تحل في السادس من أكتوبر 2026، الذكرى التاسعة والثلاثين لانطلاقة حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، فيما لا يزال قطاع غزة يحمل آثار حربٍ امتدت لثلاث سنوات، خلّفت دمارًا واسعًا في البشر والحجر والشجر، وبين ذكرى التأسيس ومشهد الحرب، تتقاطع محطات مسار طويل من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تبدّلت خلاله موازين القوة وتراكمت الخسائر، فيما بقي قطاع غزة في قلب المواجهة.
وتأتي هذه الذكرى هذا العام في ظروف استثنائية، تفرض قراءة تجربة الحركة ومسارها السياسي والعسكري على وقع حرب غيّرت كثيرًا من ملامح القطاع، وفتحت أسئلة جديدة حول مستقبل المقاومة الفلسطينية، ومآلات الصراع، وما تركته سنوات الحرب من تحولات على الحركة وبيئتها الفلسطينية.
تسعٌ وثلاثون عامًا كاملة، وما زالت حركة الجهاد الإسلامي، متمسكةً بمبادئها وثوابتها، رافضةً التفريط بذرة تراب من أرض فلسطين، أو بأسير واحد من أبنائها، حتى تُكسر قيود السجون الصهيونية وتحرر أسراها، وأرضها.
لقد غدت الحركة اليوم رقمًا صعبًا في معادلة الصراع، شوكةً في حلق العدو، وعنوانًا أصيلًا في مسيرة المقاومة، ترسم بدماء الشهداء وبصمود المجاهدين عهدًا متجدّدًا بأن فلسطين من النهر إلى البحر، وأن الصراع لن يخمد حتى تحرير الأرض والمقدسات.
النشأة والتأسيس
تأسست حركة الجهاد الإسلامي ثمرةً حوار فكري وسياسي شهدته الحركة الإسلامية الفلسطينية أواخر السبعينيات، وقادته مجموعة من الشباب الفلسطيني أثناء وجودهم للدراسة الجامعية في مصر، وكان على رأسهم مؤسس الحركة الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي، وثلة من قادة الحركة.
ونتيجة للحالة التي كانت تعيشها الحركة الإسلامية في ذلك الوقت من تقصير بحق القضية الفلسطينية بوصفها قضية مركزية للعالم الإسلامي، والحالة التي عاشتها الحركة الوطنية من إهمال الجانب الإسلامي لقضية فلسطين وعزلها عنه، تقدمت حركة الجهاد الإسلامي كفكرة ومشروع في ذهن مؤسسها حلا لذلك الإشكال.
وفي أوائل الثمانينيات، وبعد عودة الدكتور فتحي الشقاقي وآخرين إلى فلسطين، تمَّ بناء القاعدة التنظيمية لحركة الجهاد، وبدأ التنظيم يخوض غمار التعبئة الشعبية والسياسية بالتلازم مع الجهاد المسلح ضد العدو الصهيوني، كأسلوب وحيد لتحرير فلسطين.
ورغم الضربات المتتالية التي تعرضت لها حركة الجهاد الإسلامي منذ تأسيسها من قبل العدو الصهيوني وأعوانه، من إبعاد لقيادة الحركة للخارج واعتقال عدد منهم داخل سجون الاحتلال، إلا أن كل هذه المحاولات التي استمات العدو في تنفيذها لم تنجح، وأعادت الحركة ترميم قوتها وازدادت قوة وتأثيراً على المستويين الدولي والمحلي، وأقامت علاقات واسعة مع عدد من الدول العربية والإسلامية، وفي مقدمتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
انتفاضة الحجارة
في السادس من تشرين الأول/ أكتوبر للعام 1987م، كانت فلسطين المحتلة على موعد مع نقطة تحول كبرى في مسيرة العمل الجهادي وفي تاريخ الصراع مع العدو، حيث كانت حركة الجهاد الإسلامي تقود العمل المُسلَّح، وتنفّذ أهم العمليات العسكرية النوعية معلنة ميلاد جيل جديد من الاستشهاديين الذين رضعوا حليب العزة والكبرياء، و3عشقوا الشهادة والجهاد وفلسطين.
