فلسطين في إرث الشهيد نصر الله..من أمانة القائد إلى مسؤولية المقاومة

الساعة 12:53 م|26 سبتمبر 2026

فلسطين اليوم | شرحبيل الغريب

لم تكن قضية فلسطين في مشروع المقاومة الذي حمله الشهيد السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله قضيةً تستحضر في خطاب عابر، ولا شعاراً يرفع في المناسبات السياسية والدينية، ولا عنواناً للتضامن السياسي حين تفرض الأحداث حضورها كانت فلسطين حاضرة، في رؤيته ومسيرته، قضيةً في صلب المعركة، وبوصلةً تحدّد معنى المقاومة ووجهتها وبوصلتها، وأمانة حملها طوال سنوات قيادته لحزب الله.

منذ أن تولّى قيادة الحزب عام 1992، جعل القائد نصر الله من مواجهة الاحتلال الإسرائيلي مشروعاً يتجاوز حدود الجغرافيا اللبنانية في الجنوب اللبناني، وربط بين تحرير الأرض اللبنانية والدفاع عن فلسطين ومواجهة المشروع الإسرائيلي في المنطقة. لذلك لم تكن فلسطين في خطابه هامشاً سياسياً لتسجيل المواقف، بل كانت جزءاً من هوية المقاومة ومبرّرات وجودها وامتدادها الاستراتيجي في المنطقة.

وفي هذا السياق، تكتسب استعادة إرثه الثوري المقاوم بعد استشهاده قبل عامين أهمية تتجاوز الذكرى والرثاء أو التأبين، فالسؤال اليوم ليس فقط ماذا قال القائد نصر الله عن فلسطين، ولا كيف عبّر عن دعمه للمقاومة الفلسطينية، وإنما كيف تتحوّل الأمانة التي حملها القائد الأمين طوال عقود إلى مسؤولية مستمرة على عاتق المقاومة في ظلّ التعقيدات التي تشهدها المنطقة، وكيف تبقى فلسطين حاضرة في صلب المشروع المقاوم، رغم تغيّر القيادات والظروف وموازين القوى وتبدّل أدوات الصراع.

صحيح أنّ القادة قد يستشهدون ويرحلون عنا، لكنّ المشاريع التي أسسوها لا تختبر في لحظة رحيلهم، بل في قدرتها على مواصلة الطريق التي رسموها، وفي قدرتها على تحويل إرثهم من ذاكرة إلى استمرار فعل، ومن خطاب إلى مسؤولية أكبر وأكبر، ومن تجربة قائد مضى شهيداً على طريق القدس إلى وعي متراكم تتعاقبه أجيال المقاومة.

منذ تولّيه قيادة حزب الله، رسّخ الشهيد القائد حسن نصر الله حضور فلسطين في خطاب المقاومة، انطلاقاً من رؤية تعتبر أنّ الاحتلال الإسرائيلي ليس خطراً محصوراً في أرض فلسطينية أو لبنانية، وإنما مشروع يتصل بمستقبل المنطقة وأمنها واستقرارها، ولهذا لو عدنا في الذاكرة إلى الوراء سنرى كيف ارتبطت معركة تحرير الجنوب اللبناني في خطابه بالمعركة الأوسع مع الاحتلال الإسرائيلي، ولم يكن تحرير الأرض اللبنانية عام 2000، على أهميته التاريخية، نهايةً للقضية في وعي المقاومة، بل محطة من محطات مواجهة الاحتلال الإسرائيلي ومشروعه في المنطقة.

وكان الشهيد الأمين نصر الله واضحاً في التعبير عن هذا الالتزام الأخلاقي، حين قال:"نحن شيعة علي بن أبي طالب لن نتخلى عن فلسطين ولا عن شعب فلسطين"، لم تكن العبارة مجرّد موقف عاطفي، بل اختصاراً لرؤية سياسية وأخلاقية أراد من خلالها التأكيد أنّ فلسطين ليست قضية قابلة للتبدّل وفق الظروف، وأنّ الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني يعدّ جزءاً لا يتجزّأ من هوية المقاومة والتزامها.

شكّل تحرير الجنوب اللبناني عام 2000 إحدى أبرز المحطات التي ارتبطت باسم الشهيد الأمين نصر الله، بعدما تمكّنت المقاومة من دحر الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء واسعة من الأراضي اللبنانية المحتلة، ثم جاءت حرب تموز عام 2006 لتضع المقاومة أمام مواجهة عسكرية أوسع، وتمنح تجربتها بعداً جديداً في الصراع مع "إسرائيل"، وفي كلتا المحطتين، كانت فلسطين أيضاً حاضرة في خلفية المشهد السياسي والاستراتيجي، فالمقاومة وفق الرؤية التي قدّمها الشهيد نصر الله آنذاك لم تكن مشروعاً منفصلاً عن محيطها، ولم تكن تنظر إلى الحدود باعتبارها نهاية الصراع بين المقاومة اللبنانية والاحتلال الإسرائيلي، بل باعتبارها خطوطاً جغرافية لا تلغي وحدة القضية في مواجهة الاحتلال.

