أثانية كربلاء

الساعة 10:34 ص|23 سبتمبر 2026

فلسطين اليوم | عماد الحطبة

نقول إنّ للحقّ صولة وللباطل جولة، كلّ من ساروا على طريق الباطل إما نسيهم التاريخ، أو أنهم يذكرون في الصفحات السوداء التي تنبذها الأمم وتحاول أن تخفيها. وكلّ من رفع يده أو سيفه في وجه الباطل، وصال في ميدان الحقّ، تحوّل إلى رمز تفخر به أمّته، وتتعلّم من تاريخه بقية الأمم. اليوم ونحن نقبل على عاشوراء زماننا، نزور ذكرى سيد شهداء الأمة، لنبثّه بعض ما أنجزه أحفاد الحسين، جنود الحقّ في وجه الباطل.

على مشارف ذكرى استشهادك، نقول لك يا سيدي، إنّ أبناءك صمدوا ثلاث سنوات في تلة على الطاهر، أذاقوا خلالها العدو الهزيمة، هجوماً بعد هجوم، حتى أخذهم العدو بقلّة عددهم، وغياب نصيرهم، فكانت كربلاء أخرى، استشهد فيها شيعتك، وانتصبت أنت مارداً يطلّ على التاريخ، ليعيد الكرّة مرة بعد أخرى.

أنبيك يا سيدي، ما زال شبح شمر ابن ذي الجوشن يجوب صحاري الخيانة، يسعى لقتلك مرة أخرى، يؤرقه غياب جسدك، لأنك تركت عقيدة شهادة لا تذوي ولا تموت.. من كربلاء إلى بيروت إلى واشنطن، يحيك الدسائس، ويأمل من أبنائك الذلّة، ويعود في كلّ مرة بإخفاق جديد، وصوتهم يأتي من الجنوب اللبناني، من تلة علي الطاهر، من صنعاء وباب المندب، من الضفة الغربية وغزّة "هيهات من الذلّة... هيهات منا الذلّة".

نزور ذكراك اليوم، ليس لأنك الغائب، فأنت الأكثر حضوراً في قلوبنا وعقولنا، نزورها لنستمدّ منها صموداً، وعزيمة. لنستعيد معها تلك الابتسامة التي تزرع في قلوبنا الأمل، وذاك الخاتم يرتفع ليثير الرعب في قلوب الأعداء، وفي قلوبنا يمنحنا الثقة أنّ النصر آتٍ، مهما بدا لبعض المرجفين والمشكّكين بعيداً.

لا نزور تراب الضريح الشريف، وأنت أشرف من ضمّ التراب، لكننا نجلس في حضرتك لنسمع صوتك يتردّد في آذاننا وقلوبنا، وأنت الحاضر أبداً، نشتاق إلى سماع صوت أب يربّت على أكتافنا، وأخ يعضد عزمنا، وقائد يهدي مسيرتنا. نقرئك السلام من كلّ من آمنوا بطريقك، ونطمئنهم عنك وعنّا، من أننا ما زلنا نسير على طريق القدس الذي مضيت فيه، وأننا حافظون للعهد، أمينون على الإرث الثوري الذي تركته لنا، وفينا. نقول لهم إنّ هتافكم "فدا المقاومة... فدا السيد حسن"، وصل إلى سيدنا وقائدنا، وأنه اطمأن بأننا ماضون على درب التحرير. وكلما تسلّل بعض الخوف إلى قلوبنا، ننظر إلى البحر ونسمع صوته يهزّ لبنان "انظروا إليها.. إنها تحترق"، فتعود الطمأنينة إلى قلوبنا، ونسير خلفك حيث تقودنا.

يا سيد الشهداء، لقد خان من خان، وأدار البعض الدفة بعيداً عن رياحك، لكنّ من صمدوا، صنعوا المعجزات، فها هو باب المندب تحت سيطرة الثوّار، وهرمز الأبي يذيق العدو ألوان الهزيمة، ما زال الفقراء يرونك سيدهم، وحادي ركبهم، يتلمّسون خطاك ليسيروا على درب الحرية والكرامة الذي صنعت. ما زلنا نتجرّع سموم خيانات البعض، فلا نجد ملجأ سوى وعدك الصادق، ودمك الذي يخضّب طريق القدس، فنحثّ الخطى على الطريق، علّنا ندرك مجدك.

مرّ عامان على ارتقائك، وستمر علينا أعوام من دون رؤية ابتسامتك تهزأ من جبروتهم، لكنك زرعت في قلب أمة إرادة الصمود وحافز النصر. سنبقى على العهد كما علّمتنا، وستبقى ذكراك منارة هدى نسير على ضوئها، نسعى إلى النصر الذي وعدتنا. لم تغب عن الذاكرة، لكنني وعدت نفسي أن أزورك في ذكرى استشهادك كلّ عام، أبثّك ما يعتلج القلب من شوق، وأروي لك حالنا، واستلهم من منارتك درب الصمود على المبادئ.

"لقد كنتُ أحلمُ وعياً

وفي حلمٍ بالذي سوف يأتي وفاءُ

ومرّت جنازةُ طفلٍ على حُلُمي بالعَشِيِّ

يرادُ بها ظاهرَ الشامِ، قلتُ:

أثانيةً كربلاءُ"

كلمات دلالية