ففي حي الشجاعية، شرق مدينة غزة، كانت البداية وكان اللقاء الأوّل، حيث التقت مجموعة جهادية فذة من أبطال حركة الجهاد الإسلامي على دوار الشجاعية وهم (محمد الجمل، سامي الشيخ خليل، زهدي قريقع، أحمد حلس) وكان قد سبقهم مصباح الصوري شهيداً قبل ذلك بأيام، وجهاً لوجه مع جنود العدو ورجال مخابراته، واشتبكوا معهم بعد شهور من الملاحقة والمطاردة التي أثخنت الاحتلال وعملائه.
ارتقى الشهداء إلى علياء المجد مسطرين أروع آيات العز والفخار، فتوزع دمهم على جداول وأنهار فلسطين معلناً بدء فيضان وطوفان الثورة المباركة، وكانت معركة الشجاعية بداية الشرارة لانطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى "انتفاضة الحجارة" عام 1987م.
تطور العمل العسكري
وخلال العقود الماضية شكلت حركة الجهاد الإسلامي عدداً من الخلايا والمجموعات العسكرية، أطلقت عليها عدداً من المسميات، أهمها: كتائب سيف الإسلام، والقوى الإسلامية المجاهدة "قسم"، الذي استمر ملازماً لها حتى باكورة انتفاضة الأقصى عام 2002م، قبل أن يستقر الأمر على "سرايا القدس" كذراع عسكري لحركة الجهاد، لتبدأ مرحلة جديدة في العمل المقاوم على أرض فلسطين، فمن كل زقاق ومخيم ومدينة خرج مجاهدو سرايا القدس لإيلام العدو الصهيوني في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة.
تطور العمل العسكري لحركة الجهاد الإسلامي جعل استشهاديو السرايا يزرعون الموت الزؤام داخل أراضينا المحتلة عام 1948م بسياراتهم المفخخة وأحزمتهم الناسفة، وكان من أشهر العمليات النوعية عملية بيت ليد المزدوجة والتي أوقعت أكثر من 20 جندياً صهيونياً قتيلاً وأصابت العشرات وذلك في العام 1995م.
انتفاضة الأقصى
بعد توقيع اتفاق أوسلو المشؤوم بين الكيان الصهيوني و"منظمة التحرير الفلسطينية" عام 1993م، حاول العدو عبر أذرعه الأمنية تغييب المجاهدين عن ساحات القتال، فاعتقل الكثير منهم في السجون وتم مطاردة من بقي حراً، لوأد الأجنحة العسكرية لفصائل المقاومة، إلا أنه مع اندلاع انتفاضة الأقصى، خرج غالبيتهم من السجون إلى ساحات المواجهة مع العدو الصهيوني.
وكانت الضفة الغربية المحتلة العنوان الأبرز لجهاد سرايا القدس، وفي قطاع غزة كان مجاهدو السرايا يؤلمون العدو الصهيوني بعملياتهم الاستشهادية رغم قلة الإمكانيات، وتحت وقع الضربات النوعية واقتحام المغتصبات وتفجير الآليات الصهيونية، أجبر العدو مرغماً على الاندحار من القطاع في شهر ايلول/سبتمبر من العام 2005م.
معارك ضارية
وخلال معركة "السماء الزرقاء" عام 2012م، أراد العدو كسر شوكة المقاومة باستهداف الشهيد القائد أحمد الجعبري، عندها ردت المقاومة وعلى رأسها سرايا القدس باستهداف العمق الصهيوني بصواريخ فاجأت الصديق قبل العدو، واستمرت المعركة لمدة ثمانية أيام أظهرت خلالها السرايا سلسلة من المفاجأت التي أبهرت العدو الصهيوني وأجبرته على الرضوخ لشروط ومطالب المقاومة لوقف المعركة.