وهنا تكمن إحدى السمات الاستراتيجية في إرث نصر الله في الجمع بين البعد الإسلامي للمقاومة في لبنان والبعد العربي الإسلامي للقضية الفلسطينية، بما جعل فلسطين حاضرة في خطاب الحزب بوصفها قضية شعب يقاوم الاحتلال، وفي الوقت نفسه قضية ترتبط مباشرة بمواجهة "إسرائيل" ومشروعها التوسّعي في المنطقة.

جاءت عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 لتعيد القضية الفلسطينية إلى واجهة المشهد الدولي بقوة، بعدما تراجعت لسنوات في سلم الاهتمام الدولي، وتعرّضت لمحاولات متواصلة لإعادة تعريفها باعتبارها ملفاً تفاوضياً أو إنسانياً منفصلاً عن جذور الصراع العربي الإسرائيلي، وفي اليوم التالي تحديداً في الثامن من أكتوبر 2023 فتحت جبهة الجنوب اللبناني مساراً جديداً من المواجهة، في سياق ما قدّمه حزب الله باعتباره جبهة إسناد للمقاومة الفلسطينية في غزة.

وأطلّ علينا الشهيد الأمين نصر الله في خطابه يوم الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2023، فتناول القائد نصر الله تطوّرات الحرب في غزة باعتبارها جزءاً من مواجهة أوسع مع "إسرائيل"، مؤكّداً حضور المقاومة اللبنانية في هذه المعركة ضمن حساباتها السياسية والعسكرية، وبذلك الخطاب ظهر بوضوح أحد أبرز ملامح إرثه السياسي في النظر إلى الصراع مع "إسرائيل" باعتباره صراعاً متعدّد الجبهات والمسارات، لا تقتصر أدواته على ساحة واحدة، ولا يمكن فصل ساحاته عن بعضها بمعزل عن طبيعة المواجهة، لكن ما يبقى أكثر أهمية هو أنّ فلسطين ظلت في مركز المعنى السياسي لهذه المواجهة، باعتبارها قضية شعب وقع عليه الظلم ويتعرّض لأبشع احتلال ويقاوم من أجل حريته وحقوقه واستعادة أرضه.

قبل عامين وفي 27 أيلول/سبتمبر 2024، اغتالت "إسرائيل" الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، في ضربة استهدفت قيادة حزب الله وأبرز رموز المقاومة الإسلامية اللبنانية، وكان اغتياله حدثاً مفصلياً في مسار الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، لأنه استهدف قائداً ارتبط اسمه بمراحل تاريخية أساسية في تجربة المقاومة الإسلامية اللبنانية، وببناء حضور سياسي وعسكري امتد تأثيره إلى الإقليم بأكمله وليس في لبنان وحدها. 

وفي مسيرة المقاومة والشهداء يرحل القادة ويتركون خلفهم إرثاً وطنياً مقاوماً، ومن هنا فإنّ استشهاد القائد نصر الله لا ينبغي أن يقرأ بوصفه نهايةً لمرحلة المقاومة ومشروعها، وإنما بوصفه انتقالاً للأمانة من شخص القائد الأمين إلى مشروع المقاومة بكلّ مكوّناته بمن خلفه في أمانة الحزب ومكوّناته كافة. 

استشهد الأمين العام قبل عامين واليوم نعيش الذكري لكنّ فلسطين لم ترحل من مشروع المقاومة الإسلامية، وهنا تبدأ مسؤولية المرحلة الجديدة التي انتقلت من أمانة القائد الشهيد إلى مشروع المقاومة ككلّ، فقد حمل القائد نصر الله فلسطين بوصفها أمانة سياسية وأخلاقية، وجعلها حاضرة في خطاب المقاومة ومواقفها، أما بعد استشهاده فإنّ الحفاظ على هذه الأمانة أصبح مسؤولية جماعية أكثر من أيّ وقت مضى.

