غزة بين الكاش والترصيد

الساعة 08:30 ص|26 سبتمبر 2026

فلسطين اليوم | أحمد أبو قمر

يشهد سوق غزة تحولا لافتا في وظيفة النقد، فبعدما كان الكاش نادرا وكان المواطن يدفع عمولات مرتفعة للحصول عليه، أصبح جزء من حاملي النقد اليوم يدفعون عمولة للتخلص منه وتحويله إلى رصيد بنكي أو إلكتروني. هذه المفارقة تكشف تغيرا مهما في اقتصاد السوق، قيمة المال لا ترتبط بمدى سهولة استخدامه وتسويته وليس بقيمته الاسمية فقط.

خلال أزمة السيولة، كانت ندرة النقد تمنحه قوة تفاوضية كبيرة، ووصلت عمولات "التكييش" وفق ما كان متداولا إلى أن يكون المال مناصفة بين صاحب المال وتاجر التكييش. أما اليوم ومع توسع الدفع الإلكتروني وتشدد الكثير من التجار في قبول الأوراق النقدية -حتى الجديد منها-، فإن بعضه يجد صعوبة في قدرته على الحركة داخل السوق.

وتتراوح عمولات تحويل الكاش إلى أرصدة رقمية -يمكننا أن نطلق عليه مصطلح الترصيد-، بين 3% وقد تصل إلى 10% حسب جودة الورقة. وهذا يعني عمليا أن المواطن لا يدفع مقابل خدمة مالية فقط وإنما يتحمل تكلفة مرتبطة بجودة الورقة وقابليتها للتداول.

وبالتالي، نحن أمام سوق تسعر السيولة بحسب جودتها وقابليتها للاستخدام، وكلما زادت صعوبة قبول النقد، ارتفعت تكلفة تحويله إلى شكل أكثر قابلية للتداول. المفارقة الأهم أن الكاش لا يختفي وإنما ينتقل من يد إلى أخرى، من الأفراد إلى تاجر الترصيد ثم تاجر أكبر، ثم يعود إلى السوق بعدة أشكال. وفي المقابل تتوسع المدفوعات الرقمية لأنها باتت الأكثر قبولا من التجار المحتكرين لاستيراد السلع وتوفر تسوية أسهل خصوصا مع أزمة الفكة وصعوبة إعادة الباقي.

المشكلة ليست في النقد أو الدفع الإلكتروني بحد ذاتهما وإنما في ارتفاع تكلفة الانتقال بينهما، ولذلك كلما اتسعت هذه الفجوة أصبح المواطن هو الطرف الذي يتحمل جزءا أكبر من تكلفة دوران المال داخل الاقتصاد.

كلمات دلالية