وفي معركة "البنيان المرصوص" عام 2014م، أدهشت سرايا القدس الجميع بفعل بسالة وشجاعة مجاهديها وتميزت السرايا في أدائها وقدرتها على إيلام العدو عبر تنفيذ العديد من العمليات النوعية، وقد حققت انجازات عسكرية تاريخية باستهدافها مدنا صهيونية تقع في عمق الكيان كـ(تل أبيب)، كما استهدفت القدس المحتلة ونتانيا ومفاعل ديمونا ومفاعل ناحال تسوراك ومطار (اللد) "بن غوريون" وغيرها لأول مرة، واستطاعت السرايا أيضاً أن تهدد سلاح الجو الصهيوني، وسلاح البحرية بشكل محدود، إلى جانب تمكنها من ممارسة الحرب النفسية على جيش الاحتلال ومستوطنيه بصورة ذكية فاجأت العدو والعالم واستطاعت اختراق هواتف الجنود الصهاينة وبث رسائل تهديد لهم في حال فكروا الدخول برياً لقطاع غزة.
وفي معركة "سيف القدس" في شهر أيار/مايو عام 2021م أظهرت السرايا تقدمًا نوعياً في أدائها، مكنها من صد العدوان الصهيوني على قطاع غزة، وإلحاق هزيمة مدوية بجيش الاحتلال، وافتتحت سرايا القدس المعركة بضربة الكورنيت من خلال استهداف جيب قيادة للعدو بصاروخ كورنيت شرق بيت حانون شمال غزة، وأظهرت السرايا تطور تشكيلاتها العسكرية وعلى رأسها الوحدة الصاروخية حيث أدخلت صاروخ القاسم للخدمة العسكرية لأول مرة، واستخدمت صواريخ البراق والبدر3 المطور وغيرها في دك المدن والبلدات المحتلة بمئات الرشقات الصاروخية المتنوعة، واستمرت المعركة 11 يوماً، وشكلت نقطة تحول مفصلية ونوعية في الصراع مع العدو الصهيوني.
وفي معركة "وحدة الساحات" في شهر آب/ أغسطس الماضي، تصدت سرايا القدس للعدوان الصهيوني على الضفة الغربية وقطاع غزة الذي بدأ باغتيال القائد الكبير "تيسير الجعبري"، لتنطلق بعدها معركة "وحدة الساحات" التي أذاقت سرايا القدس العدوَّ بعضاً من بأسها، ودكت المدن والمغتصبات والمواقع العسكرية الصهيونية بمئات الرشقات الصاروخية وحمم قذائف الهاون، وفرضت حظراً للتجوال في كيان العدو الصهيوني وأحالته إلى جحيم؛ ليهرب المستوطنون الصهاينة وجيش الاحتلال المهزوم إلى الملاجئ.، واستمرت المعركة 3 أيام، واكدت من خلالها السرايا على وحدة الساحات وعدم الاستفراد بأبناء شعبنا في كافة أماكن تواجده.
وخاضت السرايا خلال الأعوام الماضية عدة معارك مع العدو الصهيوني رداً على جرائمه بحق أبناء شعبنا ومجاهدينا كمعارك (كسر الصمت وحمم البدر وجحيم عسقلان ووعد الأوفياء والوفاء للشهداء وثأر تشرين وصيحة الفجر وبأس الصادقين)، وحتى يومنا هذا ما زالت سرايا القدس تلقن العدو درساً تلو الأخر دفاعاً عن أبناء شعبنا وأرضنا ومقدساتنا والتي كان آخرها معركة وحدة الساحات.
عملية انتزاع الحرية
سطر أسرى الجهاد الإسلامي بطولات كسرت هيبة المنظومة الأمنية الصهيونية بدءاً من عملية انتزاع الحرية من سجن غزة المركزي عام 1987م وليس انتهاءً بعملية انتزاع الحرية من سجن جلبوع الصهيوني التي نفذها ستة أسرى عبر نفق تمكنوا من حفره، فجر الاثنين 6-9-2021م، وهم القائد محمود عارضة قائد عملية انتزاع الحرية وتحرر إلى جانبه كل من: محمد قاسم عارضة، ويعقوب محمود قادري، وأيهم فؤاد كمامجي، ومناضل يعقوب انفيعات، وهم ينتمون لحركة الجهاد الإسلامي، فيما زكريا محمد الزبيدي، ينتمي لحركة فتح، وجميعهم من مخيم جنين، وأعادت قوات الاحتلال اعتقال الأسرى الستة في وقت لاحق في مناطق متفرقة بعد أن استنزفوا المنظومة الأمنية الصهيونية.