والمسؤولية هنا لا تعني تكرار خطاب الماضي، بل الحفاظ على الثوابت مع تطوير الاستراتيجيات بما يتناسب مع شكل المنطقة من جديد في ظلّ حالة الضغط التي تمارس على المقاومة في المنطقة كي ترفع الراية البيضاء، كما أنّ المشهد الإقليمي والدولي أصبح أكثر تعقيداً، لذلك فإنّ الوفاء لإرث القائد نصر الله يكون بالقدرة على مواصلة الطريق بعقل مفتوح على المتغيّرات، من دون التخلّي عن الثوابت التي قام عليها مشروع المقاومة وفي مقدّمة هذه الثوابت تبقى فلسطين على رأس الأولويات.

في ذكرى استشهاد القائد نصر الله قد يكون من السهل أن نستعيد كلمات الشهيد الأمين نصر الله وخطاباته وصوره في المناسبات، وأن نتحدّث عن انتصارات المقاومة ومحطات مسيرته،لكنّ الإرث الحقيقي للقائد يقاس اليوم بما تتركه تجربته من أثر في حاضر المقاومة ومستقبلها، وفي وعي جمهورها الذي يؤمن بالطريق ذاتها وبتضحياتها، ولهذا فإنّ تخليد القائد نصر الله لا ينبغي أن يتحوّل إلى استحضار للماضي فقط، بل إلى مواصلة الطريق الذي أسس له طيلة السنوات الماضية والتي سجّل فيها حزب الله انتصارات متتالية على العدو الإسرائيلي، وإذا كانت فلسطين حاضرة في قلب خطابه، فطبيعة المرحلة رغم تعقيداتها تفرض أن تبقى في قلب مشروع المقاومة، وإذا كانت مقاومة الاحتلال واحدة من أبرز ثوابت مسيرته، فإنّ مواجهة محاولات تصفية القضية الفلسطينية أو تهميشها أو اختزالها في الجانب الإنساني يجب أن تبقى جزءاً من المسؤولية السياسية والأخلاقية للمقاومة.

رغم سوداوية الصورة وقتامة المشهد جدير  بنا التذكير بثوابت مشروع المقاومة ككلّ، ففلسطين ليست قضية إنسانية وإغاثية فقط، ولا ملفاً تفاوضياً منفصلاً عن الاحتلال الإسرائيلي، بل قضية شعب وحقوق وأرض وتاريخ، وقضية تحرّر وطني لم تغلق فصولها بعد، وطالما الاحتلال الإسرائيلي موجود في المنطقة فمشروعية المقاومة حقّ كفلته كلّ القوانين الشرعية الدولية. 

الثابت هو فلسطين والمتغيّر هو الأدوات، والجميع يدرك ويتابع أنّ المنطقة تغيّرت بصورة كبيرة، فمنذ بدأ القائد الشهيد نصر الله قيادة حزب الله كانت فلسطين هي الثابت وتغيّرت موازين القوى، وتطوّرت أدوات الحرب، لكنّ تغيّر الأدوات لا يعني تغيّر القضية أو التخلّي عنها،وهنا تكمن أهمية قراءة إرث الشهيد القائد نصر الله بوعي سياسي لا بعاطفة الذكرى فقط.

لقد طغت فلسطين في إرث الشهيد نصر الله وكانت الثابت انطلاقاً من حقّ الشعب الفلسطيني في أرضه واستعادة حقوقه، وكان الثابت أيضاً هو مواجهة الاحتلال ورفض تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية منسية أو هامشية، والمقاومة لها أشكال مختلفة وأساليب متعددة، وممارستها دائماً تكون وفق رؤية لا اجتهاد، لذلك المقاومة في هذه المرحلة والظروف تفرض عليها تحدّيات تجعلها تحافظ على الثوابت، لكنها من الممكن أن تغيّر الأدوات والأساليب بما يضمن استمرار حضورها، وهذا هو التحدّي الحقيقي أمام المقاومة، أن تحافظ على البوصلة، وأن تطوّر من أدواتها بما يضمن المحافظة على إرث الشهيد القائد نصر الله، وهذا سيعزّز من حضورها في مواجهة المرحلة المقبلة على قاعدة لا معنى للمقاومة من دون فلسطين.

لا بدّ من التذكير أيضاً أنّ المعركة مع الاحتلال الإسرائيلي على فلسطين ليست معركة عسكرية في الميدان فقط، فالاحتلال يخوض إلى جانب الحرب العسكرية معركة على الوعي والرواية والإعلام والموقف الدولي، ويسعى باستمرار إلى إعادة صياغة صورة الصراع بما يحافظ على صورته، كما ويعمل على تقديم القضية الفلسطينية باعتبارها أزمة أمنية أو إنسانية منفصلة عن الاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني، ومن هنا تصبح المعركة الإعلامية والسياسية جزءاً لا يتجزأ من معركة المقاومة الشاملة.

