حول الجيش الذي لا يُهزم، و"الدولة" التي لا تُقهر، فإذا بها وخلال بضع ساعات تقف على شفا الانهيار والتفكّك لولا النجدة التي جاءتها من كل أرجاء المعمورة، وفي المقدّمة منه رأس الشر، وسيدة الإرهاب العالمي الولايات المتحدة الأمريكية.

يُضيف مناصري "الطوفان" بأن ما جرى صباح السابع من أكتوبر لم يكن بهدف التوسّع الاستعماري، او السطو على خيرات ومقدرات الآخرين، بل كان خياراً إلزامياً للمقاومة الفلسطينية لوقف التغوّل الإسرائيلي الذي نهش الأرض، وسرق خيراتها، وكان يُعدّ العدّة لشن ضربته الكبيرة على غزة في غفلة من الجميع.

على كل حال قد تبدو كلا وجهتي النظر السابقتين سليمة وفيها الكثير من الوجاهة والمنطقية، وهذا ما يدفعنا للنظر بالتفصيل إلى أسباب انفجار" الطوفان "، وهل كانت هذه الأسباب من الأهمية لوقوع حدث من هذا النوع، وهذا ما يُعطي أفضلية للرأي الثاني، ام انها كانت عبارة عن مبرّرات وحجج واهية اُستخدمت لاحقا لتبرير ما جرى، وللتهرّب من مسئولية الخسائر الهائلة التي أصابت السكان في غزة، وهو ما يشير لرجاحة الرأي الأول.

أسباب الطوفان:

يمكن لأي شخص يعيش داخل قطاع غزة ان يسرد مجموعة طويلة من الأسباب التي قد تكون سببا في انطلاق معركة "طوفان الأقصى"، وهي أسباب يعرفها اكثر من غيره من عايشها، واكتوى بنارها، لا سيّما وان الأوضاع في قطاع غزة لم تكن على أفضل حال قبل " الطوفان"، بل إن ما كان يعانيه الناس في غزة كان يجعل من إمكانية الانفجار في وجه العدو مسألة وقت ليس اكثر، إذ تم التعبير سابقا عن قرب هذا الانفجار من خلال فعاليات مختلفة مثل مسيرات العودة السلمية، والتي قمعها العدو بكل قوة، دون أي مراعاة لحقوق المدنيين تحت الاحتلال التي تنص عليها كافة المواثيق الدولية.

في مناسبات أخرى جرت جولات من القتال استمر أحدها لمدّة واحد وخمسين يوما، وآخر لاثنان وعشرين يوما، وغير ذلك الكثير، إلا أن كل هذه الجولات لم تؤدّ إلى تراجع العدو عن عدوانه، وإقلاعه عن حصاره الخانق، بل بات التصعيد الإسرائيلي سواء في غزة او الضفة أو القدس السمة السائدة للاحتلال خصوصا في عهد حكومة اليمين المتطرّف.

حركة المقاومة الإسلامية حماس التي اتخذت قرار "الطوفان" وحيدة حسب ما تشير كل المعطيات والمعلومات، اشارت في أكثر من مناسبة إلى جملة من الأسباب دفعتها إلى الذهاب نحو هذا الخيار، إذ أشارت في وثيقة أصدرتها بعيد بدء المعركة بعدّة أشهر إلى أن العملية كانت خطوة ضرورية واستجابة طبيعية، لمواجهة ما يُحاك من مخططات إسرائيلية تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، والسيطرة على الأرض وتهويدها، وحسم السيادة على المسجد الأقصى والمقدسات، وإنهاء الحصار الجائر على قطاع غزة.

وذكرت حماس أن خطوتها تلك كانت طبيعية بهدف التخلّص من الاحتلال، واستعادة الحقوق الوطنية، وإنجاز الاستقلال والحرية كباقي شعوب العالم، وحق تقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

وشدّدت على أن معركة الشعب الفلسطيني مع الاحتلال والاستعمار لم تبدأ في السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، وإنما بدأت قبل ذلك بـ 105 أعوام من الاحتلال، كان 30 منها تحت الاستعمار البريطاني، والـ 75 المتبقيّة تحت الاحتلال الصهيوني.

من جانبه أضاف نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس السابق الشهيد صالح العاروري رضوان الله عليه سببا آخر لاتخاذ قرار "الطوفان"، حيث قال إنها جاءت استباقًا لهجوم كانت تنوي إسرائيل شنّه على قطاع غزّة فور انتهاء الأعياد اليهودية، وان هذا الهجوم سيكون كبيرا وواسعا وسيؤدي إلى خسائر كبيرة.

بالإضافة إلى مجموعة الأسباب التي ساقتها حماس، يمكن ملاحظة عدّة أسباب أخرى دفعت لاتخاذ قرار بهذا الحجم والمستوى، منها سلوك "دولة" الاحتلال الإجرامي الذي استمر رغم تغيّر الكثير من الحكومات في السنوات التي سبقت "الطوفان"إذ طغى على هذا السلوك عمليات القتل بحق المدنيين والمقاومين على حدٍّ سواء، واستمرار عمليات الاعتقال لآلاف الفلسطينيين، بالإضافة إلى استمرار حصار قطاع غزة الذي بدأ منذ العام 2007، والذي ترك آثارا كارثية على مجمل الأوضاع في القطاع.

الاعتداءات على المسجد الأقصى والمصلّين فيه، ومحاولة فرض التقسيم الزماني والمكاني عليه كما حدث مع الحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل كان أحد أسباب اتخاذ قرار "الطوفان "، خصوصا بعد تنكّر "دولة" الاحتلال للاتفاق الذي تم التوصّل إليه بعد معركة سيف القدس في أيّار/مايو 2021، إلى جانب توسّع الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، والتي باتت مدنها على مشارف التحوّل إلى معازل يفصل بينها مستوطنات كبيرة، وطرق التفافية تمتد مئات الكيلومترات.

أسباب أخرى من قبيل انسداد الأفق السياسي في وجه أي حلول سياسية حتى تلك التي وافقت عليها "إسرائيل" سابقا، لا سيّما بعد وصول الائتلاف اليميني المتطرّف إلى الحكم بداية 2023، وهو الائتلاف الذي يضم بين جنباته شخصيات متطرّفة ومتشدّدة مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ووزير الأمن القومي ايتمار بن غفير.

في ظل ما سبق من أسباب وغيرها مما لا يتّسع المجال لذكره رأت حركة حماس أن لا مناص من قلب الطاولة على رؤوس الجميع، وأن العقدة التي لا تُفك بالأصابع يمكن فكّها بالأسنان، وان الأهداف الكبيرة تحتاج إلى خطوات كبيرة، وإلى تضحيات كبيرة بطبيعة الحال.

ولكن هل حقّقت معركة "طوفان الأقصى" أهدافها او جزء منها؟ وهل طبيعة الأهداف التي وُضعت على طاولة مخطّطي "الطوفان استحقّت كل هذا الكم من التضحيات والخسائر؟ وهل النتائج جاءت متوافقة مح الحسابات ام لا؟

كل هذا سنحاول الإجابة عليه في الجزء الثاني من هذا المقال بمشيئة الله.

 

كلمات دلالية