تبادل السفارات بين المغرب و"إسرائيل" وأبعاده الأفريقية

الساعة 04:06 م|26 سبتمبر 2026

فلسطين اليوم

لم يقدّم رئيسٌ أميركيٌّ سابق لـ "إسرائيل" ما قدمه ترامب: انسحب من الاتفاق النووي مع إيران من جانبٍ واحد، واعترف بالقدس عاصمةً أبديةً موحدةً لـ "إسرائيل" ونقل السفارة الأميركية إليها، واعترف بملكية الكيان الصهيوني للجولان المحتل، وضغط على الدول العربية التي تدور في فلك أميركا للانخراط في "صفقة القرن". وعندما كانت المؤشرات تدل على قرب خسارته الانتخابية بعد ولايته الأولى، حرّك ترامب "اتفاقيات أبراهام" لعله ينال إجماعًا ورضى ودعمًا من اللوبي اليهودي "إيباك"، المنقسم حينها بين الجمهوريين والديمقراطيين.

 

ولعل التاريخ يعيد نفسه بصيغةٍ أخرى؛ ففي الوقت الذي تراجعت فيه شعبية ترامب نتيجة أدائه السيئ ودخوله حربًا مع إيران استجابةً لطلب نتنياهو - لم يتحقق منها أيٌّ من الأهداف المعلنة - وفي وقتٍ تتزايد فيه عزلةٌ غير مسبوقة للكيان الصهيوني نتيجة جرائمه المستمرة في فلسطين ولبنان وحربه الظالمة على إيران، يأتي الإعلان في وسائل الإعلام الإسرائيلية عن اجتماعٍ عُقد يوم 16 أيلول/سبتمبر 2026، ضم وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ووزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بحضور السفير الأميركي في الأمم المتحدة، تم فيه الاتفاق على رفع التمثيل الدبلوماسي بين المغرب و"إسرائيل" إلى مستوى فتح السفارات وتبادل السفراء.

 

هذه الخطوة، بقدر ما فاجأت الرأي العام المغربي في توقيتها - بحكم أنه كان مشغولًا بالحملة الانتخابية - فإنها قد خلفت موجة استياءٍ كبيرة لدى الشعب المغربي المعروف بمساندته للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة ورفضه لكل أشكال التطبيع.

 

تطور العلاقات بين المغرب الرسمي و"إسرائيل"

 

تشير العديد من المصادر المطلعة إلى أن العلاقات المغربية- الإسرائيلية تعود إلى الستينيات من القرن الماضي، بالرغم من عدم وجود علاقاتٍ دبلوماسية؛ إذ كانت هناك اتصالاتٌ سرية وغير رسمية بينهما، خاصةً في الملفات الأمنية والاقتصادية.

 

في التسعينيات من القرن الماضي، طبّع المغرب رسميًا مع "إسرائيل" وأقام علاقاتٍ دبلوماسية معها، لكنها توقفت في أعقاب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في 28 أيلول/سبتمبر 2000. وفي كانون الأول/ديسمبر 2020، أعلن المغرب و"إسرائيل" استئناف العلاقات الدبلوماسية في إطار اتفاقيات أبراهام، وأُعيد فتح مكاتب الاتصال (فتح مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط سنة 2021)، وتوسعت الاتصالات الرسمية بينهما.

 

كما تم الرفع من مستوى التطبيع إلى مستوياتٍ غير مسبوقة في مجالات الاقتصاد والاستثمار، والأمن والتعاون العسكري، ومجالات التكنولوجيا وإدارة المياه والزراعة، ومجالات السياحة والطيران بتعزيز الرحلات المباشرة والسياحة بين المغرب و"إسرائيل".

 

يدافع المطبّعون عن التطبيع بالقول إنه لم يكن مجانيًا، بل كان مقابل اعتراف ترامب يوم 10 كانون الأول/ديسمبر 2020 رسميًا بمغربية الصحراء الغربية وبسيادة المغرب الكاملة على الإقليم؛ كما اعتبرت إدارة ترامب مقترح الحكم الذاتي المقدم من طرف المغرب أساسًا للحل السياسي للنزاع، باعتباره الحل الواقعي والقابل للتطبيق. وقد تعهدت الولايات المتحدة بفتح قنصليةٍ في مدينة الداخلة الصحراوية لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتنمية في المنطقة.