وفي مسيرة القائد نصر الله يسجّل له أنه أدرك مبكراً أهمية الإعلام وتأثيره والخطاب السياسي في بناء الوعي، ولم يكن ظهوره الإعلامي منفصلاً عن المعركة التي تخوضها المقاومة في الميدان، ولهذا فإنّ مسؤولية المرحلة المقبلة لا تتوقّف على تطوير القدرات العسكرية أو إعادة البناء والتنظيم من جديد، وإنما تشمل أيضاً تطوير أهمية الخطاب السياسي والإعلامي، وتعزيز الحضور في معركة الرواية، وإبقاء فلسطين حاضرة في الوعي العربي والإسلامي والدولي، فالمعركة على فلسطين هي أيضاً معركة على الذاكرة والرواية، وعلى تعريف من هو المحتل ومن هو صاحب الحقّ والأرض.

استشهاد القائد نصر الله لا يعني أنّ فلسطين فقدت أحد أكثر أصواتها حضوراً فحسب، بل يعني أنّ المقاومة فقدت قائداً جعل من فلسطين جزءاً ثابتاً من مشروع حزب الله السياسي طوال سنوات قيادته، لكن فلسطين لا ترتبط بقائد رحل عنا بخاتمة الشهادة، فلقد تحوّلت القضية الفلسطينية، عبر عقود طويلة، إلى قضية شعب وحقوق وذاكرة وهوية، وما فعله القائد نصر الله أنه وضعها في قلب مشروع المقاومة الإسلامية، وربطها بصورة مباشرة بالصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، وأكّد في خطاباته أنّ التخلي عن فلسطين ليس خياراً بالنسبة لمن اختار طريق المقاومة، ومن هنا فإنّ استمرارية هذا الإرث لا تعني أن تظلّ فلسطين حاضرة في خطب المناسبات فقط، بل أن تبقى حاضرة في القرار والموقف والرؤية المستقبلية للمقاومة، وهنا تحديداً تنتقل الأمانة من القائد الشهيد إلى أمانة المقاومة الإسلامية اللبنانية.

إرث الشهيد القائد نصر الله بعد عامين على استشهاده بات مسؤولية لا ذكرى، وفي الذكرى الثانية لا تكفي كلّ الكلمات مهما كانت قوية ومؤثّرة، ولا تكفي الصور مهما كانت حاضرة، ولا يكفي استحضار التاريخ مهما كان مجيداً. 

ثمّة مسؤولية كبيرة تقع على المقاومة الإسلامية مع الذكرى الثانية لاستشهاد القائد نصر الله أن تبقى فلسطين في قلب المقاومة، وأن يبقى حقّ الشعب الفلسطيني حاضراً لا يغطيه ضجيج الحروب ولا الصراعات العالمية الكبيرة، وأن تبقى مواجهة الاحتلال الإسرائيلي جزءاً من الوعي السياسي للمقاومة، وأن تتطوّر أدواتها بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الجديدة، لتدرك أجيال المقاومة الحالية وحتى الجديدة أنّ القائد الذي يمضي شهيداً لم يترك لهم إرثاً يُحتفل به فقط، بل ترك لهم أمانة ومسؤولية وطريقاً نحو القدس.

لقد حمل الشهيد الأمين حسن نصر الله فلسطين في أصعب المراحل، ودفع حياته ثمناً لمواقفه وخياراته، واليوم، بعد استشهاده لم تعد القضية مجرّد أمانة قائد أو أمين جديد بل إنها مسؤولية مقاومة بأن تبقى فلسطين حاضرة حين تتغيّر العناوين، ومسؤولية أن تبقى البوصلة ثابتة تكبر المؤامرة ومسؤولية أكبر أن تبقى القضية حيّة حين يحاول الاحتلال الإسرائيلي تصفيتها بتحويلها إلى مجرّد ملف إنساني .

رحل القائد نصر الله لكنّ الأمانة بقيت، رحل الصوت الذي طالما خاطب فلسطين وأهلها ومقاومتها، لكنّ الطريق لم تنتهِ بعد، فالقادة يرحلون أما القضايا التي آمنوا بها فلا ترحل باستشهادهم.

فلسطين التي حملها الشهيد الأمين حسن نصر الله في قلب مشروعه، هي ليست مجرد عنوان في إرثه فحسب بل البوصلة التي تهتدي بها المقاومة، والمسؤولية التي تحملها الأجيال من بعده، والعهد الذي لا يسقط باستشهاد قائده.. حقاً إنّ القادة يرحلون ويبقى النهج والأثر. 

كلمات دلالية