الاحتلال يقتل الفلسطينيين في غزة بطرق جديدة.. ماذا في التفاصيل؟

الساعة 12:44 م|26 سبتمبر 2026

فلسطين اليوم | أحمد عبد الرحمن

وكأن "دولة" الاحتلال المارقة لم يكفها ما حصدته آلتها الحربية المجرمة من أرواح الفلسطينيين العزّل في قطاع غزة، حتى تبتكر وسائل جديدة للنيل منهم، وقتلهم، وإبادتهم أمام بصر وسمع هذا العالم الظالم، والذي لم يحرّك ساكنا طوال ثلاث سنوات من عمر حرب الإبادة الجماعية المجنونة التي يتعرّض لها السكّان في غزة المنكوبة، باستثناء إصدار بعض بيانات الإدانة والشجب، وفي أحسن الأحوال مقاطعة كلمة مجرم الحرب، والفار من وجه العدالة الدولية بنيامين نتنياهو، والذي لم يزده مغادرة وفود أكثر من ثمانين دولة لقاعة الأمم المتحدة أثناء القاء كلمته سوى تجبّرا وعنجهية، وهو الذي يعرف كما يبدو اكثر من غيره أنها مغادرة بروتوكولية ليس أكثر لحفظ ماء وجه بعض الأنظمة امام شعوبها المغلوبة على امرها.

في غزة المنكوبة، والتي تصارع الموت صباح مساء، بدأ جيش الاحتلال الهمجي في استخدام طرق جديدة للتضييق على الناس، ولإفقادهم أي ذرة امل في حياة آمنة ومستقرّة بعيداً عن القتل والقصف والتهجير، بل وبعيدا عن تمتّعهم بصحة جيدة تساعدهم على مواجهة مصاعب الحياة الجمّة، والتي يسعى من خلالها لإجبارهم على الهجرة من أرضهم ووطنهم عندما يسمح لهم بذلك في وقت ما، وهو الوقت الذي يبدو حتى الآن مؤجل لأسباب لا يعرفها أحد.

خلال الأيام الخمسة الماضية بدأ الناس في مدينة غزة أو ما تبقّى منها يشكون من انتشار روائح كريهم للغاية أثناء فترة الليل، وهي روائح كما شعرنا بها نحن وباقي السكّان تشبه إلى حدٍّ بعيد روائح الجثث المتعفّنة، او المتحلّلة، وهي تكاد تزكم الأنوف، وتقطع الانفاس، لا سيّما لدى الذين يعانون من أزمات في الجهاز التنفّسي، او مشاكل على مستوى القلب.

في الليلة الأولى التي انتشرت فيها هذه الروائح منتصف الأسبوع الماضي، اعتقد الناس أنها ناتجة عن تكدّس القمامة في الشوارع والطرقات بكميّات كبيرة، بسبب عدم جمعها من طواقم البلديات التي توقّف عملها نتيجة عدم توفّر الزيوت وقطع الغيار للشاحنات والآليات التي تقوم بهذا العمل، أو عن تدفّق مياه الصرف الصحّي خارج قنواتها المعتادة بسبب الضرر البليغ الذي أصاب البنية التحتية لتلك القنوات، وهاتان المشكلتان باتتا تتركان تداعيات سلبية للغاية سواء على صحة المواطنين، أو بسبب تحوّلهما لبيئة مناسبة لانتشار القوارض والحيوانات الضالة، والتي باتت تنافس السكّان في خيامهم البالية، وتكاد تنازعهم ما يحصلون عليه من مواد غذائية بسيطة يقتاتون عليها رفقة أطفالهم الذين يعاني غالبيتهم العظمى من سوء التغذية.

إلا أنه بعد تكرّر الأمر في الليالي اللاحقة بدأ الناس ومعهم الجهات المختصّة بالبحث عن السبب الحقيقي لانتشار هذه الروائح، والتي كانت تختفي عند بزوغ الفجر، وهو ما دفع الجميع لاستبعاد فرضية وقوف أكوام القمامة أو الصرف الصحي خلف هذه الروائح، بسبب تواجدها على نفس الحال أثناء الليل والنهار.