 

كما يدّعي هؤلاء المطبّعون أن عودة العلاقات بين المغرب والكيان الصهيوني وإعلان "إسرائيل" في تموز/يوليو 2023 اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء الغربية سيساعدان على توظيف اللوبي اليهودي القوي في أميركا لخدمة قضية الصحراء. كما اعتبروا العودة إلى التطبيع مكسبًا دبلوماسيًا يتجاوز التطبيع الدبلوماسي إذ يعطي العلاقات الثنائية بعدًا استراتيجيًا. وقد ربطت تقارير حديثة بين التطور الدبلوماسي والتعاون الثلاثي المغربي-الإسرائيلي-الأميركي.

 

وفي 16 أيلول/سبتمبر 2026، أعلنت وسائل الإعلام الإسرائيلية عن توقيع اتفاقٍ بين المغرب و"إسرائيل" رُفع بموجبه مستوى التمثيل الدبلوماسي بينهما من صيغة مكاتب الاتصال إلى تمثيلٍ دبلوماسي كامل، مع تعيين سفيرٍ مغربي لدى "تل أبيب" وسفيرٍ إسرائيلي لدى الرباط.

 

وأمام غياب أي توضيحٍ من الخارجية المغربية عن تفاصيل الاتفاق الذي تم في نيويورك، نقلت بعض الوكالات الإخبارية أن الاتفاق قد تضمن ضرورة العمل على تعزيز العلاقات على المستوى السياسي والدبلوماسي، وتوفير إطارٍ مؤسساتي أوسع للاستثمار وحماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي والتجارة والتعاون العلمي والتكنولوجي، إضافةً إلى العمل على استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين الرباط و"تل أبيب"، وتعزيز قنوات الاتصال الرسمية بينهما، وتطوير التعاون الأمني والعسكري والاستخباري الذي يُعدّ من أهم مجالات التعاون في العلاقات المغربية- الإسرائيلية منذ استئنافها رسميًا؛ حيث يطمح المغرب إلى تعزيز ترسانة أسلحته وتحديثها وتعزيز قدراته في مجالات التصنيع الحربي والأمن السيبراني ومكافحة الإرهاب وتبادل الخبرات والتكنولوجيا الأمنية مع "إسرائيل". المناهضون للتطبيع يرون أن هذا التعاون، الذي يهم أحد أكثر الجوانب حساسيةً بالنسبة إلى المغرب، يطرح إشكالاتٍ مرتبطة باستخدام تقنيات المراقبة والأمن ويفتح باب الاختراق الأمني على مصراعيه.

 

تبادل السفارات بين المغرب و"إسرائيل" وأبعاده الأفريقية

 

يكتسب البعد الأفريقي أهميةً متزايدة في العلاقات المغربية- الإسرائيلية بالنظر إلى الحضور المغربي داخل القارة، وكذلك بحكم اتساع العلاقات الإسرائيلية- الأفريقية.

 

فمنذ عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي سنة 2017 (بعد أن كان قد انسحب من منظمة الوحدة الأفريقية في 12 تشرين الثاني/نوفمبر 1984 خلال القمة المنعقدة بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا احتجاجًا على حضور وفدٍ يقوده زعيم جبهة البوليساريو محمد عبد العزيز، التي يعتبرها المغرب جماعةً انفصالية)، أصبح فاعلًا قاريًا راكم خلال السنوات الماضية علاقاتٍ اقتصادية ودبلوماسية مع عددٍ من الدول الأفريقية، وأصبح ينظر إلى القارة باعتبارها مجالًا مهمًا للاستثمار والتجارة والتعاون "جنوب-جنوب".