قدمت سرايا القدس ولا زالت منذ بداية مسيرتها الجهادية الزاخرة بالمقاومة والجهاد والفداء والعطاء كل غالٍ ونفيس، وقدمت خيرة قادتها ومجاهديها شهداء على طريق القدس، ولا يتسع المقام لذكرهم هنا وحسبهم أن الله يعلمهم، ولا زال الكثير منهم ينتظرون دورهم في المعارك القادمة لإساءة وجوه الصهاينة، حتى نيل إحدى الحسنيين إما النصر أو الشهادة في سبيل الله.
علامات بارزة في سجل السبق والمبادرة لسرايا القدس
المبادرة الرائعة لسرايا القدس بإدخال العمليات الاستشهادية "بواسطة المتفجرات"
ضمن وسائل المقاومة في فلسطين، وكانت البداية بتنفيذ الشهيد أنور عزيز أول عملية استشهادية في قطاع غزة بتاريخ 13/12/1993م.
بينما كانت أول عملية استشهادية مزدوجة، هي عملية بيت ليد الشهيرة، التي نفذها المجاهدان صلاح شاكر وأنور سكر من القوى الإسلامية المجاهدة "قسم" بتاريخ 22/1/1995م، وأدت لمقتل 22 جندياً صهيونياً وإصابة أكثر من 80 آخرين.
وأول عملية استشهادية في انتفاضة الأقصى, نفذها الاستشهادي المجاهد نبيل العرعير من سرايا القدس بتاريخ 26/10/2000م، وأدت لمقتل 3 جنود صهاينة وإصابة 4 آخرين.
أول عملية تفجير في انتفاضة الأقصى "بسيارة مفخخة"، نفذتها سرايا القدس بتاريخ 2/11/2000م في مدينة القدس، وأسفرت عن قتل ابنة الحاخام اسحق ليفي ومحاميها.
أول عملية مشتركة في ظل انتفاضة الأقصى, هي عملية سرايا القدس بالاشتراك مع كتائب الأقصى بتاريخ 27/11/2001م, في مدينة "العفولة" المحتلة وأدت لمقتل 4 صهاينة وإصابة العشرات، وقد نفذها الشهيدان مصطفى أبو سرية من سرايا القدس، وعبد الكريم أبو ناعسة من كتائب الأقصى وكلاهما من مخيم جنين.
وانفردت سرايا القدس خلال انتفاضة الأقصى بتنفيذ عمليات عسكرية في فلسطين المحتلة عام 1948م انطلاقاً من جنوب لبنان، مثل عملية "مستوطنة شلومي" التي نفذها الشهيدان غسان الجدع ومحمد عبد الوهاب بتاريخ 12/3/2002م، وأدت لمقتل 7 صهاينة بينهم ضابطان.
تعتبر سرايا القدس من أوائل الأجنحة العسكرية التي بدأت بصناعة الصواريخ, وساهمت بشكل كبير في تطويرها .
منا تعتبر سرايا القدس أول جناح عسكري قام بقصف مدينة تل أبيب المحتلة بصاروخ فجر5 خلال معركة السماء الزرقاء بتاريخ 15/11/2012م.
في الذكرى الـ39 للانطلاقة، تدخل غزة عامها الرابع من حربٍ تركت وراءها مدينةً مثقلةً بالدمار، وآلاف الضحايا، ومشهدًا إنسانيًا قاسيًا أعاد رسم تفاصيل الحياة في القطاع، وبين ذكرى حركة وُلدت في خضم الصراع، وحربٍ أعادت فتح جبهاته على نحو غير مسبوق، تبدو المسافة بين الماضي والحاضر أقصر من أي وقت مضى.
فالحرب لم تخلّف فقط ركامًا واسعًا، بل فرضت واقعًا جديدًا على الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها الجهاد الإسلامي، التي وجدت نفسها أمام اختبار عسكري وسياسي وأمني بالغ التعقيد. وبعد 39 عامًا على انطلاقتها، تأتي الذكرى في لحظة لا تُقاس فيها تجربة الحركة بتاريخها وحده، بل بما أصاب بنيتها وبيئتها وموقعها في المشهد الفلسطيني خلال سنوات الحرب، وما تطرحه المرحلة المقبلة من أسئلة حول مستقبلها ومستقبل المواجهة في غزة.