بعد الكثير من البحث، وبالاعتماد على مشاهدات العشرات من شهود العيان في المناطق الشرقية لمدينة غزة، لا سيّما أولئك المتواجدين بمحاذاة شارع صلاح الدين من الجهة الغربية، وكذا الحال للسكّان المقيمين في الأجزاء الجنوبية الغربية من معسكر جباليا ومناطق غرب بيت لاهيا، فقد تبيّن أن مصدر هذه الروائح هو عبوات بلاستيكية تُلقيها طائرات "كواد كابتر" إسرائيلية بالقرب من المناطق السكنية، وأن جزء من هذه العبوات ينفجر في الجو لتتوسّع مساحة انتشار الروائح الناتجة عنها مع الرياح، وجزء آخر يسقط على الأرض وينفجر نتيجة الارتطام، وتتوزّع الروائح الناتجة عنه في المناطق المحيطة، والتي يعيش معظم سكانها في خيام بالية، لا يمكنها بأي حال من الأحوال منع هذه الروائح من الدخول إليها أو التخفيض من شدّتها.

حتى هذه اللحظة لم يستطع أحد معرفة ماهية هذه العبوات التي تُلقى، ولا المواد الموجودة فيها، ولا يُعرف أيضا تأثير الروائح الصادرة منها، وهل هي للتنغيص على حياة المواطنين فقط، ام تترك آثار صحيّة على المدنيين الذين يعانون أصلا من امراض تنهش أجسادهم الضعيفة والمريضة.

حسب بعض المصادر الصحية فإنه يوجد شكوك بكون هذه المادة هي مادة سكنك "Skunk" التي استخدمها جيش الاحتلال سابقاً أبّان مسيرات العودة على الحدود الشرقية لقطاع غزة 2018 -2019، وهي مادة نفاثة للغاية وكريهة الرائحة، ويتم تصنيفها بأنها سلاح كيميائي غير قاتل طوّرته شركة "أودورتيك" الإسرائيلية، وتستخدمه قوات الاحتلال الإسرائيلي كأداة للعقاب الجماعي وتفريق المتظاهرين.

غير أن مصادر أخرى تشكّك في كون المادة الملقاة من الجو هي مادة "سكنك"، خصوصاً مع ارتفاع نسبة المواطنين الذين باتوا يعانون من مشاكل تنفسيّة خلال الفترة الأخيرة، وهي مشاكل تختلف عن مثيلاتها من امراض الجهاز التنفّسي المعروفة، ويعاني الأطباء في غزة من صعوبات كبيرة من أجل تحديد ماهية هذه المشكلات الجديدة، والتي تسبّب حالات اختناق شديدة للمرضي أكثر قسوة وصعوبة من تلك الناتجة عن أمراض التنفس التقليدية.

حتى كتابة هذا المقال لم يتم الجزم بطبيعة المادة التي تُصدر كل هذا الكم من الروائح الكريهة والنفاذة، ولا بالضرر الذي يمكن أن تسبّبه على صحة الناس في غزة، وهذا ناتج من عدم تمكّن أحد من الحصول على عيّنة منها بسبب إلقائها أثناء فترة الليل، وفي مناطق قريبة من الخط الأصفر، وهو ما يجعل من عملية الوصول إلى أماكن سقوط بعضها عملية بالغة الخطورة، وغير مأمونة العواقب.

غير بعيد عن مشكلة الروائح الكريهة، وإمكانية ارتباطها بانتشار امراض الجهاز التنفّسي من عدمه، لوحظ في الشهرين الأخيرين أيضا انتشار واسع لأمراض المعدة والجهاز الهضمي بين المئات من سكّان القطاع، لا سيّما أولئك القاطنين في مراكز الإيواء، إذ بات هؤلاء يعانون من حالات مغص وقيئ شديدة، بالإضافة إلى تكوّن الغازات في الأمعاء بنسبة تفوق النسب المعتادة، وفي بعض الحالات عانى المواطنون من حالات إغماء وضيق نفس شديد، تطلّب نقل العديد منهم إلى المشافي والمراكز الصحيّة.