 

كما أن "إسرائيل" حاضرةٌ بقوة في أفريقيا؛ حيث لها علاقاتٌ دبلوماسية مع 44 دولة أفريقية، وكادت أن تحصل على صفة مراقب في الاتحاد الأفريقي سنة 2021 لولا تأجيل الحسم في هذا الأمر لتجنب انقسامٍ داخل المنظمة، كما جرى تعليق وضع "إسرائيل" كمراقب مجددًا في 2023 في انتظار مراجعة المسألة. وقد أثرت الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني في غزة وجرائم الحرب التي ارتكبها وما زال يرتكبها الكيان الصهيوني في غزة والضفة الغربية ولبنان، والحرب الظالمة على إيران، سلبًا على علاقته بالعديد من الدول الأفريقية.

 

وإذا كانت "إسرائيل" ترى أنها ستستفيد من علاقات المغرب مع الدول الأفريقية - خصوصًا تلك التي استعصت على الاختراق الصهيوني أو تلك التي نأت عن هذا الكيان نتيجة الإبادة الجماعية في غزة - فإن المدافعين عن التطبيع يرون أن العلاقة المغربية- الإسرائيلية سيكون لها انعكاسٌ إيجابي على المغرب؛ إذ سيكون بإمكانه - بحكم موقعه الجغرافي وحضوره الدبلوماسي المتنامي وشبكاته الاقتصادية في القارة - أن يكون حلقة وصلٍ اقتصادية بين "إسرائيل" وبعض الأسواق الأفريقية. وهذا ما أشار إليه أيضًا معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي حين أكد أن موقع المغرب الجغرافي وعلاقاته الأفريقية يمكن أن يجعلاه قناةً مهمة للتعاون الاقتصادي بين "إسرائيل" وبعض دول غرب ووسط أفريقيا، خصوصًا في المجالات المرتبطة بالزراعة والمياه والطاقة والأمن.

 

تطمح "إسرائيل" إلى أن يأخذ التعاون المغربي- الإسرائيلي بعدًا ثلاثيًا: (مغربي-إسرائيلي-أفريقي)، يمتد إلى مشاريع مشتركة في دول أفريقية، سواء من خلال الاستثمار أو نقل التكنولوجيا أو تنفيذ وتطوير مشاريع تنموية في مجالات مثل الزراعة والمياه والصحة والأمن، وهي قطاعاتٌ حاضرة بالفعل في العلاقات الإسرائيلية مع عددٍ من الدول الأفريقية.

 

كما تأمل "إسرائيل" أن يؤثر اتساع علاقاتها مع المغرب في طبيعة التحالفات والشراكات داخل القارة، ويفتح مجالاتٍ جديدة للتعاون مع بعض الدول الأفريقية. لكن هذه الأماني قد تُواجَه بتحفظاتٍ سياسية واستراتيجية من دولٍ أخرى مرتبطة بموقفها الداعم للقضية الفلسطينية أو بقضايا أخرى كقضية الصحراء الغربية. أي إن أثر التعاون المغربي الإسرائيلي في أفريقيا لا يمكن اعتباره موحدًا أو حتميًا، بل سيختلف حتمًا باختلاف مواقف كل دولة أفريقية ومصالحها الاقتصادية والسياسية والأمنية.

 

الخلاصة

 

يريد المغرب تعزيز حضوره وشراكاته جنوب الصحراء، وتصبو "إسرائيل" إلى توسيع علاقاتها بالقارة (خصوصًا الساحل وغرب أفريقيا). وبالتالي، يمكن النظر إلى تبادل السفارات بين المغرب و"إسرائيل" باعتباره انتقالًا من تطبيعٍ محدود إلى علاقةٍ دبلوماسية كاملة، كخطوةٍ لها أبعادٌ استراتيجية تتجاوز العلاقات الثنائية إلى أبعادٍ أفريقية من خلال إمكانية إقامة مشاريع وشراكاتٍ ثلاثية تجمع المغرب و"إسرائيل" ودولًا أفريقية أخرى.

