في علاقة المستعمِر بالمستعمَر، والمحتل بالمحتل به، يكون اتجاه النظر واضحاً في الغالب: الأقوى يراقب الأضعف، يدرسه، يصنّفه، ويبحث عن مفاتيح السيطرة عليه. فالمعرفة هنا ليست منفصلة عن القوة، بل إحدى أدواتها.
لكن ماذا يحدث عندما ينقلب اتجاه النظر؟ عندما يصبح الطرف الواقع تحت الاحتلال قادراً على دراسة المجتمع الذي يواجهه، ثم تحويل هذه المعرفة إلى خطاب يصل إلى داخله؟ هنا تبدأ أهمية سيد شهداء المقاومة السيد حسن نصر الله.
لم تكن خصوصيته في أنه يعرف "إسرائيل". فالباحثون والمختصون وأجهزة الاستخبارات يعرفون الكثير عن المجتمع الإسرائيلي؛ تركيبته، انقساماته، نقاط قوته وضعفه. لكنّ المعرفة شيء، وتحويل المعرفة إلى تأثير شيء آخر.
وهذا تحديداً ما لفتني، كباحث ومختص بالشأن الإسرائيلي، في تجربة نصر الله. لم يكن اللافت قدرته على تفكيك المجتمع الإسرائيلي، وإنما قدرته على أخذ هذا التفكيك وتحويله إلى خطاب سياسي يخاطب الإسرائيلي مباشرة، ويضع أمامه صورة عن مجتمعه من زاوية خصمه.
الباحث يعرف المجتمع، لكن نصر الله كان يعرف كيف يخاطبه.
لفهم صعوبة هذا الأمر، علينا أن نتذكّر أنّ الإعلام الإسرائيلي ليس فضاءً مفتوحاً بالكامل أمام خطاب الخصم. فالمشهد الإعلامي الإسرائيلي يعمل أساساً بالعبرية، وتخضع المواد المتعلقة بالقضايا الأمنية والعسكرية لقيود ورقابة، فيما تفرض طبيعة الصراع نفسها على طريقة تقديم خطاب الخصم.
في مثل هذا الفضاء، لا يكون انتقال خطاب خصم خارجي إلى الجمهور الإسرائيلي أمراً تلقائياً.
لكنّ السيد نصر الله استطاع أن يجعل خطابه يصل إلى الإسرائيليين عبر الإعلام الإسرائيلي نفسه. لم تكن خطاباته تمرّ بوصفها تصريحات عابرة، بل أصبحت حدثاً إعلامياً وسياسياً ينتظره الإسرائيليون ويتابعونه ويحلّلونه.
ولعلّ شهادة أورنا مزراحي، نائبة رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي سابقاً والباحثة في معهد دراسات الأمن القومي، تختصر جانباً مهماً من هذه الظاهرة. فقد قالت بعد اغتيال السيد نصر الله إنّ نصر الله "علّمنا أن نأخذ خطاباته بجدّية"، حتى تحوّل الأمر، بحسب وصفها، إلى طقس داخل "إسرائيل": كان السيد نصر الله يخطب، والجميع يركض لسماع خطابه وقراءته وتحليله وتفسيره.
هنا لا نتحدّث عن مجرّد متابعة إعلامية لخطاب خصم، بل عن مستوى من التأثير جعل كلامه حدثاً ينتظره الإسرائيليون أنفسهم.
ولم يتوقّف حضوره عند نشرات الأخبار والتحليلات الأمنية. فقد دخلت شخصيته أيضاً إلى الثقافة السياسية الساخرة في "إسرائيل"، حيث ظهرت صورته في برامج ترفيهية ومناسبات جماهيرية ساخرة، بما يكشف عن انتقاله من كونه قائداً عسكرياً وسياسياً في الجهة الأخرى من الحدود إلى شخصية معروفة داخل المجال الثقافي الإسرائيلي.
والأهم أنّ هذا الحضور لم يكن من طرف واحد. فقد كان نصر الله يتابع الإعلام الإسرائيلي بصورة مكثّفة، ويقرأ ما يكتب عن المجتمع والسياسة والمؤسسة العسكرية، ويستخدم هذه المعرفة في صياغة خطاباته وحساباته.
لقد أصبح السيد نصر الله نفسه موضوعاً دائماً للقراءة داخل "إسرائيل"، بينما كان هو في المقابل يقرأ "إسرائيل" من الخارج.
لفهم مضمون هذا الخطاب، لا بدّ من التوقّف قليلاً عند مسألة الردع. فالقوة العسكرية لا تعمل في الفراغ. جزء من فاعليتها مرتبط بالصورة التي يحملها الخصم عنها، وباعتقاده بقدرتها على تحقيق أهدافها.
وهنا يمكن استحضار زئيف جابوتنسكي لفهم الخلفية الفكرية لمسألة الردع. ففي مقال "الجدار الحديدي" المنشور عام 1923، رأى جابوتنسكي أنّ المشروع الصهيوني يحتاج إلى قوة تجعل العرب يدركون أنه لا يمكن إزالته بالقوة، وأنّ هذا الإدراك يمكن أن يفتح الطريق لاحقاً أمام التفاوض والاتفاق.
بمعنى آخر: الردع يحتاج إلى قناعة بالقوة، وليس إلى القوة وحدها.
وهنا جاء خطاب السيد نصر الله من الاتجاه المعاكس.
فهو لم يكن يحاول إنكار التفوّق العسكري الإسرائيلي، بل كان يركّز على الفجوة بين القوة العسكرية وقدرة المجتمع الإسرائيلي على تحمّل كلفتها.
وهذه هي النقطة التي أصبحت فيها عبارة "بيت العنكبوت" أكثر من مجرّد شعار.
