تحل اليوم، الإثنين 28 أيلول/سبتمبر، الذكرى الـ26 لاندلاع انتفاضة القدس والأقصى، أو الانتفاضة الفلسطينية الثانية، التي اندلعت عام 2000 وشكلت محطة مفصلية في مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بعدما تحولت خلال أيام من مواجهات في القدس إلى انتفاضة شعبية امتدت إلى مختلف مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة والداخل، ليدنس كلا من وزير الحرب اسرائيل كاتس والمتطرف بن غفير سيناريو ما حدث قبل 26 عاماً
وجاء اندلاع الانتفاضة في ظل حالة احتقان سياسي وشعبي متراكمة ، واستمرار الاستيطان وتهويد الأراضي، إلى جانب ما اعتبره الفلسطينيون عجز اتفاقية أوسلو عن تحقيق الحد الأدنى من تطلعاتهم بإقامة دولة مستقلة.
وفي خضم هذه الأجواء، اقتحم زعيم المعارضة الإسرائيلية آنذاك أرييل شارون، في 28 أيلول/سبتمبر 2000، باحات المسجد الأقصى، وسط حراسة أمنية مشددة ضمت نحو ألفي جندي وشرطي إسرائيلي. وأثار الاقتحام غضب المصلين والمرابطين، لتندلع مواجهات سرعان ما اتسعت رقعتها.
وفي اليوم التالي، خلال صلاة الجمعة، اقتحمت قوات الاحتلال ساحات الأقصى وأطلقت الرصاص الحي وقنابل الغاز، ما أسفر، وفق المعطيات الواردة، عن استشهاد سبعة فلسطينيين وإصابة نحو 250 آخرين، لتنتقل المواجهات بعدها إلى مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة وأراضي الـ48.
واتخذت الانتفاضة طابعا واسعا بمشاركة مختلف الفصائل والقوى الوطنية والإسلامية، وبدأت في مرحلتها الأولى بمواجهات شعبية استخدمت خلالها الحجارة والزجاجات الحارقة، قبل أن تتصاعد تدريجيا إلى اشتباكات مسلحة وعمليات استهدفت مواقع وحواجز عسكرية إسرائيلية، فضلا عن العمليات الاستشهادية.
وشهدت سنوات الانتفاضة تحولات عسكرية وسياسية كبيرة، كان أبرزها عملية "السور الواقي" التي شنها الجيش الإسرائيلي في ربيع عام 2002، وأعاد خلالها احتلال مدن كانت خاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، وشهدت مواجهات دامية، خصوصًا في مخيم جنين والبلدة القديمة في نابلس.
كما فرضت إسرائيل حصارا طويلا على مقر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في رام الله، استمر حتى وفاته في نهاية عام 2004، فيما بدأت حدة الانتفاضة بالتراجع تدريجيا مع مطلع عام 2005 ، وخاصة بعد الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة وإخلاء مستوطناتها فيه، إضافة إلى أربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية.
وخلفت الانتفاضة، التي استمرت نحو خمسة أعوام، خسائر بشرية كبيرة في صفوف الفلسطينيين. وتتراوح التقديرات الرسمية لعدد الشهداء بين 4412 و4464 شهيدا، فيما بلغ عدد الجرحى بين 47,440 و48,322 جريحا، بينما تجاوز عدد المعتقلين والأسرى الفلسطينيين الذين زج بهم في سجون الاحتلال 9800 معتقل وأسير حتى حزيران/يونيو 2006، وفق مركز المعلومات الوطني الفلسطيني.
وبقيت صور وأسماء من تلك المرحلة حاضرة في الذاكرة الفلسطينية، وفي مقدمتها الطفل محمد الدرة الذي قُتل في قطاع غزة مطلع الانتفاضة بينما كان يحتمي بحضن والده، والطفل فارس عودة الذي واجه دبابة إسرائيلية بالحجارة عند معبر المنطار. كما تحولت أسماء قادة ومقاتلين ومناطق عدة، بينها مخيم جنين وبلدته القديمة، إلى رموز ارتبطت بمواجهات الانتفاضة.
وبعد 26 عاما، تأتي الذكرى في ظل استمرار الصراع وتصاعد المواجهات في الأراضي الفلسطينية، من الحرب في قطاع غزة، إلى الاقتحامات والعمليات العسكرية في الضفة الغربية والقدس، بالتزامن مع استمرار الاستيطان واقتحامات المسجد الأقصى.
وبذلك تستعيد الذكرى سياقها التاريخي في واقع فلسطيني ما زال يشهد مواجهات وتوترا متواصلا، بينما تبقى القضايا التي ارتبطت باندلاع الانتفاضة، من الاستيطان والقدس والأقصى ومستقبل التسوية والحقوق الفلسطينية، حاضرة في قلب الصراع الممتد.