أزمة جديدة: المال وحده لا يكفي لكي تعيش في غزة..!

الساعة 12:04 م|27 سبتمبر 2026

فلسطين اليوم

فلسطين اليوم/ صفاء الحسنات

بعد أن كان الحصول على الكاش أزمة اقتصادية سياسية أرقت حياة المواطنين خلال الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، وشكلت جزء كبير من المجاعة التي حلت به، نظراً لارتفاع نسبة العمولة التي يحصل عليها أصحاب المحال التجارية ورأس المال، انقلبت الآية لتصبح الأزمة "بعمولة التخلص من الكاش والحصول على تطبيق بنكي".

ففي قطاع غزة، بات المواطن يدفع عمولة للتخلص من الكاش، وليس العكس تماماً، حيث أرهق الحصول عليه خلال الحرب جيوب الغزيين، وكانوا يدفعون أنصاف رواتبهم للحصول على "كاش"، لتصبح غزة "مصنعاً للأزمات".

ومنذ دقت الحرب أوزارها، تضررت البنية المصرفية في القطاع بشكل كبير، وتوقفت أعداد كبيرة من فروع البنوك وأجهزة الصراف الآلي عن العمل، فيما قالت سلطة النقد إن أكثر من 50 فرعًا مصرفيًا دُمّر، إلى جانب عشرات أجهزة الصراف الآلي، كما علقت كميات من النقد داخل خزائن البنوك المتضررة، الأمر الذي أدى إلى أزمة سيولة حادة، فالمواطن قد يملك رصيدًا في حسابه أو محفظته الإلكترونية، لكنه لا يستطيع تحويله بسهولة إلى نقد ورقي.

لكن الأزمة تغيّرت الآن، وانقلب حالها، وبحسب غرفة تجارة غزة فإن رسوم سحب النقد وصلت إلى صفر بالمئة، وترى الغرفة أن ذلك يعكس نقصًا حادًا في السيولة وانخفاضًا كبيرًا في محاولات الحصول على النقد.

لتصبح المفارقة في قطاع غزة أن الكاش الذي كان الناس يدفعون عمولات كبيرة للحصول عليه، أصبح في بعض الحالات صعب الاستخدام.

ويشكو مواطنون من أن بعض التجار يفضلون الدفع الإلكتروني، بينما يرفض آخرون الأوراق النقدية القديمة أو المتداولة بكثرة، وبالتالي بات امتلاك الكاش لا يعني بالضرورة القدرة على استخدامه بسهولة.

يقول خالد النجار: "صار المواطن يدفع عمولة عشان يتخلّص من الكاش الذي يملكه، فبعد أن كان يدفع نصف راتبه عمولة للحصول على كاش، بات يدفع لتحويل الكاش لرصيد الكتروني خاصةً أن الأغلب باتوا لا يتعاملون بالعملات الورقية."

يضيف:" أصحاب المولات والمحال التجارية لا تقبل بالتعامل مع الأوراق القديمة أو المهترئة، وفي حال قبولها يتم دفع عمولة أعلى، في حين أن الكثير منهم يرفض التعامل مطلقاً مع الأوراق النقدية مهما كانت جديدة، فالكاش قديماً كان أزمة اليوم أصبح الكاش نفسه مرهق لصاحبه."

بغضب تقول المواطنة أم عمار ثابت:" تجار الحروب للأسف افتعلوا أزمة سيولة خلال الحرب، وصار المواطن يدفع أكثر من نصف راتبه سيولة، لكن الآن انقلبت المشكلة وبات تحويل العملة الورقية لتطبيق أزمة جديدة."

وتشير ثابت إلى الأزمات مفتعلة، من قبل أشخاص متنفذين في القطاع، فهم من افتعلوا أزمة الكاش وهم أنفسهم يرفضون الآن بالورق الكاش، أما مكاتب الصرافة فتأخذ من المواطن 100 شيكل كاش مقابل 95 تطبيق.

المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر قال: إن سوق غزة يشهد تحولا لافتا في وظيفة النقد، فبعدما كان الكاش نادرا وكان المواطن يدفع عمولات مرتفعة للحصول عليه، أصبح جزء من حاملي النقد اليوم يدفعون عمولة للتخلص منه وتحويله إلى رصيد بنكي أو إلكتروني. هذه المفارقة تكشف تغيرا مهما في اقتصاد السوق، قيمة المال لا ترتبط بمدى سهولة استخدامه وتسويته وليس بقيمته الاسمية فقط.

وأوضح، أنه خلال أزمة السيولة، كانت ندرة النقد تمنحه قوة تفاوضية كبيرة، ووصلت عمولات "التكييش" وفق ما كان متداولا إلى أن يكون المال مناصفة بين صاحب المال وتاجر التكييش. أما اليوم ومع توسع الدفع الإلكتروني وتشدد الكثير من التجار في قبول الأوراق النقدية -حتى الجديد منها-، فإن بعضه يجد صعوبة في قدرته على الحركة داخل السوق.

ووفقاً لأبو قمر، تتراوح عمولات تحويل الكاش إلى أرصدة رقمية -يمكننا أن نطلق عليه مصطلح الترصيد-، بين 3% وقد تصل إلى 10% حسب جودة الورقة. وهذا يعني عمليا أن المواطن لا يدفع مقابل خدمة مالية فقط وإنما يتحمل تكلفة مرتبطة بجودة الورقة وقابليتها للتداول.

وتابع: نحن أمام سوق تسعر السيولة بحسب جودتها وقابليتها للاستخدام، وكلما زادت صعوبة قبول النقد، ارتفعت تكلفة تحويله إلى شكل أكثر قابلية للتداول. المفارقة الأهم أن الكاش لا يختفي وإنما ينتقل من يد إلى أخرى، من الأفراد إلى تاجر الترصيد ثم تاجر أكبر، ثم يعود إلى السوق بعدة أشكال. وفي المقابل تتوسع المدفوعات الرقمية لأنها باتت الأكثر قبولا من التجار المحتكرين لاستيراد السلع وتوفر تسوية أسهل خصوصا مع أزمة الفكة وصعوبة إعادة الباقي.

واعتبر أن المشكلة ليست في النقد أو الدفع الإلكتروني بحد ذاتهما وإنما في ارتفاع تكلفة الانتقال بينهما، ولذلك كلما اتسعت هذه الفجوة أصبح المواطن هو الطرف الذي يتحمل جزءا أكبر من تكلفة دوران المال داخل الاقتصاد.

لا تبدو أزمة الكاش في قطاع غزة مجرد أزمة مؤقتة، بل معاناة يومية تضيف عبئًا جديدًا إلى حياة المواطنين، ففي ظل صعوبة الحصول على الأموال بات الحصول على طرق إنفاقها أصعب، وبين احتياجات الأسر التي لا تنتظر، وأجور وحقوق مالية يصعب الوصول إليها، يبقى المواطن الغزي عالقًا أمام أزمة تجعل الحصول على ماله تحديًا بحد ذاته، وتطرح تساؤلات متزايدة حول الحلول الممكنة لضمان وصول النقد إلى الناس وتخفيف أعبائهم.