حسب الفحوصات المخبرية التي أُجريت لهؤلاء المرضى تبيّن أن سبب هذه المشكلات هو ما يُعرف بـ "جرثومة المعدة "، والتي ينشط جزء منها داخل المعدة، فيما ينشط الجزء الآخر داخل جدار المعدة، وهو ما يسبّب مشاكل لا حصر لها لا سيّما عند الأطفال وحديثي الولادة وكبار السن، والذين يحتاجون رعاية خاصة نظرا لانخفاض مستوى المناعة لديهم قياسا بجيل الشباب.

  • إلى بعض المصادر الصحيّة في غزة فإن السبب الرئيسي لازدياد هذا النوع من الامراض هو ماء الحرب،والتي يتحصّل عليه المواطنون في قطاع غزة من عدّة مصادر، منها الآبار الجوفية والارتوازية، ومحطّات التحلية، بالإضافة إلى المياه القادمة عبر ما يُعرف بخط "مكوروت "،وجميع هذه المصادر كما تشير الكثير من الفحوصات المخبرية لا تُعتبر مياه صالحة للشرب، لا سيّما وأن طريقة الحصول عليها، والحاويات التي تُنقل فيها تفتقر للكثير من أسس السلامة، ولا تلبّي الحد الأدني من شروط الأمان التي يجب توافرها.

بعض المصادر الفلسطينية تضع تلوّث المياه بكافة مصادرها في قطاع غزة تحت خانة "فعل فاعل"، إلا أن الفاعل في هذه الحالة غير مجهول، إذ تشير التجارب السابقة بأصابع الاتهام للعدو الإسرائيلي،الذي دأب خلال فترة الحرب على استهداف كل مصادر المياه النظيفة والصالحة للشرب،حيث دمّر عن وجه قصد اكثر من 90 % من آبار المياه، وقام بردمها بعد تفجير المولدات التي تغذيها بالكهرباء اللازمة لتشغيلها، كما دمّر قصفا وتفجيرا معظم محطّات تحلية المياه خصوصا في مدينة غزة وشمالها، بالإضافة إلى تحكّمه بمصادر إمداد مياه "مكوروت" الإسرائيلية، والتي تمنحه القدرة المطلقة على التحكّم بكمية المياه التي تصل إلى قطاع غزة، وبمستوى جودتها ونظافتها وصلاحيّتها للاستخدام من قبل سكّان القطاع.

فيما يخص موضوع تلوّث المياه أيضا، والمشاكل الصحيّة الناتجة عنه، يمكن ملاحظة غياب شبه تام لبعض أنواع الأدوية التي تساهم في الشفاء منها، لا سيّما تلك الأدوية اللازمة لمكافحة "جرثومة المعدة"، والتي لا يمكن العثور عليها في المراكز الطبية، او في الصيدليات الخاصة إلا بصعوبة بالغة، وهذا يثير الكثير من علامات الاستفهام حول قيام الاحتلال بمنع دخول هذا النوع من الدواء تحديدا وفي هذه الفترة بالذات.

على كل حال، يبدو أن مشاكل قطاع غزة تزداد كمّاً ونوعاً بفعل ممارسات الاحتلال، ورغبته في مواصلة جرائم الإبادة الجماعية ضد المدنيين الفلسطينيين وإن بطرق جديدة تجنّبه المسائلة القانونية والجنائية، وتعفيه من تحمّل المسئولية عما يلحق بأهالي القطاع من أزمات ونكبات.

كل ذلك يجعل من مهمة إجراء تحقيق دولي محايد في كل الجرائم الإسرائيلية التي اُرتكبت في غزة أمرا بالغ الأهمية، خصوصا مع إصرار حكومة الاحتلال على مواصلة حصارها للقطاع المنكوب والمدمّر، ومنع كل لجان التحقيق الدولية، وطواقم الصحافة الأجنبية من الدخول إليه، في محاولة للتغطية على جرائمها التي لم يُكشف عن الجزء الأكبر منها، وهي جرائم تتطلّب من الجميع العمل بكل الوسائل الممكنة لفضحها، وبذل كل الجهود المُتاحة لوقفها، او على أقل تقدير الحد من تداعياتها الكارثية على الشعب الفلسطيني المظلوم في قطاع غزة.

 

كلمات دلالية