في غزة، لم يعد شراء الاحتياجات اليومية مجرد تلبية لحاجة، بل أصبح مرتبطًا بهاجس آخر: ماذا لو كانت هذه آخر مرة أستطيع فيها شراء هذا الشيء؟
في تفاصيل الحياة اليومية، يظهر هذا الخوف في طريقة تعامل الناس مع احتياجاتهم، من السؤال عن توفر السلع إلى مراقبة رفوف المحال، خشية اختفاء بعض الأشياء وعدم القدرة على الحصول عليها مجددًا.
وتختلف صور هذا الخوف من شخص إلى آخر، لكنها تلتقي عند شعور واحد؛ القلق من فقدان ما يحتاجه الإنسان، في ظل واقع لا يضمن أن ما هو متاح اليوم سيكون متاحًا غدًا.
السيدة أم رامي، التي تعيل خمسة من أبنائها في شمال قطاع غزة، تعيش جانبًا من هذا الخوف المرتبط بالغذاء والاحتياجات الأساسية.
فقد بقيت في شمال القطاع ولم تنزح، وعاشت ظروف المجاعة، لتصبح مهمة توفير الطعام لأبنائها مصدر قلق يومي.
تقول أم رامي لمراسل "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية":" صرت لما ألاقي أي شيء من احتياجات البيت أحاول آخذه، حتى لو مش محتاجته بنفس اللحظة، لأنه ما بعرف إذا رح ألاقيه مرة ثانية" .
وتضيف :" أكثر شيء بخوفني إني أرجع أدور على حاجة لأبنائي وما ألاقيها، عشت أيام كان فيها الحصول على الأكل نفسه صعب، وكنت أفكر طول الوقت كيف أوفر لأطفالي وجبة تسد جوعهم. اليوم، حتى لما ألاقي الشيء موجود، بضل خايفة يختفي وما أقدر أوفره مرة ثانية"
ولا يتوقف الخوف من الفقد عند الطعام والاحتياجات الأساسية، بل يمتد إلى تفاصيل أخرى من حياة الناس، وصولًا إلى التعليم، حيث يخشى بعض الطلبة فقدان مستلزماتهم الدراسية وما قد يترتب على ذلك من صعوبة في مواصلة تعليمهم.
الطالب معاذ ثابت، الذي أنهى عامه الثاني في دراسة الهندسة في جامعة الأزهر، يرى أن الخوف من الفقد لم يعد مجرد شعور عابر، بل أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية في غزة، حيث يمكن لفقدان أبسط الاحتياجات أن ينعكس على قدرة الإنسان على مواصلة حياته ودراسته.
قائلا :" صار عندي خوف حتى من الأشياء اللي إلها علاقة بدراستي، الدفاتر والكتب والأدوات اللي كنت أعتبرها أشياء عادية، صرت أخاف إنها ما تتوفر، وأفكر كيف بدي أكمل دراستي إذا فقدت الأشياء اللي بحتاجها"
ويضيف لمراسلنا:" قبل الحرب كنت أشتري الدفتر أو القلم أو أي شيء بحتاجه للدراسة بدون ما أفكر إذا رح ألاقيه مرة ثانية، لكن اليوم كل شيء اختلف، صرت لما ألاقي شيء بحتاجه أفكر آخذه، لأنه ما بعرف إذا رح يضل موجود أو أقدر أوصل له بعدين".
ومن بين أكثر ما يشغله، بحسب معاذ، ما قد يترتب على فقدان مستلزمات الدراسة، قائلا :" أكثر شيء بخوفني إني أفقد الأشياء اللي بحتاجها عشان أكمل دراستي، وألاقي حالي مش قادر أكمل الطريق اللي بدأت فيه".
ومن احتياجات الأسرة إلى احتياجات الطالب، يأخذ الخوف من الفقد منحى أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالدواء؛ فبالنسبة إلى المريض، قد لا يكون فقدان الدواء مجرد نقص في سلعة، بل انقطاعًا عن علاج يحتاجه بصورة مستمرة.
الشابة صابرين حسين، البالغة من العمر 36 عامًا، تعاني منذ ولادتها من حالة صحية تجعلها تعتمد بشكل دائم على مستلزمات خاصة، في مقدمتها البامبرز والكسّارات، إلى جانب الدواء.
فحياتها اليومية مرتبطة بتوفر هذه المستلزمات؛ لا تستطيع الخروج من منزلها أو ممارسة أبسط تفاصيل حياتها بشكل طبيعي من دونها.
وفي الظروف العادية، كانت هذه الاحتياجات تمثل عبئًا دائمًا، إلا أن الحرب جعلت الحصول عليها أكثر صعوبة، مع نقص توفرها وارتفاع أسعارها إلى أضعاف ما كانت عليه.
وتقول صابرين: ان البامبرز بالنسبة إلي مش شيء بقدر أستغني عنه، أنا بحتاجه كل يوم، وما بقدر أطلع من البيت أو أتحرك وأمارس حياتي بشكل طبيعي من غيره".
وتضيف :" قبل الحرب كان الموضوع صعب ومكلف، بس على الأقل كنت أعرف من وين أجيبه. خلال الحرب صار الخوف أكبر، لأنه مرات ما بنلاقيه، وإذا توفر بيكون سعره غالي جدًا، عشان هيك لما ألاقيه بحاول أشتري وأوفر، لأنه بخاف يخلص وما ألاقيه وقت ما أحتاجه"
وبين الفقد والحاجة، يبقى الحال في غزة معلّقًا بما هو متاح اليوم، في ظل واقع يفرض على الناس التفكير في الغد قبل أن يأتي؛ هل سيجدون ما يحتاجونه عندما تنفد احتياجاتهم، أم يصبح الحصول عليها رحلة جديدة من البحث والانتظار؟