في 26 أيار/مايو 2000، وبعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، ألقى نصر الله خطابه الشهير في بنت جبيل، الذي أصبحت عبارة "إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت" أشهر ما فيه.
المهم في العبارة ليس بعدها البلاغي فقط، بل السؤال الذي وضعته داخل التفكير الإسرائيلي:
هل تعني القوة العسكرية أنّ المجتمع قادر بالقدر نفسه على تحمّل الحرب والخسائر؟
هنا انتقل السيد نصر الله من الحديث عن "الجيش" إلى الحديث عن المجتمع، ومن ميزان السلاح إلى ميزان الاحتمال.
وقد بقي هذا المفهوم حاضراً في القراءة الإسرائيلية لنصر الله. ففي دراسة لمعهد دراسات الأمن القومي عام 2023، تناول الباحثان أورنا مزراحي ويورام شفايتسر الأزمة الداخلية والاحتجاجات في "إسرائيل"، ورأيا أنها عززت لدى السيد نصر الله اعتقاده بأنّ الانقسامات الداخلية تضعف "إسرائيل". كما أشارت دراسات إسرائيلية إلى متابعته المنتظمة للإعلام الإسرائيلي واستخدامه ما يقرأه عن المجتمع ومؤسساته وقدرته على الصمود في خطابه وحساباته.
لكنّ الأهمّ من بقاء العبارة هو ما تكشفه عن طريقة عمل السيد نصر الله.
كان يأخذ ما يقرأه في المجتمع الإسرائيلي، ثم يعيد تركيبه في خطاب سياسي يمنحه معنى يتجاوز المعلومة نفسها.
يمكن لأيّ باحث أن يكتشف أنّ المجتمع الإسرائيلي حساس تجاه الخسائر، أو أنّ المؤسسة العسكرية تحتل موقعاً مركزياً في الدولة، أو أنّ الانقسامات الداخلية يمكن أن تؤثر في قدرة "إسرائيل" على خوض حرب طويلة.
لكنّ اكتشاف هذه الأمور ليس هو الصعوبة الكبرى.
الصعوبة هي أن تعرف أيّاً منها يمكن أن يتحوّل إلى خطاب مؤثّر، وكيف تصوغه، ومتى تستخدمه، وأمام أيّ جمهور.
وهذا ما كان السيد نصر الله بارعاً فيه.
كان يتابع ما يجري داخل "إسرائيل"، ثم يعيد إدخاله في خطبه بطريقة تمنحه معنى سياسياً. لم يكن يتعامل مع المجتمع الإسرائيلي باعتباره كتلة صامتة على الجانب الآخر من الحدود، بل باعتباره طرفاً له مخاوفه وحساباته وحدوده.
ولهذا كان خطابه مختلفاً عن مجرّد التهديد العسكري.
التهديد العسكري يقول للخصم: أستطيع أن أؤذيك.
أما خطاب نصر الله فكان يقول، في كثير من الأحيان: أعرف أين يمكن أن تتألم. وهذا فارق جوهري.
التأثير المعكوس
لم يكن السيد نصر الله يعرف "إسرائيل" أكثر من باحثيها أو أجهزتها، ولم تكن كلّ قراءاته للمجتمع الإسرائيلي صحيحة. فمثل أيّ فاعل سياسي، تخطئ بعض تقديراته المتعلّقة بقدرة المجتمع الإسرائيلي على الصمود.
لكنّ الخطأ في بعض التقديرات لا يلغي الظاهرة.
فالاستثنائي في تجربة السيد نصر الله أنه لم يترك معرفته بـ "إسرائيل" في مستوى التحليل، بل حوّلها إلى خطاب سياسي، والخطاب إلى حضور، والحضور إلى عنصر في النقاش الإسرائيلي حول الأمن والمجتمع والقدرة على الاحتمال.
وهنا يصبح "التأثير المعكوس" أكثر من فكرة نظرية: الطرف الأضعف عسكرياً استطاع أن يجعل معرفته بالطرف الأقوى جزءاً من طريقة مخاطبته وفهمه لنفسه.
لم تكن المسألة في النهاية أنّ السيد نصر الله استطاع أن يعرف "إسرائيل"، بل أنه استطاع أن يجعل هذه المعرفة تعمل داخلها.
فقد خاطب الإسرائيليين بلغتهم السياسية والنفسية، التقط ما يشغلهم، وما يخيفهم، وما يثير خلافاتهم، ثم أعاد تقديمه إليهم من موقع الخصم.
وبذلك لم يعد تأثيره محصوراً في ما يقوله عن "إسرائيل"، بل في الطريقة التي كانت "إسرائيل" تستقبل بها ما يقوله عنها.
وهنا تتضح خصوصية التجربة: لم يكتفِ السيد نصر الله بمواجهة القوة الإسرائيلية، بل دخل إلى المساحة التي تُقاس فيها هذه القوة: وعي المجتمع بقدرته على الاحتمال، وصورته عن نفسه، وصورته عن خصمه.
في الذكرى الثانية لاستشهاد السيد حسن نصر الله، يستعاد الرجل بوصفه قائداً استثنائياً في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي؛ قائداً ترك بصمته في ساحات المواجهة، وفي مسار الصراع نفسه.
انتهى حضوره في الميدان باستشهاده، لكنّ أثره بقي في ذاكرة خصمه، وفي رؤيته لذاته كما صوّرها له السيد نصر الله.
فالقائد الاستثنائي لا ينتهي حين يغادر الميدان؛ ينتهي فقط حين يتوقّف أثره في وعي خصمه. وسيد شهداء المقاومة السيد حسن نصر الله لم يصل إلى تلك النهاية.