 

لكن هذا التعاون يثير أيضًا مخاوف وشكوكًا لدى دولٍ أفريقية أخرى كالجزائر ومصر وجنوب أفريقيا، التي سترى فيه تهديدًا لأمنها واستقرارها ومصالحها ومناطق نفوذها، وإخلالًا بالتوازنات الجيوسياسية القائمة. فالتطبيع الكلي والتعاون العسكري بين المغرب و"إسرائيل" قد أثارا حفيظة الجزائر وزادا من منسوب التوتر بين المغرب والجزائر، وفتحا باب السباق نحو التسلح بشكلٍ غير مسبوق، ما يهدد بإشعال حربٍ بين البلدين الشقيقين تأتي على الأخضر واليابس وتحقق أمنية الكيان الصهيوني في تفكيك الدول العربية والإسلامية، ويكون كلٌّ من الطرفين (المغرب والجزائر) خاسرين.

 

كما يثير هذا التعاون نقاشاتٍ سياسية مرتبطة بالقضية الفلسطينية التي تمثل أحد أبرز التحديات السياسية التي تحيط بالعلاقات المغربية- الإسرائيلية. فالمغرب يؤكد رسميًا استمرار موقفه الداعم للقضية الفلسطينية في الوقت الذي يطور فيه علاقاته مع "إسرائيل". فهل سيكون المغرب قادرًا على الموازنة بين تطوير علاقاته الاقتصادية والاستراتيجية مع "إسرائيل" من جهة، والحفاظ على مواقفه المعلنة تجاه القضية الفلسطينية؟ الجواب نجده في التجربة المصرية والأردنية.

 

ويرى المناهضون للتطبيع أن كل الحجج المقدمة لتبرير التطبيع ورفع مستوى التمثيل الدبلوماسي واهية، بل يعتبرون أن الإسراع في التطبيع مع الكيان الصهيوني في كل المجالات - خصوصًا الحساسة منها - تهديدٌ لأمن المغرب واستقراره. ويقدمون الأدلة تلو الأدلة على خطورة التطبيع ونوايا "إسرائيل" السيئة ومحاولة إقحامها المغرب في معارك تضر بمصالحه، وكان آخرها سعيها لتوريطه في عملية اقتحام المعبر الحدودي في سبتة المحتلة يوم 20 تموز/يوليو 2026 لإحراج رئيس الحكومة الإسباني المعروف بمواقفه الداعمة لفلسطين، ما أدى إلى توتر العلاقات بين المغرب وشريكه الاقتصادي الثاني إسبانيا، بل انعكس أيضًا على مواقف دولٍ أوروبية أخرى.

 

إن الاتفاق على فتح السفارات لا يعني أن عملية تبادل السفراء قد اكتملت فعليًا ما لم يصدر إعلانٌ رسمي يؤكد ذلك، كما لا يعني أن إغلاق هذه السفارة غير ممكن؛ فهذه الخطوة ستظل مرتبطة بالسياق الداخلي في المغرب. فالشعب المغربي يعتبر القضية الفلسطينية قضيته الوطنية، وأكيدٌ أن لردود فعله صدى قد يفرض على أصحاب القرار في المغرب إعادة النظر في مواقفهم، خصوصًا أن جهاتٍ مسؤولة في الدولة المغربية غير مرتاحةٍ لوتيرة هذا التطبيع، ولا تخفي قلقها من نفاذ الصهاينة وخدامهم الحاملين شعار "كلنا إسرائيل" إلى مراكز حساسة.

 

كما ستظل هذه الخطوة مرتبطة بالسياق الإقليمي والدولي، خصوصًا في الولايات المتحدة الأميركية المقبلة على انتخاباتٍ جزئية قد تعيد رسم خريطة مجلسي النواب والشيوخ، في ظل تراجع شعبية الرئيس ترامب ما يهدد بقاءه في البيت الأبيض لإكمال فترته الانتخابية. كما أن استكمال عملية تبادل السفارات قد يكون رهينةً بتطورات الصراع العربي/الإسلامي/الإسرائيلي.

تبادل السفارات بين المغرب و"إسرائيل" وأبعاده الأفريقية بقلم: المصطفي معتصم